“أبارك مباركيك وألعن لاعنيك” والتحريف اليهودي والمسيحي الصهيوني لنبوءة واضحة تخص الإسلام!
هذه النبوءة العظيمة هي علامة فارقة تبين أن المسلمين هم ورثة إبراهيم الحقيقيون وورثة البركة التي وعده الله بها؛ بعلامات متعددة أهمها أنهم يعظمون إبراهيم ويباركونه في صلواتهم اليومية، وأن اليهود والمسيحيين هم المحرومون منها، لأنهم يلعنون إبراهيم عمليا ويجردونه من نبوته وينسبون إليه أخس الأعمال، كما أن تفسيراتهم وتحريفاتهم لها -وبخاصة تفسير المسيحية الصهيونية في أمريكا وترديدها على لسان الجهلة المتعصبين من أعضاء الكونغرس وغيرهم- لتخدم إسرائيل الحالية والمسيحية الصهيونية لا تستقيم، بل تشهد عليهم أنهم هم المقصودون باللعنة في هذه النبوءة!
فقد جاء في سفر التكوين:
{1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ»} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 12 : 1-3)
فتتضمن هذه النبوءة علامات وهي؛
أولا: أنه سيجعل من نسل إبراهيم أمة عظيمة. وهذا لا ينطبق بحال على اليهود الذين كانوا دائما وإلى وقتنا هذا فئة قليلة ولم يكونوا عظماء في يوم من الأيام، بل ينطبق على العرب الذين هم من نسل إبراهيم وإسماعيل، والذين هم أمة عظيمة مترامية الأطراف، جاء فيها أعظم الأنبياء ونشأ فيها دين الإسلام، ونشأت منها إمبراطوريات حكمت العالم القديم وورثت أعظم أمبراطوريتين بعد أن هزمتهما معا. وهذه الأمة تحمل الدين الأقوى في وضوح المعتقدات ودقتها، وفي ظهور الأولياء والصالحين فيها بكثرة، وهو الدين الأسرع انتشارا في العالم، وهذا النسل، وبسبب أنه قد حمل الإسلام، فقد حمل البركة إلى قبائل الأرض وأممها كما تشير النبوءة؛ إذ نقل إليهم الإسلام وجعلهم إخوة وشركاء. أما اليهودية فهي كانت ولا زالت منطوية على نفسها، وليست دينا يسعى للتبليغ والانتشار بين الأمم، ولا يعنيه مصلحة قوم آخرين سوى بني إسرائيل، ويرى أفضلية بني إسرائيل على كل شعوب الأرض وأنهم لا يمكن أن يتساووا معهم. وأما المسيحيون فهم شعوب ليسوا من نسل إبراهيم، ولا تخصهم هذه النبوءة في شيء التي تتحدث عن النسل الحقيقي لإبراهيم.
وثانيا: أن الأمة العظيمة هذه ستعظم اسم إبراهيم.
وإبراهيم عليه السلام هو نبي عظيم وهو أبو الأنبياء في الإسلام بنصوص صريحة:
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} (مريم 42)
بينما لا يعتقد اليهود والمسيحيون أنه نبي -رغم أنه موصوف بذلك في سفر التكوين- وإنما يعدُّونه أبا لا غير، لذلك جاء القرآن الكريم ليؤكد على نبوته.
وأما قول الله تعالى بأنه صدِّيق قبل وصفه بالنبي فإنما هو بسبب الإساءة التي نسبها اليهود له في الكتاب المقدس وورثها المسيحيون، والتي قدمته كذابا ديوثا والعياذ بالله؛ إذ قد كذب مرتين وقال عن زوجته أنها أخته ليأخذها الملك أبيمالك -ملك مملكة جرار التي هي إحدى ممالك الفلسطينيين الذين يذكرهم الكتاب المقدس التي تقع في منطقة بين غزة وبين السبع حاليا، وهي دليل آخر على أن اسم فلسطين سبق حتى إبراهيم عليه السلام- خوفا من القتل وأولا، ثم كرر الكذبة هذه في مصر مع الفرعون وأعطاه إياها ونال بسببها بقر وغنم وأنعام وعبيد وإماء! وفي الحالتين أنقذها الرب برؤيا أراها لأبيمالك وضرب فرعون بمصائب لأنه أخذها فلامه بشدة على ذلك. وظهر أنهما يتمتعان بالشرف والخوف من الله أكثر منه والعياذ بالله!
فماذا بقي من تعظيم إبراهيم إذا نزعت منه نبوته ونسبت إليه هذه الأعمال الخسيسة؟ وهل الذين يعتقدون بذلك يمكن أن يكونوا ورثة إبراهيم عليه السلام وورثة البركة التي وعده الله تعالى إياها؟
وثالثا: فإن هذه الأمة ستذكر إبراهيم بالبركة، ومعلوم أن صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي تسمى الصلاة الإبراهيمية تذكر إبراهيم، وهي تتلى في الصلاة الإسلامية وهي أحد أركان الصلاة كما هو معلوم؛ إذ لا تصح الصلاة بدونها، وهي:
{اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن)
أما ذكر إبراهيم بالبركة والخير والتعظيم فهو غائب تماما عن الصلوات اليهودية والمسيحية، بل كما رأينا، فإنهم يلعنونه عمليا؛ حيث إن اللعن يعني فيما يعني الذكر السيئ ونسب الإساءات إلى شخص لفظا أو اعتقادا. ولذلك فهم أجدر باللعنة التي جاءت في النبوءة لإساءتهم ولعنهم إياه.
والعجيب مؤخرا، أن المسيحية الصهيونية في أمريكا تروِّج أن هذه النبوءة تخص “إسرائيل” أي يعقوب، بصفته وارثا لبركة إبراهيم. وهذا كذب وتحريف صريح، لأنه لو كان المقصود بها يعقوب لجاءت النبوة عنه تحديدا. بل والأدهى والأمرّ هو أنهم يقولون إن المقصود بها إسرائيل الدولة الحالية، وأن الذي يباركها سيبارك!
أما من يردون عليهم من المسيحيين غير الصهيونيين فيقولون إنها تخص المسيح عليه السلام، لأنه قد قال:
{قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ»} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 8 : 58)
وهذا تحريف آخر أيضا. فلماذا لم يقل الله تعالى لإبراهيم أن البركة ستكون لشخص من نسلك في المستقبل البعيد وهي لا تخصك؟!
فقول المسيح عليه السلام لا يعني إلا أن نبوته هي في علم الله تعالى منذ الأزل، كسائر الأنبياء، ولا تعني أنه هو المقصود بكل ما قيل عن إبراهيم في حياته!
أما لو قيل بأنه قد ورث البركة لأن إبراهيم أبوه من حيث الجسد، فهذا يجعله ينالها وراثة وليس أصالة، ويجعله في مرتبة ثانية قطعا.
وعلى كل حال، فالأهم أيضا هو أن العلامة الأخرى في هذه النبوءة هي علامة فارقة قاطعة تجعلها لا تخص اليهود ولا المسيحيين اليوم قطعا، لو قبلنا جدلا أن المقصود بها هو المسيح عليه السلام، وهذا للأسباب التالية:
أولا: اليهود يعتقدون أن المسيح ملعون، وهو مجرد حاخام مارق مهرطق، وهو ابن زنا والعياذ بالله، وقد مات على الصليب وتحققت فيه نبوءة التوراة في أن الذي يموت على الصليب ملعون (التثنية 21: 22) وأن المتنبئ الكذاب يقتل (التثنية 18: 20). فإذا كان اليهود يلعنونه ويعدون لعنته جزءا من عقيدتهم، فكيف يمكن أن يكونوا معنيين ببركته؟ هم في الواقع ملعونون لأنهم يلعنونه كما وعده الله تعالى، ولهذا تعرضوا للغضب الإلهي والعقوبة على مدى التاريخ وسيستمر عقابهم أيضا وسيأتي بسبب تعنتهم وإجرامهم. فالأولى للذين يعتقدون أن المقصود بالنبوءة هو المسيح أن يلعنوا لاعنيه ويقطعوا صلتهم بهم.
ثانيا: مع شديد الأسف، وبسبب تحريفات بولس في المسيحية، فقد جعل بولس لعنة المسيح ركن أساس من أركان العقيدة المسيحية؛ إذ أقر بأن المسيح مات ملعونا على الصليب، وأنه صار “لعنة” مجسدة بموته على الصليب لأجل تكفير خطايا البشر(غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)! فهو إله وابن إله ولكنه ملعون أيضا! وهذا يدل على سخف من وضع هذا المعتقد مع حقده على المسيح عليه السلام؛ إذ أن اللعنة في هذا السياق تعني الإبعاد من الله تعالى والطرد من رحمته، والتي هي صفة لا تليق إلا بالشيطان.
فمن الذي يلعن المسيح ومن الذي يباركه؟
إن معتقد المسلمين جميعا دون استثناء أن المسيح لم يمت على الصليب، بل نجاه الله تعالى، بغض النظر عن اختلافهم في تفاصيل هذه النجاة، وبهذا فقد أسقط الإسلام اللعنة عن المسيح عليه السلام التي للأسف ألحقها به كل من أعدائه ومن يؤلهونه ويعظمونه اليوم على السواء. وقد يبدو هذا الأمر عجيبا، ولكنه الحقيقة المؤسفة على كل حال.
الواقع أن كل ما تستند إليه الصهيونية المسيحية واليهودية على السواء إنما هي أكاذيب وتحريفات لا يسندها الكتاب المقدس بنفسه، والمسألة عندهم هي مجرد أهواء، ولا يجمعهم في الحقيقة سوى الكراهية والعداء للإسلام، الذي هو دينهم الحقيقي. فلو كان لدى المسيحيين الصهاينة خاصة شيئا من الغيرة لإلههم يسوع ما كان ممكنا أن يتحالفوا مع اليهود ويربطوا أنفسهم بهم بهذه الرابطة.
إن الذي يحب إبراهيم عليه السلام ويحب يسوع ويراه إلها ينبغي أن يحب الذين يحبونهم ويباركونهم، لا الذين يلعنونهم وينسبون إليهم أسوأ التهم، وينبغي ألا يقبل عقيدة تقول بلعنة يسوع -والعياذ بالله- الذي هو النبي المكرم عيسى بن مريم عليه السلام، بل ينبغي أن يلعن من يلعن المسيح ويعاديه، كائنا من كان.

لا تعليق