الجميل في الإسلام هو أنه لا يُرى جماله بعيون معتنقيه فقط، وإنما ترى جوانب بعيون الآخرين، بما لا يلتفت إليه المسلم أحيانا.
فقد أعجبني ما قالت كارين آرمسترونج في إحدى المقابلات، والتي كانت في السابق راهبة مسيحية، وهي باحثة في مقارنة الأديان، وأصبحت من أبرز من يقدم صورة الإسلام الناصعة والجميلة للغرب ودافعت عنه، أن أهم ما رأت فيه في الإسلام أنه دين لا يركز على اللاهوت والجدالات كتركيزه على الشعائر والعمل، وأن هذه الشعائر هي التي تترك أثرا حقيقيا وتغييرا في الشخص وفي المجتمع.
وبالفعل، فإن الإسلام لا يطالب المسلم أن يدرس لاهوتا معقدا، وأن يقتنع أولا بتفاصيل صفات الإله وكينونته، وأن يكون قادرا على الرد على الشبهات والأمور الجدلية التي قد تثار حول الألوهية وحقيقتها، بل كل ما يطلبه هو أن تقر أن لك إلها واحد هو خالق كل شيء، وهو واحد أحد لا ثاني له، وفرد صمد يعتمد عليه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، وأنه لم يلد ولم يولد ولا يمكن أن يكون له مكافئ من زوجة أو غير ذلك. وصيغ ذلك في واحدة من أقصر سور القرآن الكريم:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (2) اللَّهُ الصَّمَدُ (3) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (4) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } (الإِخلَاص 2-5)
والمطلوب منك إنما هو أن تلتزم بالصلاة بصورة أساسية، والتي هي إنما هي إقرار بالعبودية لهذا الإله، بحركات الجسد الذي يجب أن يتوافق مع ما في داخلك وفي نفسك، وأن تقر بضعفك وعجزك وقلة فهمك وقلة حيلتك، وأن تطلب من الله المعونة لكي يكمل لك هذه النواقص، ويعطيك القوة والفهم والقدرة ويوفقك للوصول إلى أهدافك. فالصلاة هي تجسيد لإقرار الإنسان بضعفه وتواضعه، وأنه ليس إلها، كما أنه ليس مستعدا لأن يسجد لآلهة أخرى، وبخاصة أولئك البشر الذين يحظون بالقوة والنفوذ، ويتبعهم الناس رغبة أو رهبة.
فهذا الذي تحتاجه الإنسانية، والذي ليس إلا التواضع ونبذ الكبر الذي ينشأ في البشر بسبب ما يحظون به من قوة ومن ثروات، ويظنون بسببها أن مصيرهم ومصير العالم كله بيدهم، وأنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم!
ومع ذلك، فإن الإسلام يقدم منظومة متماسكة للغاية في منتهى الدقة فيما يتعلق باللاهوت، ولكنها لمن أراد أن يزداد علما، ومع ذلك فإن الإسلام يؤكد أن العلم الذي لا يترافق مع التواضع والتقوى، والذي لا يترك أثره الإيجابي على صاحبه، لا فائدة منه. وهذا في الواقع يتضمن ردا على بعض المدارس في الفكر الإسلامي التقليدي، الذين ينشغلون باللاهوت وعلم الكلام، ويظنون أنه كل شيء، ويكسبهم التكبر بدلا من التواضع الذي هو الهدف الحقيقي للإسلام، الذي يعني الاستسلام والخضوع لله تعالى.
وأعجبني أيضا ملاحظة تاكر كارلسون، الذي كان في يوم من الأيام من أشد المعادين للإسلام، ومن الذين يحرضون ضده، أنه قال أثناء مقابلة مع جو روغان في نيسان 2024، إنه كان في رحلة جوية في الشرق الأوسط، وكانت الطائرة من طابقين، وكان هناك فسحة في الطابق الثاني، فرأى أن رجلا بملامح جنوب آسيوية يخرج سجادته ويصلي والناس نيام، وقال: يمكن أن تسموني لعبة بيد محمد أو ما شئتم، ولكني مسيحي، وقد كنت من المعادين للإسلام أيضا، ولكن الشخص الذي يخرج سجادته ويصلي لربه معلنا أنه ليس إلها، خلال رحلة جوية، والناس نيام، لا يمكن أن أعتبره عدوي! إن ما يحتاجه الغرب هو أن يدركوا أنهم ليسوا آلهة!
والحقيقة أن تاكر كارلسون وكثير من أمثاله، قد أدركوا أنهم كانوا في الواقع لعبة بيد الصهيونية، التي سعت للتحريض على الإسلام، وخلق الهلع أو الإسلاموفوبيا في الغرب وكأن الإسلام هو عدوهم الذي يتربص بهم، لأغراضهم الخاصة، وقاموا باستغلال الغرب وبخاصة أمريكا أبشع استغلال، وجعلوا السياسة الأمريكية بكاملها تعمل بخضوع مهين لإرادة الصهيونية. فيبدو أن هذه القاعدة تتوسع، وأن الصهيونية لن تجد لها موئلا ولن تتمكن من الاحتماء خلف حجر ولا شجر في المستقبل، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


لا يوجد تعليق