التقيت أمس، بعد صلاة الجمعة بأحد الإخوة، الذي كان له شقيق قد توفي قبل أسابيع قليلة، فحدثني بأسى عن قصة وفاة شقيقه، الذي كان أحد ضحايا “نظام الطيبات”.
قال إن شقيقه، قبل أن يُتوفى بما يقارب الثلاثة أشهر، شعر بنوع من التعب والإرهاق فراجع المستشفى. وبعد الفحص، تبين أن لديه تضيقا في شريانين يمكن إزالته بالقسطرة، ولكن الأطباء رأوا أنه يمكن أن تتحسن حالته أولاً بأخذ بعض الأدوية التي تساعد في فتح الشرايين وتوسيعها، على أن يفحص بعد مدة، فإن بقيت هناك حاجة للقسطرة فلا بد من القيام بها.
أخذ الرجل الدواء، والتزم به لمدة شهر، وبدأ يشعر بتحسن ملحوظ. ولكن، في تلك الأثناء، عثر على مقاطع وفيديوهات الدكتور العوضي وبدأ بمتابعته، فقرر فورا التخلص من الدواء والتوقف عنه، وأن يلتزم بتعليمات هذا النظام الأخرى؛ والتي تشمل ترك الدجاج والبيض والخضروات، والاعتماد على تناول اللحوم والأرز والبطاطا، مع الامتناع شبه التام عن شرب الماء إلا بكميات قليلة عند العطش، وتناول كميات كبيرة جدا من السكر بحجة الحصول على الطاقة!
خلال شهرين فقط، فقد الرجل ما يقارب 12 كيلوغراما من وزنه، وبدأ يظهر عليه الهزال الشديد، وهو ما لاحظه إخوته بوضوح. ولكنه، بسبب “الوهم” الذي يفرضه هذا النظام على متبعيه، كان يكابر ويقول إنه يشعر بأن صحته تحسنت وقوته ازدادت، بل زعم أن نظره قد تحسن، وأنه يريد الذهاب إلى طبيب العيون لتغيير عدساته وتقليل درجاتها! كان شقيقه يحضه مرارا على ترك هذا النظام ويحذره من الهزال البادي عليه، ولكنه لم يستمع لنصيحته.
ثم في أحد الأيام، بعد انقضاء شهرين ونيِّف من التزامه بهذا النظام الصارم، قال لزوجته إنه يشعر بتعب شديد، وطلب منها أن تضع كميات كبيرة من السكر في كأس ماء وتخلطه ليشربه لكي يحصل على الطاقة السريعة —وفقا لـ “وصايا العوضي”— وبعد ذلك بربع ساعة، خرج من البيت متوجها إلى الدكان القريب، فسقط في الطريق، وتبين أنه قد فارق الحياة على الفور.
عندما ذهب به إخوته وأقاربه إلى المستشفى، أخبر شقيقه الطبيبَ أنه كان يعاني من تضيق في شريانين، ظنا منه أن هذا هو السبب المباشر. فراجع طبيب التشخيص وطبيب الطب الشرعي ملفه الطبي على الحاسوب، وتبين أن هذين الشريانيين بتضيقهما السابق لا يمكن أن يتسببا وحدهما في هذه الوفاة المفاجئة، بل كان أقصى تأثير لهما يظهر عند الجهد المرتفع. لذلك، تقرر تشريح الجثمان لمعرفة السبب الدقيق للوفاة، خاصة مع وجود رضة على رأسه وأخرى على مرفقه نتيجة السقوط، للتأكد طبيا وشرعيا من طبيعة الوفاة.
وبعد التشريح، تبينت الحقيقة الصادمة: لقد حدث معه احتشاء حاد في عضلة القلب (جلطة قلبية مفاجئة)، وكان هذا هو سبب الوفاة المباشر.
لم يكن المتوفى يعاني من مرض السكري ولا من ضغط الدم، ولكن وصفة تناول كميات هائلة من السكر مع الامتناع عن شرب الماء هي “الوصفة المثالية” لرفع لزوجة الدم بشكل حاد وتشكل الخثرات، مما يؤدي إلى احتشاء القلب سريعا. وهي مسألة علمية معروفة ومثبتة طبيعيا لمن شاء أن يبحث عنها في المراجع العلمية؛ فالجفاف مع التدفق الفجائي للسكر في دم شخص يعاني أصلاً من تضيق في الشرايين التاجية هو بمنزلة انتحار طبي، وهذا الخطر يتضاعف أضعافا مضاعفة عند من يعاني أصلا من السكري والضغط.
والجدير بالذكر، والمثير للمفارقة، أن هذا العارض الصحي الحاد (احتشاء القلب) كان هو نفسه السبب في وفاة العوضي نفسه، رغم أن أتباعه ومريديه ما زالوا مصرين حتى اليوم على إنكار الواقع، والادعاء بأنه قتل نتيجة “مؤامرة كونية” اشتركت فيها الدول مع شركات الأدوية! علما بأن الهزال الشديد والجفاف كانا باديين عليه بوضوح قبل وفاته، إضافة إلى تدهور حالته النفسية وانفعاله الشديد وتقلُّب مزاجه في فيديوهاته.
رحم الله تعالى الفقيد وغفر له، وعوض أهله خيرا.
وهكذا، فإن ما جرى مع هذا الأخ المرحوم يذكرني بما سمعته من بعض الإخوة الذين فتنوا بهذا الطرح، وظنوا أن نزول وزنهم السريع هو علامة صحة، وعندما شعروا براحة مؤقتة في قولونهم (نتيجة قطع بعض الأطعمة) ظنوا بأنهم شُفوا تماما من أمراضهم أو أن صحتهم قد تحسنت، فخدعوا أنفسهم وأخذوا يكابرون. وما أكثر الذين لم نعرف قصصهم، ومن غادروا هذه الدنيا في صمت ولم يتمكنوا من الرجوع إلينا ليخبروا الناس بالحقيقة وينقذوا غيرهم!
العجيب هو كيف استطاع هذا الفكر التغذوي الفوضوي، الذي يقدمه شخص كان باديا عليه آثار الاضطراب، أن يؤثر على هذا العدد الكبير من الناس، وعلى قطاعات مختلفة منهم، لدرجة جعلتهم يتركون المراجع العلمية الحقيقية والدقيقة، ويتبعون أطروحات تفتقر لأبسط القواعد الطبية، مغمضين أعينهم عن التناقضات الصارخة في هذا الطرح، ليعبثوا بصحتهم ويتسببوا بكوارث حقيقية لأنفسهم ولأسرهم. والأسوأ من ذلك كله، أن يستمر بعضهم في التمسك برأيه والدفاع عن هذا الوهم، حتى بعد أن رأوا بأم أعينهم كيف يدفع المخدوعون حياتهم ثمناً لهذا العناد!


لا يوجد تعليق