حادثة الذبيح في التقليد الإبراهيمي تنقض المسيحية البولسية وتؤكد صدق الإسلام

1

حادثة إقدام إبراهيم على ذبح ابنه، حادثة يتفق القرآن الكريم والكتاب المقدس عليها مع اختلاف بعض التفاصيل، ولها أهميتها في التراث الإسلامي وفي التراث المسيحي اليهودي، ولكن الفارق هو أثرها وقيمتها في التراث الإسلامي الممتد إلى يومنا هذا، بينما عبثيتها ومعارضتها لكلا التراثين المسيحي واليهودي بل وإبطالها لهما!

والحقيقة أن من أهم العبر التي أرادها الله تعالى من هذه الحادثة إنما كان إنهاء تقليد القرابين البشرية، التي انتشرت في التراث الإنساني في الأمم والشعوب في العالم، والتي نجد لها قصصا وآثارا مروعة في الثقافات القديمة. فأراد الله تعالى من خلال السلسلة الإبراهيمية أن يبين بأن هذا الأمر مرفوض، والله تعالى لم يأذن ولن يأذن في المستقبل بتقديم قربان بشري، وأن مفهوم التضحية في السلالة الإبراهيمية سيتضح عمليا، والذي يعني الذبح المعنوي والتفاني في طاعة الله تعالى والاستسلام لقضائه، والذي برز في أسمى صوره في النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأمته.

وبالنظر إلى أن المسيحية البولسية قائمة على أن الله تعالى قد قرر أن يذبح ابنه الوحيد المتجسد بشريا، وأن هذه هي الخطة الإلهية لغفران الخطايا ورحمة البشرية، فهذا يعني أن قصة إبراهيم وابنه -الذي هو إسحاق حسب الكتاب المقدس- لم تحقق أي غرض، وأن الله تعالى قد أشفق على ابن إبراهيم وطلب منه ذبح خروف بدلا منه، بينما لم يشفق على ابنه هو، وأكَّد بذلك أن القربان البشري هو أعلى أنواع القرابين التي يمكن أن ترضي الرب الذي لا يمكن أن يغفر دون سفك دماء {وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!} (اَلرِّسَالَةُ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ 9 : 22)، ناهيك عن أن المغفرة يفترض أن تكون بيده وبإرادته، وأن تتحرك رحمته بعباده تلقائيا بصفته الخالق، وألا يمنعه من الرحمة مانع، وخاصة أن الخطايا ترتكب بحقه، ومن حق أي أحد أن يغفر لأي أحد يرتكب خطية بحقه، فكيف بالله تعالى. فما هو الدرس الذي يريدنا الإله أن نتعلمه؟ هل يريدنا ألا نغفر حتى نقبض الثمن من الآخرين؟

فباختصار، تصبح قصة إبراهيم، وفقا للتراث المسيحي البولسي لا قيمة لها ولا معنى. أما بالنسبة للتراث اليهودي فليس فيها سوى معنى أن الله تعالى لم يقبل بذبح أبناء إبراهيم، لأنهم شعب الله المختار -ويقصدون بذلك أبناء إسحاق فقط- بينما يجوز ذبح الآخرين وقتلهم بلا هوادة من أجلهم!

أما في الإسلام، فقد بين القرآن الكريم أن الذبيح كان إسماعيل، وأن إبراهيم لم يؤمر في الحقيقة بذبح ابنه، بل رأى رؤيا وأخطأ في تأويلها، وظن أن الله تعالى يطالبه بقربان بشري كما كانت العادة في الشعوب القديمة، وأنه تشاور مع ابنه الفتى الذي كان قد ربُّيَ تربيةً عظيمة على يد والدته السيدة هاجر، وقبِل الغلام أن يُذبح لو كان هذا ما يريده الله تعالى، بل كان شجاعا بحيث شجع والده على المضي فيما أمره الله تعالى! وحينها أراد الله تعالى -الذي شاء أن يفهم إبراهيم الرؤيا خطأ ليكون ابتلاء له ولابنه- أن يبين بأنه لم يرد ولا يريد قرابين بشرية، وإنما سيكون من نسل هذا الغلام من سيُذبح في سبيل البشرية وفي سبيل هدايتها إلى الله تعالى وخدمتها ورفع المعاناة عنها بمشيئته وإرادته، لكي يهديهم إلى الطريق القويم، وأن علامة هذه التضحية ستستمر في نسله من خلال ذبح الخراف والأنعام رمزا لهذه التضحية التي هي تضحية بالنفس في الحقيقة.

وقد أكد الله تعالى هذه الحقيقة بقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم:

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (الكهف 7)
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (الشعراء 4)

والبخع هو الذبح الشديد الذي يصل إلى القفا، أي الذي به تكاد الرقبة أن تقطع بالكامل.

فالله تعالى قد أشفق على النبي صلى الله عليه وسلم، وبين بأنه قد قام بهذا الذبح المعنوي بمشيئته وإرادته على أكمل وجه وحققه إلى منتهاه.

فبالمقارنة نجد أن الإسلام قد أنهى عقيدة القرابين البشرية، بينما نجد المسيحية البولسية قد أعادتها في أبشع صورها، وصورت الإله أنه متعطش لدماء البشر، وأنه عاجز عن الرحمة، ورحمته لا تعمل إلا بعد أن يشرب الدماء المسفوكة -حاشا لله. وقدمت الرحمة الإلهية على أنها رحمة مدفوعة مسبقا، لا ينالها الناس إلا بالثمن الذي هو الدم دائما، مع أن هذا يخالف الواقع، لأن الإنسان أصلا غارق في رحمة الله تعالى التي سبقت خلقه ووعيه وعمله. فالله تعالى رحمن يرحم دون استحقاق ولا عمل ولا طلب ورحمته تهيئ للناس كل ما يحتاجون قبل خلقهم. وهو أيضا الرحيم الذي يعطي على العمل والطلب والاستحقاق، ويقدِّر الإيمان وإخلاص النية والعمل الصالح، ولكنه لا يريد أجرا ولا ثمنا

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *