من المؤكد أن وسائل إنتاج الدواجن والبيض وإنتاج اللحوم والحليب ومشتقاته والأساليب الزراعية الحديثة والمبيدات والهرمونات وغيرها تقلل من جودة الغذاء، ولكنها لا تحوله إلى طعام فاسد أو خبيث! ولا شك أنه من الأفضل تجنب هذه الوسائل التجارية والتقليل منها، ولكن ليس هجرة هذه الأصناف من الطعام تماما.
الخضروات من طيبات الطعام، وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأَنعام 100)
وهنا يبين الله تعالى أن هذه أصناف من الطعام للبشر التي منها الثمرات ومنها الخضروات اليانعة “انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه” وأن الخضروات منها ما ينتج حبا متراكبا؛ والذي لا يقتصر معناه على مجرد تراكب الحبوب بعضها فوق بعض في السنابل، بل يمتد ليشمل قدرة هذه النباتات الخضراء على إنتاج البذور والبقول التي تُعيد زراعة وتجديد نفسها بانتظام، في حين أن هناك أصنافًا أخرى تُستهلك بذاتها دون ذلك.
والخضروات مصادر مهمة للألياف التي تحسن حركة الأمعاء وتغذي البكتيريا النافعة في القولون وبهذا تعزز صحة الجهاز الهضمي، وهي تدعم جهاز المناعة لما تحتويه من فيتامينات ومعادن أساسية كفيتامين C وفيتامين A التي ترفع كفاءة الجسم في مواجهة الأمراض والعدوى، وتحتوي مضادات الأكسدة التي تقي من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، وبسبب الألياف التي تحتاج وقتا طويلا للهضم فهي تمنح شعورا طويلا بالشبع فتحافظ على ضبط الوزن وضغط الدم، وهي تحافظ على نضارة البشرة وصحة العينين لاحتواء الخضروات الورقية والملونة على فيتامينات مثل البيتا كاروتين والتي تدعم صحة النظر وتقي من التبقعات والضمور المرتبط بتقدم العمر وتحفز على إنتاج الكولاجين الذي يحمي البشرة ويبقيها نضرة.
وهذه كلها معلومات عامة متفق عليها، لا ينكرها عاقل! فإذا تركنا الخضروات، فما هو البديل الذي يعوضنا عن كل ما سبق؟
نعم، لا شك أن السعي للربح يؤثر على إنتاج الغذاء ويقلل من جودته، ولكن الاعتقاد أننا نعيش مؤامرة على صحتنا وأن النظام الصحي بمجمله نظام يؤدي إلى الأمراض المزمنة وتدمير الصحة عبارة عن هذيان. فالمؤكد أن معدلات أعمار البشر بدأت تطول ضمن هذا النظام الصحي، وقلت نسبة الوفيات مما زاد من عدد سكان العالم. فرغم المشاكل التي لا تنكر في النظام الصحي، إلا أن فوائده قطعا أكثر من مضاره.
أما الادعاء بأن هناك الألوف أو الملايين ممن اتبعوا تخاريف الدكتور ضياء العوضي قد شفوا، فهذا مجرد كلام لا دليل عليه، فكيف اطلع الذين يرددون هذا الكلام على هؤلاء الألوف والملايين ورأوا حالاتهم؟ هذه مجرد شهادة قائمة على الهوى لا وزن لها.
وأما الارتياح المؤقت الذي يشعر به البعض بسبب تقليل الطعام أو عدم تناول أصناف منه، أو تقليل الدواء دون استشارة الطبيب، فهذا مجرد مرحلة مؤقتة ستنعكس على صحة من يقوم بذلك بعد أشهر أو ربما سنة أو سنتين بصورة خطيرة للغاية. فترك أصناف معينة من الطعام كالخضروات مثلا سيحرم الإنسان من الفيتامين والمعادن ومضادات الأكسدة، وسيفقد الإنسان نضارته، ثم ربما سيواجه انعكاسات خطيرة قد تفضي إلى الوفاة، كما حدث مع العوضي نفسه، الذي واضح في هيئته الأخيرة أنها ليست هيئة إنسان يتمتع بصحة جيدة أو بنضارة، بينما كان على غير هذه الصورة قبل ثلاث سنوات تقريبا كما يتضح من الصور. وأما تقليل الدواء أو تركه فهو قد يشعر الإنسان ببعض الارتياح من الآثار الجانبية المزعجة التي لا بد منها ولكنه يحرم الإنسان من الفائدة ويترك الأمراض تفتك به. فمتى كان الدواء لذيذا أو محببا؟ فمعلوم حتى في الطب القديم أن معظم الأدوية كانت مرة المذاق ولم تكن مستساغة، ولا ينظر الإنسان إلى انزعاجه من الطعم أو من أي شعور غير محبب بسببها، بل ينظر إلى فائدتها.
أدهشني أن هذه المسألة التي من المفترض أن تكون بدهية تحتاج توضيحا بعد توضيح بسبب انجرار كثير من الناس من فئات مختلفة خلفها!
لو كانت الخضروات والدجاج والبيض من غير الطيبات لنص عليها القرآن والسنة عموما. وفي الإسلام الذي هو الدين الشامل الكامل يقع الغذاء والإرشادات حوله ضمن تعاليم الشريعة التي من مقاصد الشريعة. أما الغربيون، فلا عجب أن يقعوا في هذه الافتراضات والفوضى والتحليلات والتحريمات (أي المنع والإباحة بناء على الفوائد عندهم) التي درجوا عليها منذ عقود، وفي كل مرة كانوا يتراجعون عنها ويعترفون بخطئهم. فقد هاجموا اللحوم والبيض والحليب والدهون لفترة طويلة ثم تراجعوا عن ذلك وأكدوا أهميتها لاكتشافهم أمورا جديدة، ودعوا إلى هجر المنتجات الحيوانية تماما وتحول الإنسان إلى نباتي، ثم تراجعوا لاكتشافهم أن المنتجات الحيوانية تحتوي عناصر لا غنى عنها لصحة الإنسان. وهم معذورون لأنهم ليس عندهم شريعة شاملة ترشدهم في هذه الأمور. أما بالنسبة للمسلم، فهو معصوم من هذا اللغط كله، ويتبع نظاما واضحا مصدره من رب العزة والجلال خالق البشر والمخلوقات جميعها. والعلم أثبت ويثبت وسيبقى يثبت أنه لا شيء مما أباحه الله يسبب الضرر، ولا فائدة فيما منعه الله تعالى، ولكن الله تعالى بنفسه قد وجه إلى أن المباح أيضا يجب أن يستهلك باعتدال كي لا يتحول إلى ضار بسبب الإسراف.
وهناك قاعدة بسيطة قد وجه إليها الدين وتوجه إليها الفطرة، وهي أن عليك أن تتوخى الحيوان الذي يبدو نشيطا ويتمتع بالصحة. فحتى لو كان تناول أعلافا مصنعة أو أدوية بيطرية، فما دام يتمتع بالصحة والنشاط فهذا يعني أن نظامه الحيوي قد تعامل مع المدخلات من أعلاف وعلاجات بنجاح ولم يتضرر بها، وهكذا فلن يضرك أكله. كذلك فإن عليك عموما أن تتوخى الطعام الذي لا تأنف من رائحته أو طعمه، لأن أنفتك تعني عموما -فيما لو لم يكن للعادة والتجارب النفسية أثر- أنه إما يضر عموما أو يضرك خاصة أو أن جسدك لا يحتاج العناصر التي فيه حاليا. لذلك فعند الشبع، كما هو معلوم، يأنف الإنسان من أطيب الطعام بالنسبة له.
وباختصار، فإن الذي قدمه العوضي ليس علما ولا دينا، وأسلوبه كان ذكر بعض المعلومات الصحيحة في كل من العلم والدين ثم استخلاص نتائج غير صحيحة. ومن انجذب إليه إنما استهوته الأماني لكي يتخلص من مرضه ومن أدويته وينعم بالصحة بأبسط الوسائل. فهؤلاء لا يبنون موقفهم على قناعة أو على أساس علمي أو ديني راسخ، وإنما يتمنون أن يكون ما يقوله صحيحا، ولكن شتان بين الأماني والواقع.


لا يوجد تعليق