نشأ قطاع غزة كقطاع يضم عددا من المدن والبلدات والقرى، بعد النكبة عام 1948 بسبب عدم تمكن القوات الصهيونية احتلاله، لتواجد الجيش المصري فيه. وأثناء أحداث النكبة لجأ إليها عدد كبير من الفلسطينيين من المدن والبلدات والقرى الفلسطينية المختلفة كاللد والرملة ويافا وعسقلان (المجدل) وأسدود والقرى المحيطة بهذه المدن وشكلوا غالبية سكانها. فهي في الواقع فلسطين مصغرة.
وعلى الجانب الآخر المقابل، استطاع الجيش الأردني منع الصهاينة من احتلال ما عرف لاحقا بالضفة الغربية، والتي تضم مدنا فلسطينية مهمة؛ على رأسها مدينة القدس التي ضاع أجزاء منها ومن قراها إلى الغرب، بينما بقيت البلدة القديمة والجزء الشرقي. وضمت المدينتين الكبيرتين نابلس والخليل وما حولهما من المدن والبلدات والقرى.
كانت فلسطين وفقا للانتداب البريطاني في البداية تضم جنوب بلاد الشام أو ما يعرف حاليا بالأردن وفلسطين، ولكن اتخذ البريطانيون بعد ذلك قرارا باستثناء الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن وإعطائه صيغة مختلفة عن فلسطين غرب النهر؛ حيث وقع غرب النهر تحت الانتداب والإدارة البريطانية المباشرة بمندوب سامٍ تحت ما يسمى حكومة عموم فلسطين، بينما إمارة شرق الأردن التي تأسست بعد الثورة العربية الكبرى عام 1921 كانت تحت الوصاية البريطانية وعلى رأسها الأمير عبد الله بن الحسين. وبعد الحرب العالمية الثانية، تم إعطاء شرقي الأردن الاستقلال عام 1946 ونودي بالأمير عبد الله بن الحسين ملكا، فأصبحت تسمى المملكة الأردنية الهاشمية. وبعد النكبة، وبقاء هذه الأراضي غرب النهر في يد الجيش الأردني، وبما أن الشعب كان شعبا واحدا في الأصل، فقد انضمت الأراضي المتبقية من فلسطين غرب النهر إلى المملكة الأردنية الهاشمية عام 1950 بإرادة سكانها، وأصبحت ثلاث محافظات أردنية وهي القدس ونابلس والخليل. وسميت هذه المحافظات بالضفة الغربية، واعتُبر الجزء الشرقي الضفة الشرقية، فكان الأردن مكونا من الضفتين، وكانت هذه هي بينة المملكة الحديثة، والتي بناء عليها صدر الدستور الأول عام 1951.
أما قطاع غزة، فقد بقي تحت الإدارة العسكرية المصرية، ولم يُلحق بمصر، ولم يكن ينبغي أن يُلحق، كما أن الخلافات بين المحاور العربية، وخاصة بعد الثورة في مصر عام 1952، لم تجعل من الممكن أن يلتحق القطاع بما تبقى من فلسطين ليدخل ضمن المملكة الأردنية الهاشمية. ومع أن الملك عبد الله الأول كان يرغب بضم غزة، لأنه كان ينظر للمملكة بصفتها الوريثة والوصية لما تبقى من فلسطين، وليكون للمملكة شاطئ على البحر المتوسط، إلا أن الأمر لم يكن ممكنا من قبل بسبب عدم التواصل الجغرافي، كما قد تعقد بعد اغتياله، ثم بعد قيام الثورة في مصر. فنشأ وضع سياسي إقليمي وسياسي شاذ لهذا القطاع كان ولا زال يشكل معضلة لأبنائه.
ففيما يتعلق بالمواطنين في الضفة الغربية، فقد أصبحوا أردنيين قانونيا، أما سكان القطاع فلم يحصلوا على أي جنسية، وكانوا يحملون وثائق سفر مصرية، كانت في البداية تمكنهم من الخروج إلى مصر ثم إلى العالم، ثم بعد ذلك أصبح مكتوبا عليها العبارة الغريبة “هذه الوثيقة لا تخول حاملها دخول جمهورية مصر العربية أو المرور منها إلا بعد الحصول على تأشيرة مسبقة”. وأصبحت هذه الوثيقة الزرقاء -سيئة الطباعة والمعبأ بها المعلومات بخط يد غالبا ما يكون رديئا- سببا لتعقيد حياة الغزيين، إذ كان إبرازها يعرض حاملها لكثير من المواقف المحرجة، إذ يحتار موظفو الحدود فيها ويأخذون بتقليبها والنظر فيها والتدقيق في وجه صاحبها وكأنها تشهد على أنه قد ارتكب جريمة! وقد أحسن محمود درويش في وصف هذه الصورة في قصيدته “جواز السفر” التي حازت شهرة بسبب غناء مرسيل خليفة لها. وعلى كل حال، كانت أفضل من لا شيء، إذ كانت تمكنهم من السفر، وإن كان بصعوبة بالغة.
وهكذا، فإن الفلسطينيين، سواء كانوا في الضفة الغربية، أو الذين كانوا في الضفة الشرقية قبل نشوء المملكة، أو الذين هاجروا من فلسطين إبان النكبة إلى الضفة الغربية أو الضفة الشرقية، كانوا يعيشون كمواطنين أردنيين لهم كامل الحقوق على أرض المملكة الممتدة على الضفتين، وكان منهم رؤساء الوزارات والوزراء ورجال الدولة والجيش، وكانوا من المؤسسين لأجهزة مهمة في الدولة. أما الفلسطينيون الذين كانوا في قطاع غزة، فد أصبحوا بلا وطن وبلا هوية. ولذلك فلا عجب أنهم هم الذين فكروا في إنشاء حركة فتح وأسهموا في حركات الثورة الفلسطينية الأخرى، وكانوا يفكرون في تحرير فلسطين التي احتلت عام 1948، وكانت مشاعرهم متوقدة بسبب أنهم بالفعل يعيشون حالة المحرومين من الوطن. أما المواطنون الأردنيون، فرغم تفكيرهم الدائم في فلسطين، إلا أنهم لم يكونوا يعيشون المعاناة نفسها. ومع ذلك، فعلى الصعيد الرسمي، كانت الدولة الأردنية ترى أن تحرير فلسطين المحتلة هو هدف من أهدافها حتى وإن كان بعيد الأمد، وكانت تعبئ المواطنين وتعلم في المدارس أن لنا وطنا سليبا في حيفا ويافا وعكا واللد والرملة والنقب، وإننا سنسترده في يوم من الأيام. وبقي هذا الحال حتى حدثت النكسة، وخسرت الأردن الضفة الغربية بمحافظاتها الثلاث، واحتُلت غزة من مصر، بل ومن خلفها سيناء، وتمدد الكيان الصهيوني أيضا إلى الجولان السوري. وفي أثناء النكسة نزح المواطنون الفلسطينيون الأردنيون من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية في بلادهم، بينما جاءت موجة أيضا من الفلسطينيين الذين نزحوا من غزة إلى الأردن عبر الضفة الغربية، ولكنهم لم يكونوا أردنيين، والأسوأ أنهم لم يتحولوا أردنيين إلى يومنا هذا، بإخوانهم الأردنيين الذين -ورثت بلادهم ما تبقى من فلسطين سوى غزة- بغض النظر إن كان أصلهم فلسطيني أم لا.
وفي تلك الفترة، لم تكن قوانين الجنسية صارمة، فتمكن عدد قليل من الحصول على المواطنة الأردنية، كما أن بعض الغزيين كانوا قد حصلوا مسبقا على الجنسية الأردنية وإن كانوا يعيشون في غزة إلى ما قبل الاحتلال، لكن العدد الأكبر بقي بلا جنسية، ويحمل الوثيقة المصرية التي يجددها سنويا من السفارة المصرية في عمان. وكان الغزي كلما أراد السفر فعليه أن يتقدم بخروج وعودة للداخلية الأردنية تستغرق أسبوعين على الأقل، كما أنه كان يواجه صعوبات متنوعة بدأت تتفاقم أكثر مع زيادة تعقيدات الحياة ومتطلباتها.
وعودة إلى ما بعد النكسة، فوجود الغزيين النازحين، إضافة إلى قدوم عدد من الغزيين الذين كانوا يعملون في دول الخليج أو الخارج إلى الأردن، والذين بدأوا بتشكيل الفصائل أثناء عملهم ودراستهم في الستينات من القرن الماضي، قد أنشأ وجودا للفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها فتح، التي كان معظم مؤسسيها وقيادتها من غزة؛ إذ أن أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد هم من أبناء غزة، وغيرهم الكثير. وانضم إليهم أبناء الأردن الذين يحلمون بتحرير فلسطين سواء كانوا من الضفة الغربية أو من أصل فلسطيني أو كانوا شرق أردنيين، ولكن هذه الفئة كانت أردنية الجنسية والهوية رسميا. وقد رحب الجميع بعمل المقاومة، حتى إن الملك حسين في ذلك الوقت قد سمى نفسه “الفدائي الأول”، وكان هناك نوع من التنسيق بين الجيش والمقاومة. وبالطبع، فإن وجود المقاومة وتعاظم قوتها وتمدد نفوذها كان لا بد أن يسبب تعارضا مع الدولة الرسمية، ومن العوامل التي أدت إلى حدوث التعارض ونشوء الشقاق هو أن الفصائل كانت تخضع لنفوذ بعض الدول العربية وغير العربية التي تقدم لها الأموال والسلاح والدعم. وبسبب الشرخ الكبير الذي كان في النظام العربي بين الجمهوريين الذين يريدون الانقلاب على الحكومات الملكية التي يرونها رجعية والنظم الملكية والتقليدية فقد انعكس هذا العلاقة بين الفصائل التي اجتمعت تحت منظمة التحرير الفلسطينية وبين النظام الرسمي الأردني. وللأسف حصل الصدام. ولكن بفضل الله تم رأب الصدع، ولكن المتضرر الأكبر كان الغزيين. فهم بالأصل ليسوا أردنيين قانونا، كما أنهم كانوا قادة المقاومة ومؤسسيها، وأصبح ينظر إليهم بنظر الريبة، فهذا أدى إلى مشاكل متفاقمة في إدماج الغزيين وتطبيع وضعهم ما زالت إلى يومنا هذا. ومع أن الغزيين يعيشون في الأردن منذ أكثر 56 من عمر الدولة التي هي 76 عاما، إلا أنهم لم يصبحوا أردنيين، وما زالوا يعانون ظروفا صعبة وأمورا عجيبة وإجراءات تعقد حياتهم وتجعلهم يعانون معاناة تثير الاستغراب في كثير من الأحيان. وقد يكون الكثير منها غير مقصود، لأن النظم والقوانين توضع لمصلحة الأردنيين ووفقا للوثائق الرسمية والمتطلبات المتوفرة لدى الأردني عادة. ولكن في النهاية المعاناة كانت ولا تزال موجودة، رغم محاولة الحكومات التخفيف من حدتها بين فترة وأخرى.
وكان الدولة الأردنية قد فكرت بتطبيع وضع الغزيين نوعا ما عام 1986، وأعطت الغزيين المقيمين في الأردن جوازات سفر أردنية مدتها 3 سنوات في البداية، لم يكن هناك ما يفرق بينها وبين الجواز الأردني العادي سوى المدة وعبارة مكتوب عليها “وفقا للقرار 185″، ويبدو أنها كانت تمهيدا ليصبح هذا الجواز جنسية كاملة، ولكن تطور الأحداث والضغوط العربية والدولية التي كانت تخطط لنوع من التسوية، دفعت الملك لفك الارتباط الإداري والسياسي مع الضفة الغربية، وأصبح سكان الضفة الغربية الذين كانوا أردنيين تحت الاحتلال أصلا، أصبحوا يحملون جوازات سفر أردنية بلا جنسية، وجردوا من الأرقام الوطنية. واقتصرت الجنسية على المقيمين فقط في الضفة الشرقية أو الأردن الحالي، مع استثناءات. وهنا نزل الغزيون الذين كانوا على وشك الاندماج درجة، وأصبحت جوازات سفرهم مؤقتة ومحددة بسنتين فقط، وعليها ختم محير “صالح لمدة سنتين – غزة” وأحيانا كانت العبارة مطبوعة بالإنجليزية أيضا إلى جانب العربية، مما كان يسبب للغزيين مشاكل عند السفر إلى الخارج، إذ يقلب موظفو الهجرة الجواز ويرجعون للشخص ويقولون له إن هذا الجواز صالح للسفر إلى غزة فقط! ومن ثم يشرح لهم إن هذا الختم لا يعني هذا، بل في الداخل الجواز يسمح لكافة الأقطار.. وباختصار، ترجع تلك الحالة المحيرة، بحيث يجتمع موظفو الهجرة ويتشاورون أمام هذا الكائن العجيب حامل هذا الجواز الهجين! إضافة إلى ذلك تعرض الغزيون للتمييز بسبب هذا الجواز في كل من مصر وسوريا ولبنان، حيث لا تسمح لهم هذه الدول بالدخول إلا بموافقات أو تأشيرات.
أما على صعيد سكان القطاع، فقد استمروا في حمل الوثيقة المصرية، التي لا تسمح لهم بدخول مصر إلا بموافقات، وخاصة بعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية كامب ديفيد عام 1979، إذ لم يطالب السادات باستعادتها في الاتفاقية، رغم أن الجيش المصري هو من خسرها في عام 1967. وبعد الاتفاقية زاد التضييق على الغزيين، وخاصة بعد قيام بعض الأحداث، وأصبح دخول مصر عليهم أكثر صعوبة. إلى أن قامت السلطة الوطنية الفلسطينية، وأصبح كل المواطنين في الضفة الغربية وفي غزة يحملون جوازا فلسطينيا. أما في الأردن فبقي الغزي بعد ذلك في وضع محير، ليس بالنسبة لغيره، بل بالنسبة له أيضا. إذ أنه يجد صعوبة في تعريف نفسه وجنسيته. فعندما يريد أن يعبئ خانة الجنسية في أي معاملة، فلا يعرف ماذا يكتب! فلو كتب “فلسطيني”، فهذا يعني أنه يحمل جواز سفر فلسطيني، وهو ليس كذلك، وإن كتب “أردني”، فيجب أن يكتب الرقم الوطني وهو لا يحمل رقما وطنيا، ولو كتب غزاويا، فلا يوجد شيء اسمه الجنسية الغزاوية! وهو إلى اليوم في هذا الوضع العجيب. والأهم هو أنه محروم من حقوق المواطن الأردني العادي إلا قليلا، ويعاني في كل شئون الحياة كالتعليم والصحة والعمل في التسجيل أو الاستفادة من خدمات النقابات المهنية، وفي تسجيل بيت باسمه أو حتى في امتلاك أكثر من سيارة، علما أنه كان يعاني في امتلاك السيارة الواحدة ويحتاج إلى معاملات وموافقات! وغير ذلك الكثير من التعقيدات والصعوبات والمعاناة التي لا يعلمها إلا الله وأصحابها. وباختصار، فإن وضع غزة الشاذ ما زال يلاحق الأردنيين من أصل غزي، ولا يبدو أن الدولة ترغب في تطبيع هذا الوضع الشاذ، وخاصة في ظل الظروف المتغيرة والضغوط الدولية، بل وربما حتى بعض الضغوط الداخلية.
أما مواطنو غزة الذين يعيشون في القطاع، فبسبب عدم وجود تواصل جغرافي بينهم وبين الضفة الغربية، فلم تستطع أن تدمج السلطة الإقليمين، ولم يسمح للمواطنين بالتنقل بين الضفة الغربية وغزة إلا لفترة وجيزة، ولكن سرعان ما أغلقت إسرائيل الطريق، وخاصة كلما كان يحدث اضطراب أو أحداث، وقضت على آمال نشوء دولة أو شبه دولة، ودمرت مطار السلطة الذي كان في غزة ولم تسمح بإنشاء ميناء تجاري. مما أدى في النهاية إلى قطع التواصل بين الضفة وغزة، مما سهل في النهاية أن تنقلب حماس على السلطة عام 2006 وتستأثر بغزة، ويصبح لها وضع خاص شاذ مجددا.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فإنها لم تكن ترغب في أن تعطي أراضي الضفة الغربية كاملة للسلطة، وهذا بسبب أنها تريد أن تكثف فيها الاستيطان وتنهب الأرض والمياه والثروات الطبيعية، أما غزة فكانت زاهدة فيها، حتى منذ البداية، وقيل إن رابين ذات مرة قال إنه يتمنى أن يفيق في يوم من الأيام فيجد أن البحر قد ابتلعها! وقررت إسرائيل أن تترك مستوطناتها فيها، ثم رأت أن المشاكل التي تأتي من غزة أكثر مما يمكن أن تستفيد منها كما كان انطباعها عنها دائما، فتركت السيطرة على المعبر بينها وبين مصر في النهاية. ولكنها ضيقت الحصار عليها. وهكذا فإن الغزيين في القطاع منذ أكثر من 17 عاما يعانون من حصار شديد وتضييق، كما أنهم قد عانوا بعد حكم حماس من العدوان الإسرائيلي المتكرر والذي قد شهد أحداثا عنيفة وقتلا فظيعا كما في عام 2009 و2014 ثم مؤخرا في الوقت الحالي. وبينهم كان هناك العديد من أعمال العدوان والقتل المستمر والتضييق المتواصل.
واليوم، كما يشاهد العالم، واستمرارا لمسلسل المعاناة، فإن غزة تواجه بمفردها العدوان الإسرائيلي الهمجي المدعوم بنظام عالمي مجرم منافق يؤيد الجلاد ولا يبالي بالضحية. وما زالت غزة الفقيرة الصابرة الجميلة المقهورة تهدي أمتها العربية مجدا وعزة وفخارا ورجولة وإباءً، وما زالت قادرة على صناعة الحياة بين فكي الموت، وما زال أطفالها بين العدوان والعدوان وبين الموت والموت يولدون مفعمين بالحياة وبالمرح وبالطفولة والجمال، وما زالت وجوه الرجال النشامى وجباههم تنضح رجولة وعنفوانا، ووجوه النساء الصابرات المؤمنات تضيء ليل غزة الذي بخلت الكهرباء بإنارته، ويقدمن لبيوتهن السكينة ولأبنائهن وأزواجهن حنان الأم وحب الزوجة. ما زالت غزة تكتب بدمها وبدموعها وبمعاناتها تاريخا مجيدا للأمة؛ لتقول بأن هذه الأمة لن تموت. إن غزة معجزة الخالق، ومصنع كل شيء مع انعدام الإمكانات، وهي التي يقف الموت الذي يرعب البشر في كل مكان على أبوابها ذليلا، لأنها لا تخافه بل قهرته وانتصرت عليه. ويقف الصبر متعجبا من صبرها. ولعل الله تعالى قد شاء أن يغرس في ترابها جثمان هاشم جد النبي العربي الهاشمي صلى الله عليه وسلم، ليشير إلى أن قيم العروبة وأصلها مغروس هنا.
ولا شك أن قلوب العرب والمسلمين في كل مكان مع غزة كانت ولا زالت، ولكن الواجب على الجميع أن يسعى لتخفيف معاناتها، بالدعاء أولا وقبل كل شيء، عسى الله أن يرفع عنها البلاء وينصر الأمة على أعدائها، بفضله وبرحمته. لقد عانت غزة وابناؤها وما زالوا يعانون، إما بسبب تاريخها الجغرافي السياسي أو بسبب النظم والسياسات في الدول العربية، أو بسبب الظروف الداخلية وعلاقة حماس بالسلطة الفلسطينية لسكان القطاع في الداخل. وبغض النظر عن المسئول عن هذه المعاناة، فإن الواجب الأخلاقي والأخوي يرتب على الجميع أن يسعوا لتخفيف هذه المعاناة في النطاق والإطار الذي يستطيعون، وبالطريقة الملائمة، وأن يحظى الغزيون الذين يبذلون دماءهم فداء للأمة وعزتها وكرامتها بحياة متساوية مع إخوانهم، لا بتمييز ولا بتضييق، وذلك أضعف الإيمان.
رفع الله الظلم والمعاناة عن أهل غزة، ووفق العرب والمسلمين للقيام بواجباتهم، ووفق العالم ليتوقف عن الظلم الوخيم الذي يرتكبه بالسماح لهذه المعاناة الإنسانية الطويلة الأمد بالاستمرار، آمين.

لا تعليق