للأسف، ما لاحظته أن مهارة السؤال والجواب تعوز الكثيرين جدا، ومنهم أحيانا أناس على مستوى عالٍ من التعليم والمهنية.
وهنا سأضرب مثالا متعلقا بما يدور حاليا حول “نظام الطيبات” المزعوم وكوارثه، والكلام الصادر عن العوضي من جهة، والدكتور حسام موافي من جهة أخرى.
فكلاهما عندما سُئلا عن دور السكر في مرض السكري، أجابا بأنه لا علاقة لمرض السكري باستهلاك السكر!
وهذا الجواب في حقيقته جواب خاطئ ومضلل؛ لأن الأولى كان أن يقولا —أو يقول الدكتور حسام موافي على الأقل— بأنه لا توجد علاقة “مباشرة” للسكر بمرض السكري، ثم يبدأ بالشرح الحذر. فالذي يهم السائل، أو المريض، أو أي إنسان عادي، هو هل سيتضرر صحيا بسبب استهلاك السكر أم لا، وهل يمكن أن يؤدي به هذا الاستهلاك إلى الإصابة بالسكري بالفعل (سواء من النوع الأول أو الثاني).
فماذا كانت النتيجة؟ ظن المستمع العادي أن استهلاك السكريات بكميات كبيرة لن يسبب له مرض السكر، وأنه لن يخلف عليه آثارا صحية خطيرة. أما الانتقال بعد ذلك إلى القول بأن استهلاك السكر مفيد لمريض السكري —كما زعم العوضي— فهو كلام تجاوز حدود الخطأ العلمي وصار في عداد التخاريف والدجل.
وباختصار وتبسيط غير مخل: هناك مريض السكري من النوع الأول، وهو ناتج عن مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه الجسم خلايا البنكرياس ويخربها، مما يؤدي إلى عجز تام عن إنتاج الأنسولين. وهناك مريض السكري من النوع الثاني، وهو الذي يرتبط غالباً بالإفراط في تناول الأطعمة والسكريات، مما يسبب سمنة مفرطة ناشئة عن الارتفاع الدائم للأنسولين في الجسم —الذي تحرضه السكريات المستهلكة بكثرة وتستدعي إطلاقه مستمرا— حتى تصاب الخلايا بعد ذلك بـ “مقاومة الأنسولين”. ويؤدي هذا الارتفاع الدائم للسكر في الدم إلى أضرار جسيمة في الخلايا المختلفة، كالأوعية الدموية، والخلايا العصبية، والأنسجة اللينة.
وصحيح أن الإنسان الطبيعي يخزن السكر الفائض في الكبد بعد أن يتحول إلى صورة أخرى (جليكوجين)، ثم يعيد تحويله إلى سكر ويطلقه في الدم عند الحاجة، ولكن إصابة الجسم بمقاومة الأنسولين تُربك الكبد؛ إذ يفقد الكبد حساسيته للإشارات الصادرة عن الأنسولين والتي تأمره بالتوقف عن ضخ الجلوكوز، فيستمر في إطلاق السكر في الدم فوق حاجة الجسم، مما يفاقم المشكلة.
إذن، لدينا دجل العوضي من ناحية، ولدينا الكلام الأكاديمي المجرد الذي لا يستفاد منه للإنسان العادي، بل يربكه ويجعله لا يدرك جوهر المسألة. فسواء كان أثر السكر مباشرا أو غير مباشر، فالنتيجة الواقعية والصحية واحدة.
فما أهمية أن يدرك الإنسان العادي أن السبب الأقرب في سمنته وتدهور صحته هو اضطراب الأنسولين ومقاومته وليس مادة السكر بذاتها، مع أن الارتفاع المستمر للسكر هو المحفز الأساسي لإفراز الأنسولين وإرهاق البنكرياس؟ هذه معلومة تخصصية قد يستفيد منها طبيب أو تلميذ يتعلم، ولكن لن يستفيد منها الإنسان العادي في حياته اليومية، بل ستصبح مادة خصبة يستغلها أدعياء الطب البديل ومروجو الخرافات للعوام، تماما كما استغلها العوضي.
وبهذا، فإننا لو قلنا للعامة إن الإفراط في تناول السكر يؤدي إلى السمنة وإلى مرض السكري من النوع الثاني، فقد اختصرنا المسألة، وقدمنا إجابة سليمة ونافعة، كما كانت عادة الأطباء الحكماء دائما، وكما يعلمه عامة الناس.
ولكن للأسف، هناك من يستغلون جهل الناس كالعوضي، ويدفعونهم لقبول تخاريفهم باللعب على أوتار الأماني والآمال الشفائية الزائفة، وهناك في المقابل من يستعرضون معلوماتهم الأكاديمية الدقيقة على العوام بصورة تحول بينهم وبين إدراك ما هو مهم وحيوي في السؤال والجواب. فالحكيم هو الذي يخاطب الناس على قدر عقولهم وحاجتهم المعرفية، أما الدجال فأمره إلى الله تعالى.
وأخيرا، لقد حاول كثيرون أن يحللوا أسباب تصديق الشريحة الواسعة لتخاريف العوضي والدفاع المستميت عنه، وقدموا نقاطا أوافقهم في كثير منها، ولكن ربما غابت عن الجميع نقطة نفسية واجتماعية جوهرية: وهي أنه حاول تقديم معلوماته المضللة للناس وكأنها معلومات “مبسطة تجعلهم عالمين بما يعانون منه وبالمنافع والأضرار”، وجعل العوام يشعرون وكأنهم أصبحوا شركاء في تشخيص أنفسهم، وفي وصف الغذاء والدواء. صوّر لهم الأمر وكأن الطب كان سرا محتكرا يحتفظ به الأطباء ويخفونه عن الناس لاستغلالهم، والآن أصبح هذا السر في متناول الجميع بفضله! فبدت المسألة في وعيهم الزائف وكأنها “ثورة” على عالم الطب والأطباء وشركات الأدوية.
والحقيقة الدامغة أن الطب علم معقد للغاية، لا يقتصر على مجرد حفظ بعض وظائف الأعضاء، أو عمل الإنزيمات والفيتامينات، بل هو علم يتطلب حكمة، وسعة أفق، وخبرة سريرية متراكمة. لذلك كان يُوصف الطبيب بـ “الحكيم” في تراثنا وما زال في بعض لهجاتنا العربية. وإذا استبعدنا الدجل والدجالين، فإن من أهم مبادئ الحكمة الطبية هي أن نخاطب الناس بما ينفعهم، وأن نُحسن التساؤل، ونُحسن الجواب.
عرض أقل


لا يوجد تعليق