قبل أن أعرض هذه الظواهر، أود أولا أن أبين الأسس التي جعلتها تلقى قبولا لدى قطاع من الناس، لفترة من الزمن، أو فيما لو بقي لبعضها أثر إلى اليوم.
أولا: رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره!
هذا الحديث إنما يعني أنك قد تجد بين الناس، من تراه منصرفا عن الدنيا وهيأته تبدو رثة، ولكنه قد يكون رجلا مؤمنا عارفا متقيا مقربا إلى الله تعالى.
ولكن هذا الحديث لا يقول إن هذا هو طابع أهل الله ومقربيه، بل إن سمتهم هو أنهم يكونون شخصيات لامعة تهتم بمظهرها وهيأتها وكلامها، وتكون لها جاذبية وتأثير.
فالحديث ينبه إلى أن المظهر قد يكون خادعا أحيانا، ولكن لا يعني أن هذا هو مظهر أهل الله ومقربيه.
ثانيا: ألا كل ذي عاهة جبار
وهذا مثل قديم منغرس في تراثنا العربي، وزاده انغراسا ورسوخا تعاطفنا مع المعاقين وأصحاب العاهات النابع من تعاليم الإسلام العظيم. فهذا أدى إلى تقديم عدد من المكفوفين أو المعاقين على غيرهم وتشجيعهم والسعي لتعظيمهم وتصديقهم.
ثالثا: خذوا الحكمة من أفواه المجانين
وهذا المثل العربي القديم إنما يعني أنه حتى المجانين أحيانا قد يتفوهون بالحكمة، والحكمة ضالة المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بأس أن نأخذ بالحكمة مهما كان مصدرها.
ولكن لا يعني هذا أن الحكمة هي عند المجانين دائما! فالذي يبحث عن الحكمة ينبغي أن يبحث عنها عند الحكماء والعلماء، لا أن يذهب إلى مستشفى المجانين ليجمعها.
رابعا: نظرية المؤامرة
يعتقد كثير من الناس في مجتمعاتنا أننا دائما نتعرض لمؤامرة، وأن الحكومات تريد سلبنا وسرقتنا، وأن كل القطاعات لا يحركها سوى الربح على حساب صحة البشر وحياتهم ومقدراتهم.
والحقيقة أن هذه النظرية قائمة على سوء الظن الذي جاء الإسلام ليحاربه، والذي هو في الحقيقة الدرجة الأولى من درجات الجنون التي تدفع الإنسان إلى الاستنتاجات غير المنطقية، وتجعله يتصرف تصرفا عجيبا بسبب الريب والقلق. فإذا شك أحد مثلا بأنه لو ذهب إلى الحلاق فإن الحلاق سيحز رقبته ويقتله، لأنه يحمل موسى وهو يجلس بين يديه ساكنا! أو إذا ظن أحد أنك تريد أن تدعوه إلى الطعام في بيتك لتسممه! فماذا نقول عن هذا الشخص إلا أنه مريض مرضا نفسيا متقدما أو مجنونا.
وهكذا، نظرا إلى النقاط الأربع السابقة، فقد ظهرت ظواهر مستندة على هذه النقاط جميعها أو جزء منها.
فمؤخرا ظهرت ظاهرة الدكتور العوضي ونظامه الذي سماه “نظام الطيبات” الذي استفاد من نظرية المؤامرة في حياته، لأنه قد أوقف من نقابة الأطباء، فصدق الناس أنهم لم يوقفوه إلا لأنه يقدم شيئا يضر النقابة والأطباء ويوقف استغلالهم للناس! ثم بموته خدم فكرته أكثر بكثير من حياته، إذ بدأ أتباعه يروجون أنه قد اغتيل من قبل شركات الأدوية وبتواطؤ دولي!
وبالطبع، فقد استخدم قبل ذلك في ترويج نفسه أسلوب “الأشعث الأغبر” في هيئته وأسلوب كلامه، واستخدم شيئا من الجنون في كلامه وأحكامه غير المتزنة وردوده ليقول البعض إن هذا من دواعي أن نأخذ الحكمة من فمه!
مع أن مسألته أبسط من بسيطة، فهو يفترض أن الغذاء سيغني عن الدواء دائما، ويحذف الخضروات والدجاج والبيض والحليب ومشتقاته، ويأمر باللحوم بالسكر والنوتيلا، بل وادعى أن هذا النظام مستمد من الإسلام! فلو سمع أحد بهذه التعليمات بمعزل عنه وعن قصته والصرعة التي انتشرت حوله، فهل كان يمكن أن يصدقه أحد؟
والمشكلة أن بعض المتحمسين له، عندما يبين لهم أن الإسلام إنما يتحدث عن التوازن في الطعام والشراب، ولا يحرم شيئا من هذه الأمور، فيقولون إن نظامه هو عين التوازن! فماذا يمكن أن نقول لهم؟
وقبل سنوات قليلة، كان قد ظهر رجل مسكين، من الواضح أنه يعاني من مشكلة خلقية وهي القزامة، اسمه إبراهيم أبو حسين، وقدَّم نفسه على أنه ولي صالح ومن رجال الله العرفانيين، واجتمع حوله الناس، وأخذ يتكلم بكلام عجيب ويقدم تفسيرات عجيبة، من ضمنها أن القرآن قد تنبأ بثورة 25 يناير! وكان يكرر أن تجلياته إنما هي علوم نورانية عرفانية لا يدركها الدارسون! فيكبِّر الجهلة الذين حوله ويسبِّحون! فعندما قام الأزهر والأوقاف بتوقيفه ومنعه، أدى هذا إلى أن يعتقد القائلون بنظرية المؤامرة أنهم لم يستهدفوه إلا لأنه صادق ورجل صالح! مع أنه لا يخفى على أي عاقل أنه غير طبيعي، وهيأته وأسلوبه وكلامه يجمع العاهة مع الشعاثة مع الاضطراب والغرابة وشبه الجنون مع نظرية المؤامرة. فأدى هذا إلى مزيد من الرواج!
أما طه حسين، فقد جعلوه عميدا للأدب العربي معتمدين بصورة أساسية على العاهة والتعاطف معها! وأعطوه هذا اللقب، مع أنه يشكك في الأدب العربي بل وضمنيا في القرآن الكريم، معتمدا على نظرية قدمها مستشرق يهودي، الذي طرح فيما طرح أن العرب كانوا يتكلمون بلهجات مختلفة، بينما نجد الشعر الجاهلي يبدو وكأنه بلغة واحدة. والحقيقة التي غفل عنها الاثنان هو أنه كان هناك لغة رسمية للأدب والشعر إنما هي لغة مركز العرب الذي كان مكة المكرمة، وكان كل من ينظم شعرا يلتزم بها، وكانوا يلتقون في سوق عكاظ سنويا في الطائف ليقدموا شعرهم. ولست الآن في معرض تفنيد النظرية كاملة، ولكنها قائمة على خطأ مركب. أما في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” يحاول أن يثبت بأن مصر ليست عربية وإنما هي أوروبية، وأن على المصريين أن يقلدوا الغرب في كل شيء وأن يأخذوا كل شيء بخيره وبشره! مع أن ابن خلدون كان قد بين بأن أول مدارج هلاك الأقوام أن يقلد المغلوب الغالب! فهل يليق به لقب “عميد الأدب العربي” وهو ينفي أصل الأدب العربي بل ويشكك في عروبة مصر ذاتها! فلو لم يكن مكفوفا، فلربما لم يسمع به أحد، ولسجل في المجهولين من أصحاب الآراء الشاذة.
وأما قصة اللواء عبد العاطي، فالأمر برمته يبدو أقرب إلى النكتة والقصة الطريفة، فقد ادعى أنه اخترع جهازا لتحويل الأمراض إلى كفتة يأكلها المريض فيشفى! ولم أصدق عندما سمعت الخبر، حتى تحققت منه، فهذا الشخص اعتمد على أن كلامه يبدو جنونا، وما دام شبه مجنون، فيجب أن نذهب عنده ونبحث عن الحكمة! ثم تبين أنه لم يكن طبيبا أصلا وفقا لما كان يدعي، بل كان ممرضا. وهو قد جمع نقطة الغرابة وشبه الجنون في فكرته مع المؤامرة العالمية من شركات الأدوية والقطاع الصحي العالمي.
وهكذا فإن هذا الظواهر العجيبة التي ظهرت، ستظهر باستمرار، لذلك، فالأحوط للعقلاء، ألا يتحمسوا لهذه الأمور، ويتذكروا الأسس السليمة التي بناء عليها ندرك الحقائق ونصل إليها، وألا ينشئوا وحدة حال مع هؤلاء تجعلهم يدافعون عنهم وكأنهم يدافعون عن أنفسهم عنادا. فالعناد الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “هوى متبع” وقال إنه إحدى المهلكات الثلاث، قد تكون عاقبته وخيمة. ولا يغرن الإنسان موقفه الحالي ورجاحة عقله ورسوخ إيمانه اللذان يفترضهما؛ فالذي يقبل فكرة صحيحة هوى يرفضها هوى، والذي يؤمن هوى يكفر هوى أيضا، والواجب أن يخضع الإنسان نفسه للحق، وبهذا ينجو ويسلم. والعاقل من جعل لنفسه مخرجا، بدلا من أن يضع نفسه في مأزق يصعب الخروج منه.
عرض أقل


لا يوجد تعليق