تعليم الإسلام في الحب

1

لا يطلب الإسلام حب خلق الله تعالى بمجرد الأمر والوعظ المجرد، كما يقدَّمُ في بعض الأديان الأخرى، بل يضع خطةً حكيمةً واقعيّةً تتوافق مع الطبيعة البشرية ليتولد هذا الحب -الذي هو شعور فطري- وليرتقي المؤمن في حبه كلما ارتقى في الإيمان والعمل الصالح، اللذين هما مراقي الترقي في حب الله تعالى ذاته أيضا.

فالحب شعور فطري يتولد من الحسن والإحسان؛ أي أن الإنسان يقع في حب ما يعجبه حسنه ومزاياه وصفاته من بشر وأشياء، ويتولد تجاه البشر خاصةً عندما يتلقون الإحسان من غيرهم ويدركونه. فإذا لم يكن الإنسان معجبًا بمزايا وصفات غيره -وقد يكون محقا لأن لديه صفات سيئة-وكان الآخر لا يحسن إليه، بل لعله في عداوة معه، فمن المستحيل أن ينشأ في قلبه الحب تجاهه. ويصبح الأمر بحب الآخر أمرا غير واقعي مفرغ من مضمونه.

ولتحقيق هذه الغاية، فقد جعل الإسلام حبَّ الله تعالى هو الهدف النهائي المنشود، والذي يمكن تحصُّله بالتدبر في صفات الله تعالى الحسنة وفي إحسانه على الخلق، وهذا الحب سيؤدي إلى أن يرغب الإنسان في أن يطيع الله تعالى طاعة تلقائية نابعة من الحب لا من الواجب، وأن يصبح هذا الحب الإلهي المحرك للعمل الصالح، تكلُّفا وبالمجاهدة أولا، إلى أن يصل إلى أن يصبح تلقائيا وفطريا في النهاية.

لذلك فقد أفاض الإسلام في تبيان صفات الله تعالى وذكر إحساناته ليتولد حبه في القلوب، كما قد تميَّز الإسلام بأن وضع منهجًا واقعيا لتولُّد الحب الفطري في قلوب المؤمنين تجاه خلق الله تعالى، يتوافق مع الطبائع البشرية؛ وهذا المنهج قد لخصه الله تعالى في قوله جل وعلا واصفًا الغاية من تعاليم الإسلام بمجملها:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} (النحل 91)

إذ أمر الإسلام بأن يقوم المسلم بأقصى درجات الإحسان -بغض النظر عن مشاعره تجاه الآخرين سواء أحبهم أم لم يحبهم- والذي يرتقي من مجرد العدل الذي يكون فيه الإنسان حريصًا على إعطاء الحقوق وعلى رد المعروف والإحسان من الآخرين، إلى مقام الإحسان الذي يعني أنه سيمد يده بالخير والعطاء إلى من ليس له حق عنده، كما سيعفو أيضًا عمن ظلمه. ودرءًا لسيئة قد تتولد من القيام بالإحسان، والتي هي الكبر والرياء، فقد أمر الإسلام بأن يستمر الإنسان في هذا العمل إلى أن يقهر هذا الشعور، حتى يصبح إحسانه سلوكًا فطريًّا نابعًا من طبيعته التي ترقت باتباع هذه التعاليم التي تدرب عليها طاعةً لأمر الله تعالى وسعيًا لمرضاته، وهذا ما سماه القرآن الكريم “إيتاء ذي القربى” أي إيتاء الآخرين كما نؤتي أولي القربى، والذي يظهر في صورته القصوى في إحسان الأم لأبنائها، والذي ينبع من حبها الفطري لهم. وهذه هي المرحلة النهائية من الحسنة التي يطمح إليها الإسلام.

فالإنسان في حالته الأولية،كما هو معلوم، يتحرك بدافع الحب الذي يحكم سلوكه، فيتصرف تصرفًا حسنًا بدافع العاطفة، وينتقم وقد يتصرف بسوء نتيجة البغض بسبب الاختلاف بينه وبين الآخرين أو بسبب العداوة فيما بينهم، ولأجل ذلك، قد خط الله تعالى في الإسلام خطةً للتدريب وتقويم السلوك لكي يترقى الإنسان ويتولد فيه هذا الشعور النبيل نتيجة للعمل الصالح. وهذه الخطة الحكيمة من الدلائل على أن هذه التعاليم قد أُنزلت من لدن الخالق العليم الحكيم، الذي خلق البشر ويعلم طبائعهم، وأنزل لهم ما يصلح شؤونهم، ليس بمجرد الوعظ والخطابات، بل بالعمل والتدريب. فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة، أصبح يحب خلق الله تعالى كما تحب الأم الرؤوم أبناءها، ويصبح حبه متوافقًا مع حب الله تعالى الأصلي لخلقه، الذي هو ناجم عن رابطة الخالقية والمخلوقية.

والجميل أن هذا الطريق لا يؤدي فقط إلى نشوء حالة الحب بين البشر، بل يتولد معه حب الله تعالى لدى المؤمن، والذي يكون المحرك الأساسي لطاعة أوامر الله تعالى، والذي ينشأ بمعرفة حسن الله تعالى وإحسانه، ويزداد كلما ازداد الإنسان معرفة بصفات الله الحسنى -التي فصلها الإسلام تفصيلاً- وبإقراره بإحسان الله تعالى إليه. وبهذا فسيحظى الإنسان بحب الله تعالى أيضًا، وسيزداد حب الله تعالى له ويصبح أشد، كلما أصبح حب المؤمن لله تعالى أشد أيضًا، وهكذا تندمج الغاية والوسيلة لنشوء الحب والوصول إليه، فتتحقق الغاية من الدين التي هي حب الله تعالى، والتي ستؤدي تلقائيًّا إلى حب خلق الله تعالى، ولكن بعد أن جاهد الإنسان وتدرب وتدرج حتى يصل إلى هذه المرتبة، وهذا ما لخصه الله تعالى في قوله:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } (البقرة 166)

أي أن المؤمنين هم أشد حبًا لله تعالى، كما أن الله تعالى يحبهم أكثر من غيرهم.

وبهذا يتبين أن الله تعالى يحب خلقه حبًا عامًّا شاملًا؛ نجمت عنه رحمته العامة بصفته الرحمن الذي خلق الإنسان وزوده بكل ما يلزم لحياته ورزقه وأمده بأفضاله دون تمييز بين مؤمن وكافر، ولكن حبه للمؤمنين أشد، والذي يظهر من خلال رحيميته بالمؤمنين الذين يسعون ويجتهدون ويطيعون الله تعالى ويدعونه فيعطيهم العطايا الخاصة من أفضاله ويضعهم تحت حمايته الخاصة. لذلك فإن ما ورد من أن الله تعالى لا يحب الكافرين أو الظالمين أو ذوي الصفات غير الحميدة في القرآن الكريم، إنما يعني أنهم لا يحظون بالحب الخاص الذي يكون للمؤمنين، ولا يعني أن الله تعالى يبغض خلقه أو قد طردهم من رحمته كليةً، مما يخالف الواقع الملموس.

والمؤمن الذي يترقى إلى حب الله تعالى بإطاعة تعاليمه، سيستشعر بعد السلوك على الشريعة وإطاعة أوامر الله تعالى، بهذا الحب المتدفق تجاه خلق الله تعالى، انعكاسًا لحب الله تعالى لخلقه، ويصبح شعورًا فطريًّا لديه. ولا شك أنه أيضًا سيحب المؤمنين حبًا أشد، كما أن الله تعالى يحبهم حبًا أشد، ولكن هذا الحب إنما هو درجات متقدمة من الحب، ينالها من يستحقها، ولا تجعل من لا يستحق محلاً للبغض والكراهية.

يجدر أخيراً تبيان أن ما قد جاء في الإنجيل على لسان المسيح:

“أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ.” (إِنْجِيلُ مَتَّى 5 : 44)

وما جاء في العهد القديم:

“فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.” (اََلتَّثْنِيَة 10 : 19)

لا يمكن حمله على الصورة المجردة ويُعدُّ تعليمًا راقيًا للحب عندهم، بل ويفتقر إليه الإسلام حسب ادعاء بعضهم! والواقع يثبت أن هذه التعاليم التي فهموها على صورتها المجردة لم تؤثر في سلوكهم على مدار التاريخ الذي لا يسعفهم في إثبات أن هذا كان طابع سلوكهم العام.

أما الإسلام، فقد أثبت التاريخ أن المسلمين، عندما التزموا بتعاليم الإسلام، قد أنصفوا أعداءهم وأحسنوا إليهم طاعةً لأمر الله تعالى، وأن هذا أيضًا قد ولَّد وما زال يولِّد في قلوب المؤمنين الصادقين حباً لله تعالى ولخلقه كلما ازدادوا طاعةً لله تعالى والتزامًا بتعاليمه.

وللإنصاف، فإن ما ورد في الإنجيل، بعد الاقتباس السابق مباشرة، يؤكد أن المقصود لا يختلف عما يقدمه الإسلام، بل يتطابق معه تماماً، حيث جاء:

“«لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا. وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا. وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ. بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئًا، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ.»” (إِنْجِيلُ لُوقَا 6 : 27-36)

فواضح من خلال هذا النص أن المسيح عليه السلام كان يأمرهم بالإحسان والرحمة كطريق لحب خلق الله تعالى في النهاية؛ أي يقول لهم عليكم بالحب، وهذه هي طريق الحب. والنص يوضح أن المطلوب هو أن تعملوا بالإحسان الذي يجب أن يترقى ليصبح فطريا، وليس مجرد رد الحسنة الذي هو في الواقع عدل، بل أن تحسنوا غير راغبين في جزاء؛ وهذا يكافئ التعبير القرآني “إيتاء ذي القربى”، بل الواجب الإحسان رحمةً بالناس اقتداءً بالله تعالى الرحيم كما جاء في آخر النص! وهذه هي الطريق لحب خلق الله تعالى -والذين منهم أعداؤكم ولاعنيكم أيضًا- التي وردت في بداية كلامه.

ولا عجب في ذلك، فهذا هو التعليم الإلهي الحق الذي أنزله دومًا على أنبيائه، بل العجب في الفهم الخاطئ الذي نشأ لاحقًا. وهكذا فإن الإسلام، كعادته، قد أعاد هذه اللآلئ من الحكمة التي طُمست، والتي حملها النبيون منذ فجر البشرية، وأحسن إظهارها وتبيينها.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *