كنت قد كتبت العديد من المقالات حول هذه المسألة، وأرى أن الأمر صار واضحا للعديد من القراء، ولكني رأيت أن أخاطب الإخوة الأحمديين، وخاصة بعد أن تلقيت عددا من التعليقات والرسائل ورد فيها بعض الأمور التي تحتاج توضيحا.
فكرة الدكتور العوضي يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- أن النظام الطبي بمجمله نظام فاسد، وهو مؤامرة على البشر بقصد الربح.
2- أن الإنسان لا يحتاج إلى هذا النظام الطبي وبروتوكولات العلاج والأدوية، وإنما يمكن أن يتبع نظاما غذائيا يعالجه من كل الأعراض والأمراض. وعليه ترك هذا النظام.
3- هذا النظام الغذائي قائم على أن على الإنسان تجنب الخضروات بكاملها، لأنها طعام البهائم -حسب رأيه- وعليه تجنب الدجاج وبيضه، سواء كان يربى في بيئات جيدة أو كان من المزارع، وعليه تجنب الحليب ومشتقاته من ألبان وأجبان، وعلى الإنسان أن يتناول السكر بكميات كبيرة، لكي يحصل على الطاقة لجسده ولعقله، بغض النظر عن كونه مريضا بالسكر أم لا.
ووفقا لنا نحن المسلمين الأحمديين خاصة، وقبل مناقشة أي فكرة، يجب أن أذكر الأحمديين بالمبادئ التي ينبغي أن نستند إليها في معرفة الحقائق وفي اتباعها في شؤون ديننا ودنيانا، والتي يبدو أنها التبست على بعض الإخوة.
فنحن في الجماعة الإسلامية الأحمدية نتبع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وما يوافق القرآن والسنة من الحديث الشريف، ثم لدينا كتب وتفسيرات الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، ثم لدينا كتب وتفسيرات الخلفاء، ولدينا في النهاية خليفة الوقت، الذي تقضى عنده الأمور وفقا للوقت. وهو يقضي بما في القرآن والسنة، وبما جاء به المسيح الموعود، وقد يعيد النظر في بعض ما قدمه الخلفاء وفقا لطبيعة الوقت. وهذه ميزتنا التي تجعلنا دائما تحت الهدي الإلهي، كما أنها توحد الأحمديين جميعا تحت لوائها. وإن كان الغالبية العظمى من الأحمديين يدركون هذه الحقائق، إلا أن هناك فئة على ما يبدو لا تدرك حقيقة مقام الخلافة ومهامه، فيظنون أنه فقط يؤم الصلاة ويتكلم في تفسير القرآن الكريم فقط ويوجه في الأمور الدينية المحضة. ولكن الأمر ليس كذلك.
نحن نؤمن أن الخليفة يسير على خطى النبي ويقوم بمهامه، ونؤمن بأن مهام النبي والتي هي مهام الخليفة أيضا لخصتها الآية الكريمة:
{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة 152)
فواجباته هي:
1- تلاوة آيات الله، والتي تعني تلاوة القرآن وتفسيره واتباعه، وكذلك تقديم الآيات والدلائل على وجود الله تعالى وصفاته.
2- التزكية، والتي تعني التطهير والتنمية والتطوير. فالعلاقة مع الخليفة تؤدي إلى تطهير النفوس وانجذابها نحو الحسنات من خلال التعليم ومن خلال الارتباط برابطة الحب والوفاء والطاعة معه، وتؤدي أيضا إلى تنمية المؤمنين وتطوير علمهم ومواهبهم في شؤون الدين والدنيا، بتوجيهه ودعائه.
3- ويعلمهم الكتاب والحكمة، أي يبين لهم ما افترض عليهم وما يجب أن يلتزموا به وأن يتركوه، كما يبين لهم الحكمة من هذه الفرائض سواء المسموح أو الممنوع. وهذا يخص شؤون الدين والدنيا.
4- ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، أي أن العلم النهائي مصدره الخلافة في كل شؤون الحياة، وهذا لسببين؛ الأول هو أنه يتاح للخليفة ما لا يتاح لغيره من حيث العلوم الدنيوية، حيث إنه لو طلب أي معلومة أو استشارة في أي شأن فستصله معلومات ومشورات من الخبراء في جميع أنحاء العالم من الأحمديين، والذين يقدمون المعلومات من وجهات النظر المختلفة. وثانيا لأنه يتوجه إلى الله تعالى لكي يصل إلى النتيجة الصحيحة بعد الاستشارة، ثم يوجه الجماعة إلى ما اطلع عليه ثم سأل الله تعالى عنه.
وهكذا، فعندما صادف بعض الأحمديين الدكتور العوضي ونظامه، فكان ينبغي أن يقيسوها على مبادئنا الأساس والتي هي القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام المسيح الموعود عليه السلام وخلفائه، فإن ظنوا أن هناك علما جديدا، وأن هذا العلم لا يتناقض في أساسه مع القرآن والسنة، ولا مع كلام المسيح الموعود وخلفائه التابع والمفسر للقرآن والسنة، فكان ينبغي أن يدركوا أنه لو كان علما نافعا حقيقيا وأمرا لا بد منه للبشر في أيامنا هذه، فسيجدون الخلافة تأمر به وتوجه نحوه تلقائيا.
أما إذا ظن أحد بأن الخليفة ربما لم يطلع على هذا النظام، ولذلك لم يأمر به، فهذا إساءة ظن بالله تعالى أولا، الذي ما كان من الممكن أن يحجب هذا الأمر عن الخليفة! ثم إن في الجماعة عدد من كبار العلماء في علوم الطب وفي كل قطاعات العلوم، وفيما لو كان لديهم أي شيء ضروري يريدون إبلاغه للخليفة فسيبلغونه فورا. وهؤلاء العلماء ليسوا جزءا من النظام الفاسد، ولا يمكن أن يصمتوا عن الحق ليحافظوا على أرباح أو مكاسب.
أما لو تجاوزنا ذلك جدلا، وقيل إن الخليفة لم يعلم بهذا النظام، وسيقرر بعد أن يطلع على هذا النظام الذي ربما لا يعلم عنه، فنقول إنه أبلغ من خلال العديد من الرسائل، وقرر أن هذا النظام ليس صحيحا، وأن على الإنسان أن يكون متوازنا ويتناول الخضار والفاكهة والدواجن واللحوم بأنواعها وكل ما أحله الله تعالى وتوفر دون إسراف، وفقا لما وضح الإمام المهدي والمسيح والموعود، وبيَّن أن للأغذية أثرا على الأخلاق وليس على الصحة البدنية فقط، وعدم التوازن يؤدي إلى خلل في أخلاق المرء ومن ثم إلى خلل في علاقته مع الله تعالى التي تستند إلى تقويم هذه الأخلاق أولا.
أما الطرح الذي يطرحه قلة قليلة من الأحمديين الذين لا يدركون حقيقة الخلافة، والذين يقولون إن هذه المسألة مسألة طبية ولا علاقة للخلافة بها، فهذا يدل على سوء فهم لحقيقة الخلافة ومقامها ومهامها، والذي قمنا بالتذكير به أعلاه.
فوفقا لما سبق، يمكننا القول:
1- النظام الصحي والأدوية والعلاجات ليست فاسدة، بل هي من قدر الله تعالى، وهي مما أنعم الله به على البشرية من تطور مقدَّر للبشرية لكي تتحسن حياة الناس. والاعتقاد بفسادها الكامل يخالف مبادئ هامة جدا في تعليمنا، ومنها إحسان الظن وعدم الانسياق خلف الإشاعات وسوء الظن. ولو كان هذا النظام فاسدا، فكان الخليفة سيعلن لنا ذلك.
2- لا غنى عن الدواء والعلاجات والاكتفاء فقط بنظام غذائي يشفي من الأمراض! فهذا غير صحيح، ومخالف لكتاب الله وسنته وهدي الجماعة وموقف خليفة الوقت. فاللجوء إلى الطب والتعرض لبروتوكولات العلاج وتناول الأدوية أمر واجب، وربما يؤدي التقصير فيه وتعريض النفس والصحة للخطر إلى المسئولية أمام الله تعالى.
3- اتباع نظام صحي يمنع ما أحله الله تعالى وما أنعم به على البشر من أطعمة نباتية وحيوانية، والتقرير بأن جزءا منها ليس صالحا للبشر في الأصل، يخالف صريح القرآن الكريم وصريح السنة النبوية الشريفة وما وافقها من حديث، ويخالف كلام المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام وكلام خلفائه وكلام خليفة الوقت الذي لم يرَ أن هناك شيئا قد يستدعي تفسيرا أو تأويلا خاصا.
وكنت قد بينت أن الدكتور العوضي قد اتبع أساليب يمكن أن تؤثر على عوام الناس وجهلتهم، ولا تليق بالعقلاء والفاهمين الذين إن تأثر به أحد منهم، فقد يكون يأسهم قد جعلهم ربما يرون في كلامه بصيص أمل، و قد لا أستغرب أن يتبع غير الأحمديين صرعات وصيحات كهذه، لأنهم لا يحظون بالنعمة التي نعيش تحتها، وسيبقون يتبعون كل صيحة على غير هدى ولا رشد. فقد وثقوا في علم شخص واتبعوا توجيهاته وصدقوه وفضلوه على مئات الآلاف من العلماء الذين يفوقونه في العلوم الطبية وعلوم التعذية، ليس لشيء سوى لأنه عبث بمشاعرهم ولعب على وتر نظرية المؤامرة، وقدم لهم وهما! فمن أين لهم اليقين أنه كلامه هو الكلام الصحيح؟ هل العلوم الطبية هي أسرار وشعوذة يجتمع عليها متعلمو الطب ويؤخذ منهم العهد على أن يلتزموا بالمحافظة على مصالح جماعة الأطباء الذين يريدون استغلال البشر ونهبهم؟! فالعلوم الطبية ليست حكرا على الأطباء وتتداولها جمعيات سرية، بل علوم متاحة للبشرية جمعاء، وهي علم تراكمي شارك فيه الملايين من البشر على مدى مئات السنين، وتعرض للاختبار والتجربة في جميع أنحاء العالم، وثبت نجاحه الكبير في أن نسبة الوفيات في العالم كله قد قلَّت، ومتوسط الأعمار قد ازداد في جميع أنحاء العالم، وزاد عدد البشر بوتيرة عالية في العقود الأخيرة. المهم أن كل هذا قد يقع فيه الآخرون، ولكنه ليس مقبولا بالنسبة للمسلمين الأحمديين، الذين -وإن كانوا قلة قليلة- يتركون اليقين إلى الشك، ويسيرون خلف الصيحات والصرعات، ويتناسون الأسس الراسخة للعلم الصحيح وما نتمتع به من هدي مستمر في جميع شؤون الحياة.
وأعلم أن بعضهم يقولون إنهم قد اتبعوا هذا النظام ووجدوا تحسنا، وقد كررت مرارا بأن ترك بعض الأطعمة قد يلائم بعض الأمراض والحساسيات، كما أن تناول السكر بكميات كبيرة قد لا يترك أثرا سيئا فوريا على صحة الإنسان فيما لو لم يكن يعاني من السكري، أما مرضى السكري فإن هذا سيؤدي إلى تدمير صحتهم وقد يفضي إلى الموت سريعا.
فآمل، أن يكون هذا آخر ما أكتبه حول هذا الأمر، وآمل أن تصل هذه الكلمات إلى قلوب وعقول من تأثر من إخواني الأحمديين -متأثرين بغيرهم ومتبعين لهم- وأن ينقذهم من هذا، وتكون المسألة برمتها تذكارا وتذكيرا بما ينبغي على الأحمدي فعله في المستقبل في حالات مشابهة، وأن يدرك حقيقة مقام الخلافة والنعمة العظمى التي نحظى بها تحتها، آمين.


لا يوجد تعليق