جرائم الشرف ليست من الإسلام ولا من الشرف!

1

عندما نزل حدُّ قذف المحصنات؛ أي قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور 5)

قال سعد بن عبادة رضي الله عنه:

{لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ} (صحيح البخاري، كتاب التوحيد)

أي أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قد استغرب من هذا الحكم، ورأى أنه لا بد وأن يدافع عن شرفه قبل كل شيء كما تقتضيه غيرة الرجل الشريف الغيور، وقال إنه لو وجد رجلا مع امرأته فسيبادر بقتله وقتلها دون أدنى تردد. وبدا له أن هذه الشروط قد تبدو غير منطقية ولا واقعية، بل وكأنها لا تراعي الحالة النفسية للرجل المكلوم. فهل من المعقول أن الرجل إذا ضبط زوجته في هذه الحالة فعليه أن يدعو ثلاثة من الجيران ليشاهدوا الحدث معه؟ ثم ألن ينتبه الزانيان حينها وينفضا قبل مجيء بقية الشهود؟ ثم، ألا يبدو الأمر وكأنه نوع من البلادة والدياثة وانعدام الغيرة؟

ولهذا نجد أن رد النبي صلى الله عليه وسلم قد ابتدأ بالثناء على غيرة سعد وامتداحها، وليؤكد بأن الله تعالى لا يرتضي بالدياثة، والأمر ليس كذلك هنا. وقال إنه صلى الله عليه وسلم أشد غيرة من سعد، والله تعالى الذي أنزل هذا الحكم أشد غيرة من النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يجب أن نفهم ما الدافع وراء هذا الحكم وهذه الشروط التي قد تبدو غريبة.

إن الهدف من هذه الشروط هو ألا يستسهل قذف امرأة بجريمة الزنا، لأن شروط الإثبات لو لم تكن مشددة فإن بعضا من عديمي الشرف والضمير من الرجال قد يتهمون النساء الشريفات جزافا. بل قد يدَّعي أحد عديمي الشرف هؤلاء أنه قد مارس بنفسه الزنا معها ويشيع ذلك. فالله تعالى قرر أن شخصا كهذا يجب أن يعاقب بجريمة القذف، ولن يقبل منه هذه القول، وسيعد مجرما باطل الشهادة حتى يتوب.

وصحيح أن الله تعالى لا يحب الفاحشة، ولكنه لا يحب أن يرمى بريء بتهمة تشوه سمعته، ويقدِّم حماية الأبرياء على معاقبة المجرمين، ويفضل كتم الفاحشة على إشاعتها وفضحها إلا في حالة الاضطرار لصيانة بعض الحقوق. فليس الهدف من الشريعة معاقبة الزناة بالدرجة الأولى وإنما الهدف هو القضاء على الزنا ومنع انتشاره، كما أن هدفها المقدم أيضا إنما هو حماية الأبرياء وشرفهم وأعراضهم. ولا شك أن هذه الشروط المشددة قد يستفيد منها الفاسقون والفاسقات وتحميهم من العقوبة، ولكن لأن يستفيد عشرات المجرمين من العذر عند الله تعالى خير من أن يُتهم بريء وتشوه سمعته.

والحقيقة أن شروط إثبات الزنا في الإسلام تبدو مستحيلة، ولهذا لم يثبت في التاريخ الإسلامي كله أنها قد تحققت. فكيف يمكن أن يثبت الزنا بشهادة أربعة شهداء يشهدون أنه قد تمَّ كاملا ورأوا ذلك رأي العين؟ وكيف يمكن أن يذهب أربعة للشهادة وهم يدركون خطورة أنه لو كان ثلاثة متيقنين منهم ولم يكن الرابع متيقنا فسيجلدون بحد القذف ويعدُّون كاذبين؟ هذا غير ممكن إلا إذا كان الطرفان يقومان بذلك في مكان عام ولا يتورعان -كما يحدث في بعض الأماكن حاليا في الغرب- أو فيما لو كانا مثلا يريدان أن يشاهد الناس ويتاجران بذلك كما هو حال تجارة المواد الإباحية حاليا. مع أن الإثبات في وقتنا الحالي ينبغي أن يراعي إمكانية التزوير في المواد المرئية أيضا، وينبغي الاجتهاد في التشريعات بما يتلاءم مع ذلك. فهذه الفاحشة لا بد أن تمنع وألا يسمح لها بالشيوع.

وعلى كل حال، فإن أهم ما يمكن أن نستخلصه في سياقنا هذا إنما هو أن الإسلام لا يعطي للرجل الحق في قتل زوجته والرجل الذي ضبط معها في هذه الحالة. ولكن الإسلام لا يدعوه أيضا إلى تقبل الأمر وكأن شيئا لم يكن، بل عليه أن يطلقها ويتخلص منها لكي يجتث هذا الفساد من أسرته، والأولى أن يقوم بذلك بهدوء. وفيما لو كان لا بد من رفع المسألة إلى القضاء، فقد أعطى الإسلام للرجل استثناء من جلب الشهود الأربعة؛ حيث نزلت آية الملاعنة بعد هذه حادثة، والتي تعطي تبيح للزوج بأن يدعو زوجته أمام القضاء فيقسم أربعة أيمان أنه ضبطها في هذه الواقعة، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذبا، فإن أقرت ولم تجرؤ على الإنكار ثبتت عليها الواقعة، وإلا فيمكن أن تقسم أربعة أيمان أنه كاذب، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقا، ثم يفرَّق بينهما وينصرفا. ولم يعط الإسلام للرجل الحق في سفك دمها ودم المجرم المضبوط معها، رغم أن الإسلام يرى أن جريمة الزنا من أكبر الكبائر.

وبهذا نرى أنه لا يحق لرجل أن يقتل زوجته حتى لو ضبطها متلبسة بالزنا؛ فكيف إن قام بقتلها أو قتل أخته أو ابنته بناء على شبهة! وهو ما يسمى اليوم بقتل الشرف؟ فهذا ليس من الإسلام ولا من الشرف في شيء! فصحيح أن الرجل الشريف الغيور لا يتقبل الفاحشة ولا يتساهل فيها، ولكنه يفضل أن يستر الأمر على أن يشيعه، ويمكن له أن يتصرَّف بعقل وحكمة وحزم في عدم تقبل الفاحشة وعدم التكيف معها، ثم يفوِّض ما وقع عليه الأذى إلى الله تعالى. فلا بد أن يطلِّق هذه المرأة الفاسقة، بل لا بد أن يطلقها إذا تيقن أنه قد بدرت منها مقدمات الزنا قبل أن تصل الأمور إلى ضبطها في واقعة كاملة، ولا بأس في أن يحسن إليها أيضا ويسترها محتسبا ذلك عند الله تعالى. أما فيما لو جمعت مع فسقها الوقاحة، وأرادت أن تضرر الرجل أو تطالبه بتعويض، فيمكن أن يدعوها للملاعنة مضطرا. وفيما يتعلق بالأخت أو البنت، فيمكن أن يقوم بإجراءات تقييد حركة الأخت أو البنت ما استطاع، فيما لو ثبت الأمر عليها قطعا، وليس بناء على شبهة، كما يقول تعالى حول الزنا وغيره من الفواحش كالشذوذ:

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (النساء 16).

وهكذا نرى أن رد النبي صلى الله عليه وسلم كان ردا قاطعا وجازما، بأن الغيرة محمودة، ولكن ينبغي ألا تعد مبررا لظلم الآخرين أو اتهامهم بالباطل أو بناء على الشبهات. وإن نجاة المجرمين بالعذر خير وأحب إلى الله تعالى من ظلم بريء وتشويه سمعته. وهذا كله يصب في مقصد الشريعة الأهم والذي هو إشاعة التقوى والصلاح والبر لا مجرد إنزال العقوبة بالمجرمين؛ والذي لا بد منه أيضا أحيانا، ولكن ضمن شروط مشددة.

وفي النهاية، فلا بد من التنويه أن ما قد اصطلح على تسميته “جرائم الشرف” إنما هي في الحقيقة جرائم تقر بها التسمية نفسها، ولكنها غير موفقة في نسبة الشرف إليها، بل لعل من الأنسب أن تسمى “جرائم بداعي الشرف”. وهذه الجرائم في الغالب ترتكب بناء على شبهات، فيقع المجرم في جريمتين وهما؛ القذف والقتل العمد، وكلا الجريمتين يدينهما الإسلام بشدة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *