ذات مرة، كنت في الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان في مسجدنا في حيفا، وكان معي في الاعتكاف أخي الأمير محمد شريف وعدد من الإخوة. وكانت أجواء روحانية أكرمنا الله تعالى فيها بالكثير من لفتات القرب.

كان الناس قد قرروا أن يرسلوا إلينا طعام الإفطار في كل يوم، وقد أكرمونا بكثير من الطعام. وذات ليلة بعد الإفطار، قلت لأخي محمد شريف: إن كنت تعرف من سيجلب لنا الطعام في الغد فحبذا أن تخبروه بألا يجلب لنا الكثير من الطعام، ولا أن يطبخوا الأرز مع اللحوم وغيرها، بل لو جاءوا ببعض “الكبة” والبطاطا والسلطة.. ثم عددت أشياء بسيطة أخرى.. فهذا يكفي.

ومضت الليلة وانقضى النهار، ولم نتواصل مع أحد، ولم نعرف من سيجلب الطعام في ذلك اليوم. ولكن عندما جاء الطعام نظرنا فإذا به تماما كما طلبت ووصفت.. وأخذ أخي محمد شريف يشير إلى هذه الأصناف صنفا صنفا مستذكرا ما قلت وكلانا متعجب.. ثم قلت له: لكن بقي شيء ليس موجودا. قال: ما هو؟ قلت الفلفل الأخضر (حيث إن من يعرفني يعرف أنني أتناوله دائما مع الطعام).. فأزاح ورقة القصدير وإذا بقرنين تحتها، فقال: هذا هو!

كانت هذه آية عظيمة بالنسبة لنا، وتعني أن الله تعالى كان معنا وكان يسمع ما نتحدث به، وقد أتانا بما قلت بالضبط، دون زيادة أو نقصان، ليقول لنا إنني أسمعكما، وإنني قد تقبلت اعتكافكم وسمعت دعاءكم إن شاء الله. فهذا كان هذا سبب سرور عظيم لنا.

وعلى شاكلة هذه الآية رأينا وما زلنا نرى الكثير بفضل الله.

أحد الزملاء الذين كانوا معنا، والذي تورط في الخيانة والنفاق لفترة طويلة ثم طُرد من عمله بعد ضبطه فأعلن ارتداده عن الجماعة وبدأ بعدها بالهجوم، يذكر هذه الآية الآن على النحو التالي:

يقول أنني كنت قد دعيت إلى طعام عند بعض الناس، فقدموا لي الطعام، وكنت أتمنى أن آكل “رأس بصل”، وبعد تدقيق النظر وجدت رأس البصل على المائدة، فقلت إن هذه آية. وأخذ يستهزئ ويقول بأنني أعد هذا الموقف العادي السخيف آية!

فبالنظر إلى هذا المثال يمكن لأي شخص أن يدرك طبيعة اعتراضاته في كل شيء؛ فلم يذكر أننا كنا في الاعتكاف، وأنني ذكرت أصنافا بعينها – على خلاف ما عادة يقدمه الناس لمزيد من الإكرام والذي كنا قد مللنا منه – سرا بيني وبين أخي محمد شريف ولم يسمع هذا الحديث أحد، وأن هذه الأصناف جاءت تماما كما ذكرت دون زيادة ولا نقصان، ولما ظننت أن الفلفل الذي عادة آكله مع الطعام ناقص تبين أنه موجود أيضا، مع أن أهل البلد لا يأكلونه عادة مع طعامهم ولا يعرفون أنني آكله دائما. فهل هذا كله كان صدفة؟ أم هو آية حقا؟

وبإغفال كل هذه التفاصيل وتحويل الفلفل إلى “رأس بصل”، لما للبصل من رائحة كريهة بعد الأكل، يمكن أن يأخذ كل متابع هذا الأمر نموذجا على كذباته وتدليساته في كل شيء.

فسبحان الله! كيف أن هذه الآيات تتجدد بأن تصبح أيضا سببا لكشف زيف المزيفين وتدليس المدلسين. فقد رأيت أنه إذ يكرر مثال آية “رأس البصل” حسب زعمه مستهزئا قد قدَّم لنا خدمة ومثالا واضحا على كذبه الفاضح وتزويره يسهل للقراء تبينه، ويمكن أن يطبقوه على اعتراضاته كلها القائمة على الكذب والتزوير وإخفاء كثير من الجوانب وتغيير الحقائق، والتي يصعب عليهم تتبع تفاصيلها لكثرة ما يكتب. وهذا مثال كاف وواف لا يحتاج المرء بعده للنظر في المزيد. وهكذا قد تجددت هذه الآية بفضل الله تعالى!

وتبقى الآيات آيات، وما زال الله تعالى يكرمنا بها بفضله وبرحمته، ويسلي إيماننا بأنه مطلع علينا وأنه معنا، ثم يكرمنا بنصره وبتأييده. والحمد لله رب العالمين.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *