قد يبدو الشذوذ – لمن لا يقيم وزنا للدين ولا يعدُّه مصدرا لمعرفة الحسن والسيئ- أمرا شخصيا، بل من صميم حرية الإنسان، الذي يظنون أنه من حقه أن يفعل بجسده ما يشاء. ولكن الحقيقة أنه خطر على المجتمعات، بل على سلام العالم بأسره، ناهيك عن المخاطر الصحية البدنية والنفسية على من يمارسونه. ولهذا نجد الإسلام قد حرمه وأدانه، ومن قبله الشريعة اليهودية، ولم تشجعه التعاليم المسيحية، ولكننا نرى أن الكنيسة قد انهارت أمامه حاليا وخضعت، رغم أن الكتاب المقدس قد بين بأن قريتين قد عوقبتا بالنار والكبريت -وهما سدوم وعمورة- بسبب ممارسته.
أما فيما يتعلق بالدولة اليهودية المزعومة إسرائيل، التي قامت على أساس ادعائهم بوعد ديني إلهي فيه ما فيه من شذوذ عن الأخلاقيات والقيم الدينية، فقد كان موقفها مخالفا لهذه الشريعة وموافقا لتركيبتها وأخلاقياتها الشاذة، إذ تعد من أكثر الملاذات الآمنة للشواذ؛ إذ إن القوانين تحميهم وتعطيهم الحرية في الزواج الشاذ والتبني وغير ذلك، بل ويمنع القانون الأطباء النفسيين من عدِّ الشذوذ خللا نفسيا يحتاج علاجا، ويفرض عليهم عقوبات!
وهكذا، بقي الإسلام وحده صامدا أمام طوفان الشذوذ الذي اجتاح العالم؛ علما أن الإسلام لا يعاقب على الشذوذ بالموت كما يدعي البعض وكما يروجه كثير من الشواذ، بل يحكم بأن هذه الحالة يجب ألا تكون حالة مقبولة تواجه بالترحاب والتقبل، وإنما يجب أن يكون هناك أذى ومضايقة إيجابية، تعاقب المجرمين الذين ينتهكون الضحايا من خلال القوانين، وتعالج الضحايا وتشعرهم بأن حالتهم حالة شاذة لا بد أن يتخلصوا منها ويعالجوا نفسيا، أو من خلال برامج تربوية ملزمة لتعديل السلوك.
وفيما يتعلق بالغرب، فإن الشذوذ في الواقع قد وضع المسمار الأخير في نعش المسيحية البولسية، وسقطت أمامه الكنيسة الكاثوليكية نفسها، أما البروتستانتية، فقد استولى الشواذ عليها بالكامل. وبالنظر إلى أن المسيحية الصهيونية هي الذراع الأقوى للبروتستانتية حاليا خاصة في الولايات المتحدة، فهذا يعني أن الشواذ هم الذين يمسكون بمفاصل السياسة الأمريكية ويوجهونها، مدعومين بالصهاينة اليهود واللوبي الصهيوني المتمثل بالإيباك وغيرها. وسواء كان السياسيون الأمريكيون شواذ بالفعل، واشتهروا بذلك، كمثل لندسي غراهام الهالك مؤخرا، أو ممن لم يُعرف عنهم ذلك أو لم يفتضحوا، فإن سلوكهم في الواقع هو سلوك الشواذ السلبيين الذين انتهكت عندهم جميع القيم والأخلاقيات، وأصبحوا مطية للصهيونية وإسرائيل، بحيث يفضلونها على أنفسهم وعلى الولايات المتحدة نفسها، ويتغزلون فيها بمنطق العشيقة لعشيقها! وأوضح مثال على ذلك السفير الأمريكي مايك هاكبي، الذي يدلي بتصريحات تثير حفيظة كثير من الأمريكيين أنفسهم، لما فيها من هوس العشق لإسرائيل وتبريره لكل جرائمها وأحلام التوسع عند مهووسيها، ولما فيها من ادعاءات غاية في الغرابة كقوله إن الولايات المتحدة مدينة لإسرائيل بقيامها! رغم أنها قامت قبلها بمئة وسبعين سنة.
أما لماذا هناك خطر من الشواذ على سلام العالم؟ فالجواب -مع التركيز على الرجال خاصة لأنهم غالبا ما يمسكون بمفاصل السياسة والأعمال في العالم- هو أن الشاذ قد انحرف عن جوانب فطرية تدفع الإنسان نحو الرحمة والمواساة، مرتبطة بميله للجنس الآخر ورغبته في إنجاب الأطفال ورعايتهم. فالرجال الطبيعيون تجدهم يتهذبون ويحاولون أن يظهروا أحسن ما عندهم بحضور النساء، يحبون أن يساعدوا النساء عموما ويقدموا لهن خدمات، ويكونون سعداء في ذلك، لأنهم يرون المرأة كائنا لطيفا محبوبا. وهذا الدافع يدفعهم لأن يتزوجوا، بل أن يصبح مشروع حياتهم هو أن يبنوا حياة ناجحة ليتزوجوا. وعندما يتزوجون ستتولد فيهم الرغبة في الإنجاب، وإنجاب الأطفال يفجر في داخلهم رحمة خاصة، بحيث تجدهم تلقائيا بعد الإنجاب يميلون إلى أن يعاملوا الأطفال برحمة وأن يساعدوهم، متذكرين أنهم كمثل أبنائهم. فإذا لم يكن لدى الرجل ميلا إلى النساء، ولم يكن لديه أطفال، أو على الأقل يحب أن ينجب، فلا يمكن أن يتهذب سلوكه ولا أن تتولد في قلبه الرحمة تجاه النساء والأطفال، لذلك فإنه لن يبالي بهم ولا بمعاناتهم، ويمكن أن يرتكب بحقهم أبشع الجرائم، أو أن يدعو إلى ذلك ويفرح به.
وإذا نظرنا في العالم اليوم، فسنجد أن إسرائيل قد أصبحت معروفة بأنها قاتلة النساء والأطفال والأبرياء، وأن قيم الرحمة والعدالة الإنسانية غائبة عنها وعن سياستها وعن ممارساتها على أرض الواقع، لذلك فلن تجد إسرائيل من يسير معها ويساندها إلى آخر الطريق إلا من انعدمت من قلبه الرحمة والمواساة الإنسانية، وليس هناك أقرب إلى ذلك من الشواذ!
لذلك، كان من الطبيعي أن ليندسي غراهام، كان من أشد الداعمين لإسرائيل ومن الذين دعوا إلى تدمير غزة تسويتها بالأرض بمن فيها، وإلى ضربها بالنووي لو تطلب الأمر! وفي مقابلة مع إحدى القنوات برر دعاواه هذه بالقول بإننا نحن الأمريكيين قد سوينا المدن الألمانية وطوكيو بالأرض من قبل، فهل فكرنا يومها بمعاناة أطفال الألمان وتجويعهم؟! ومع أن الذي قد يتبادر إلى الذهن هو أن الشاذ السلبي قد يكون لطيفا لأن نفسيته ستكون أقرب إلى نفسية النساء، فإن الواقع أن العكس هو الصحيح. فالرجل كامل الرجولة تكمن في رجولته الرحمة بالنساء والأطفال، بل تجده مستعدا لأن يضحي من أجلهم بسبب فطرته وميوله الطبيعية، خاصة إذا كان متزوجا ولديه أطفال. أما الشاذ كمثل هذا الشخص، فلا يقتصر الأمر على أنه لا يشعر بهم فقط، بل قد تدفعه ميوله الشاذة إلى التلذذ بقتلهم وإيذائهم.
ومع أن محددات السياسة الغربية والأمريكية خاصة قائمة على السلب والنهب والربح على حساب الشعوب الضعيفة بصورة أساسية، ويتم تجميلها بالادعاء بالوازع من الديانة المسيحية التي هي في أصلها بريئة منهم ومن أفعالهم، إلا أنه لولا انتشار الشذوذ وإمساك الشواذ بمفاصل السياسة بل والكنيسة البروتستانتية خاصة، لهذبت الرحمة الفطرية التي في قلوب الناس الأسوياء السياسة الغربية إلى حد كبير، مع أنها لا تكفي وحدها.
وهكذا، فلن نستغرب هذه العلاقة الوثيقة بين إسرائيل وبين الشواذ على جميع الأصعدة، لأن قيام إسرائيل في الأصل كان شاذا، وبقاؤها واستمرارها يتطلب أناسا قد انتزعت الرحمة والمواساة الإنسانية من قلوبهم، ومن الذين سيعانون من مصير وخيم بأنفسهم، ويريدون دفع العالم نحوه أيضا.
ومما يؤكد ذلك، ويبين العلاقة بين الشذوذ وكبرى الجرائم الإنسانية والإبادات الجماعية، أنه قد جاء في التاريخ أن كثيرا من الطغاة كانوا من الشواذ سواء الذين يمارسون الشذوذ أو من المنتهكين الخاضعين؛ كمثل الإسكندر ويوليوس قيصر ونيرون وكاليغولا هادريان وبعض ملوك إنجلترا كإدوارد الثاني وجيمس الأول. وإذا لم يكونوا ممن اشتهروا بالشذوذ فهم في الغالب لم يكونوا متزوجين أو أرباب أسر كهتلر على سبيل المثال. وما أراه هو أن هذه الظاهرة يجب أن تدرس دراسة مستوفية من شتى الجوانب لاستخلاص العبر من التاريخ، لتبيان أهمية السلوك القويم والأسرة في نشوء الرحمة بين البشر وممارستها.


لا يوجد تعليق