في مجتمعاتنا، هنالك ميل عجيب لتصديق الدجالين واتّباعهم، بل والتطوع للشهادة الباطلة بأعاجيبهم وأثرها على قطاع واسع من الناس، دون أن يرى الشهود شيئا، أو يقومون بتضخيم ما يظنونه فائدة استفادوها منهم، مع أن الأمر ربما لا يكون أكثر من وهم أو تأثير نفسي أو استفادة من شيء آخر كعلاج أو تغيير في العادات، ولكنهم سيسارعون إلى نسبتها لهم.
والأعجب أنهم كلما رأوا منهم عدم اتزان أو اضطراب في الشخصية، أو عدم التزام بأخلاق أو حتى بدين، تمسكوا بهم أكثر! وكما هو معروف، فإن هذا الامر متجذر في ثقافتنا بأثر فاسد من بعض المتصوفة؛ إذ كان مألوفا في الماضي أن من يعدُّ وليا، فإنه من الجائز له ألا يصلي أو أن يسب ويشتم أو يسير عريانا أو لا يغتسل أو أن يكون له عادات قذرة في الطعام والشراب، ويعدُّ هذا التجاوز في كل شيء عنصرا أساسيا في تصديقه. إذ لو كان ملتزما، فهذا يعني أنه مجرد إنسان عادي! كما كان مألوفا أيضا عدّ المجانين مكشوفا عنهم الحجاب، وأنهم من أهل الله! والأسوأ هو أن بعض العقلاء كانوا يدركون هذه الطبيعة عند الناس، فيتظاهرون بالبله أو بالجنون، ويتصرفون تصرفات غير لائقة لكي يقنعوا الناس بدجلهم! وهذه القصص معروفة بكثرة.
وعلى ما يبدو، لكي ينجح الدجل، فلا بد من توفر عنصرين؛ الأول هو جانب الأعجوبة أو تخطي المألوف فيما يرجى منه الفائدة، والثاني هو أن يكون الشخص الدجال أيضا مضطرب الشخصية وليس متزنا أو وقورا أو يكون شخصا تبدو عليه البساطة بل وسوء الحال، لكي ينجذب الناس إليه متعاطفين معه ومعتقدين أنه يجوز له ما لا يجوز لغيره بسبب ما انكشف عليه مما لم ينكشف على غيره من قبل، أو ربما بسبب ما واجهه من صعوبات أو ما قام به من جهد!
وهكذا، فإذا كان هناك شخص ذكي، وتوفر عنده شيء غير مألوف، وروِّج أن هذا الشيء غير المألوف له فائدة، وحبك شخصيته بهذه الطريقة الجاذبة، فما أسرع أن ينتشر خبره ويتفشى في الناس، وما أكثر من يتبعونه ويبدأون بسرد القصص الخيالية عما استفادوه منه! وأتذكر على سبيل المثال، أنه في السبعينات من القرن الماضي، عُثر على تيس في منطقة ما في الأردن، يبدو أن لديه خللا جينيا، وكان يجمع مع أعضائه الذكورية ضرعا كضرع أنثى الماعز، فتفشى خبر أن حليب هذا التيس يشفي من جميع الأمراض، فتكاثر الناس حول بيت أصحاب التيس الدجالين، بل وجاء أناس من دول مجاورة وأقاموا أياما طويلة لكي يحصلوا على بضع قطرات من حليبه، وجنى أصحابه مبالغ طائلة! وتم استنساخ هذه الحيلة لاحقا في مدينة البوكمال في سوريا أيضا؛ إذ عثروا على تيس مماثل، ولاقى تيس البوكمال شهرة وتوافدا أكبر. فهنا اجتمعت الأعجوبة في أنه تيس ويخرج كمية قليلة من الحليب، مع بساطة الناس الرعاة الذين ليسوا علماء ولا أصحاب مكانة، ليعتقد الناس بهذا الدجل ويأتوا إليه مسرعين. فلو تخيلنا أن طبيبا بيطريا قد أعلن أنه يغذي ماعزا غذاء جيدا، وأن حليبها مفيد وقد يشفي من بعض الأمراض دجلا أيضا، وأخذ يروج لنفسه ولكن بوقار، ما أتاه أحد وما سمع به أحد.
وفي مرة أيضا، تفشى نبأ أن هناك فتاة صغيرة ربما لم تبلغ العاشرة من عمرها، أنها مبروكة وترى رؤى عجيبة، وأنه إذا دخل عليها أحد استطاعت أن تعرف قصته كاملة وما يشكو منه، سواء من أمراض أو مشاكل متنوعة، وكان أهلها يبيعون زجاجات ماء يقولون أنها قد قرأت عليها رُقىً، بمبالغ طائلة. فكثر الحديث عن الفوائد الجمة والقصص العجيبة لقدرتها على معرفة الأسرار وللشفاء ولحل المشاكل المتنوعة بمائها هذا. وهنا كان جانب الأعجوبة متعلق بكونها صغيرة، لأنه لو لم تكن صغيرة، فما كان لخطة الدجل التي قام بها أهلها أن تنجح.
فعادة الناس في تصديق الدجالين، وحبهم لتصديقهم، بل والشهادة الباطلة بحقهم إما بالكذب الكامل أو تضخيم بعض الأمور، ليست جديدة.
وهكذا، فبخصوص القضية الأخيرة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم، وهي قضية العوضي ونظامه المزعوم نظام الطيبات، فقد هب كثير من الناس للتصديق وللشهادة، وادعى بعضهم أنهم شفوا من أمراض مزمنة، وشهد بعضهم على أنه يعرف أناسا قد شفوا تماما من السرطان والسكري والضغط وغير ذلك، وهذا بمجرد أن تركوا الدجاج والبيض والحليب والخضروات، وأكلوا اللحوم والأرز والسكر والنوتيلا! وبالطبع، فإن صاحب هذه النظرية قد لجأ إلى الاستهبال وإلى الحديث بطريقة غير متزنة، إدراكا منه أن هذه إحدى الوسائل الهامة لانتشاره. بينما لو بقي يتحدث بوقار وبمنطق الطبيب أو المختص في التغذية، لما سمع به أحد. فانجذب الناس للفكرة الدجالية؛ التي تتلخص في أن الشفاء من كل الأمراض من السرطان إلى الصداع سيتحقق بمجرد ترك بعض الأغذية وتناول السكر والنوتيلا، وإلى هذه الشخصية المضطربة التي تصرخ وتقول كلام شوارع أثناء الحديث مع الناس! وبهذا اكتملت أركان الدجل في الفكرة والأسلوب. فمن ناحية كان الموضوع بسيطا، ومن ناحية ثانية كان يتصرف تصرفات الدجال الجاذبة وليست تصرفات الطبيب أو العالم الوقور، وأضاف إلى ذلك إيحاؤه أن نظامه هذا مستوحى من الدين، ليكتمل أركان الدجل، ثم ليجد جيشا من المدافعين عنه في كل مكان!
والحقيقة أن الفكرة لو عرضت مجردة من شخصيته وأسلوبه، أو عرضها طبيب آخر يتكلم بوقار ولا يربط الأمر بالدين، فلن تجد أحدا قد سمع به أو بها. وليس عجيبا أن ينساق بسطاء الناس والجهلة مع الأمر. المؤسف أن بعض ممن كان يرجى منهم رجاحة العقل، ضربوا بعرض الحائط كل الثوابت والمسلمات، وخاضوا مع الخائضين، وأخذوا يدافعون عنه، غير مدركين أن خدعته قد انطلت عليهم.
وأخيرا هناك نقطتان ربما ينبغي أن يأخذهما الجميع في الحسبان؛ الأولى هي العلم المتعلق بالدين وبالغيبيات والذي مصدره الوحي، ولا علاقة للعلم التجريبي به، والثاني هو العلم المادي التجريبي الذي جعل الله له مسالك ومدارج لتحصيله وأتاحها للبحث والدراسة، ولا ينبغي الخلط بينهما. فلا ينبغي أن يكون أحد نبي الأطباء أو طبيب الأنبياء! ولا يجوز أن يقول شيئا في هذا العلم إلا بناء على علم ودراسة، وليس بناء على وحي مدعىً وتجليات مزعومة، وهذا الخلط هو الدجل بعينه.
وفي قضيتنا هذه، لا حجة بيد من يؤيدون هذا الشخص ونظامه سوى دعواهم أنهم قد جربوا واستفادوا، ثم يدّعون بأنهم عرفوا كثيرين ممن استفادوا، ويغضون الطرف عن أن هناك أنباء أيضا عن كثيرين ممن تضرروا وماتوا! فيختارون جانبا ويتجاهلون الآخر، لأنهم يريدون أن يصدقوا! وكل هذا مدعاة لكي يفكر العقلاء في هذه المسألة وينقذوا أنفسهم منها، بدلا من التمادي.
وهناك نقطة أخرى جديرة بالانتباه أيضا، وهي أن سيرة الدجالين والكذابين تختلف اختلافا جذريا عن الأنبياء بل وعن الأولياء والمجددين، الذين يواجهون التكذيب وعدم القبول في البداية، وينجذب إليهم الصالحون من ذوي الطبائع السعيدة من العقلاء، بينما الغالبية يبادرون إلى تكذيبهم، ومع أنهم يكونون على درجة عالية من الأخلاق يبدأ الناس بالتشكيك في أخلاقهم كمدخل للتشكيك بهم. فإذا كان هناك من يبادئه الناس بالتصديق، بل ويكذبون لأجله ويضخمون أعماله ويدافعون عنه ويتقبلون اضطرابه وسوء خلقه، فهذا يدل على أنه على الطرف النقيض من النبي والولي والصالح، وليس في هذا الطرف سوى الدجالين والشياطين!


لا يوجد تعليق