لا شك أن الإيمان يلعب دورا حاسما في الصحة النفسية، بل إن الغاية الحقيقية من الدين إنما هي تقويم العقل والبدن وصحتهما وتجنب كل ما يضرهما، لأن هذه هي المرحلة الأولى في صلاح الإنسان؛ أي خلاصه من العيوب، ليكون صالحا في التعامل مع خلق الله، وبهذا يصل إلى مرتبة الحب الإلهي التي هي الغاية النهائية للدين.
وتضمَّن الإسلام عبادات وتعاليم سلوكية وفكرية تجعل الإنسان في حالة نفسية قويمة وتقاوم الوساوس والاكتئاب والخوف والهلع. ومن أهم التعاليم النفسية اجتناب سوء الظن، الذي ليس الجنون في حقيقته إلا أن يصل الإنسان إلى مرتبة متقدمة فيه، فيصبح يشك في كل شيء ولا يرى الحقائق على طبيعتها. فالمجنون قد يشك مثلا أن الحلاق الذي يرفع عليه الموسى قد يقتله، كما أنه سيشك أنه لو قدم له أحد طعاما فقد يكون مسموما، بينما لا يخطر هذا ببال العقلاء.
والحقيقة أن الإسلام يقدم صورة للإله تجعل القلوب في طمأنينة دائمة فيما لو تفكَّر فيها الإنسان وتعمق {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد 29)، ومرجع ذلك هو أن الله في الإسلام هو رب العالمين والرحمن والرحيم ومالك يوم الدين، والمتصف بالصفات العظمى الحسنى، فبما أنه خالق كل شيء والمسيطر على كل شيء والذي صفاته الأساسية نابعة من الرحمة العامة للخلق برحمانيته والخاصة بسعيهم ودعائهم وتوجههم له برحيميته، والذي بيده الحساب في الآخرة ونتائج الأعمال في الدنيا التي يمكن أن يتجاوز فيها عن السيئات والتقصيرات بسبب حسن النية ويعظم النتائج فضلا منه ورحمة. فهذا الإله والتفكر في صفاته الحسنى الجميلة الأخرى يورث الطمأنينة في القلوب قطعا.
ولكن هناك أنواعا من الأمراض منشؤها عقلي عضوي، وبعضها مرتبط بكيمياء الجسم والهرمونات، وفي هذه الحالة قد يصاب المؤمن وغير المؤمن، ولذلك لا غنى عن التداوي والعلاجات. وبما أن العلاجات الكيميائية تكون مصحوبة بعلاجات سلوكية، فإن المؤمن يكون أكثر استجابة في هذه الحالة، بتقويم سلوكه وفكره النابع أيضا من اتباعه تعاليم الإسلام.
في الغرب هناك فكرة أساسية في العلاج النفسي تفيد بأن اللجوء إلى الدين لا يؤدي إلى تحسن الحالة النفسية بل يفاقمها، وهذا الأمر صحيح، ولكن بسبب أن الدين الذي يعرفونه قطعا قد يدفع المؤمن به إلى الأمراض النفسية لا أن ينقذه منها، وذلك نظرا إلى صفات الإله العاجز الضعيف، وإلى يأس من يؤمن بهذا الإله من النصرة الإلهية التي لم يحظَ به الإله نفسه عندما تجسد وكان إنسانا! ولكن بعض الأطباء العرب والمسلمين ينقلون هذا الأمر دون وعي، ظانين أن هذا من مبادئ الطب النفسي، لعدم إدراكهم هذا الفارق.
الحقيقة أن الله تعالى الذي خلق الإنسان وهيأ له كل شيء فيما يتعلق بحياته المادية وفتح له سبل العلوم للكشف والاختراع لتسهيل حياته، قد هيأ له أيضا دينا وتعاليم تحافظ على صحته النفسية والارتقاء بها ليكون الإنسان في أحسن تقويم بدنيا ونفسيا.


لا يوجد تعليق