هل كان نظام “الطيبات” نظاما إسلاميا حقا؟

1

نظام الطعام في الإسلام نظام فطري بسيط وحكيم؛ فالله تعالى يبين أن كل شيء حلال في أصله إلا ما نصَّ عليه، ويجب أن يتوخى الإنسان الطيب من هذا الحلال أي ما تستطيبه نفسه وتطلبه وما لا يكون ضارا له أحيانا لعلة دائمة أو لحالة مؤقتة يمر بها، ويجب أن يأكل من كل شيء باعتدال دون إسراف في الكم أو في النوع، ويجب أن يتوجه إلى الأكل عندما يجوع فقط، وعندما يأكل فعليه ألا يشبع؛ أي أن يترك الطعام مع أنه يمكن أن يأكل المزيد. وتفرض الشريعة الصيام الذي يستهدف أيضا الصحة البدنية أيضا، وتحض على صيام النافلة. وفي النهاية فإن نظام الطعام يؤثر على الصحة البدنية والنفسية والأخلاق، التي بدورها تؤثر على روحانية الإنسان. والنصوص في القرآن والحديث التي تتضمن ما سبق معروفة. والقاعدة العامة التي يقررها القرآن الكريم جاءت في قوله تعالى:

{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأَعراف 32)

وفيما يتعلق بالشراب، فخيره في الشريعة الماء الذي يؤكد القرآن الكريم علاقته الوطيدة بالحياة عموما، ويجب استهلاكه عند العطش دون إسراف وإفراط أيضا. ويمنع الإسلام من المشروبات المضرة التي تؤثر على العقل والسلوك وتسقط كرامة الإنسان والتي هي في الواقع تضر صحة الإنسان على المدى القريب والبعيد، وحدوث اللوثة في عقله علامة مباشرة على فساد هذا الشراب.

ويمتاز الإسلام في تعاليمه الحكيمة بدرّة نادرة في هذه المسألة، وهي أنه لا يأمر فقط بالحلال الذي هو ليس من المحرمات المنصوص عليها فحسب، بل بالطيب من الحلال، ويقدم حكمة عميقة مرتبطة بالأطعمة -لا مجال الآن للخوض فيها- تبين أثر الأطعمة على الصحة النفسية والروحية. ومفهوم الحلال الطيب في الإسلام مفهوم واسع وجميل للغاية، وهو يشمل ما يلي:

1- ما لم ينص الإسلام على تحريمه؛ إذ نصّ على محرمات في أصلها كمثل الخنزير والميتة والدم ولحم السباع من الحيوانات والطيور والمشروبات الكحولية والمسكرات بأنواعها، ومحرمات من طعام مباح أصلا في ظروف معينة لضررها المعنوي.

2- ما لا يكون ضارا من النبات أو مما تخرج الأرض من الفطريات، بعد ثبوت ضررها، مع أنها في كثير من الأحيان تتضمن طعما أو رائحة غير مستساغة تلفت إلى هذا الضرر.

3- ما كان غير محرم في أصله لكنه لم يعد صالحا، كاللحم الفاسد أو المنتن، أو الطعام الذي فسد وصار له رائحة أو طعم غير مستساغ، أو الذي تلوث بالقاذورات والمواد الضارة.

4- التوجه للطعام والشراب عندما تطلبه النفس وتستطيبه؛ أي أن يأكل عندما يجوع ويشرب عندما يعطش.

5- الاستهلاك المعتدل للطعام الحلال بحيث يأكل الإنسان ولا يتخم.

6- التنويع المعتدل في الطعام وعدم التركيز على أطعمة معينة وترك أطعمة أخرى.

7- عدم الإسراف في التنويع بحيث لا يأكل الإنسان في كل وجبة أصنافا كثيرة.

8- الاستجابة للرغبة في طعام ما أحيانا تستطيبه النفس لأنه مؤشر طبيعي على حاجة الإنسان لبعض العناصر التي يحتويها.

9- الحمية أو اجتناب ما يضر الإنسان من الحلال الطيب أصلا في حالات خاصة كونه مريضا مرضا مزمنا أو مرضا مؤقتا قد يجعل طعاما ما أو شرابا ما سببا لضرره.

10- الصيام عن الطعام والشراب أحيانا من خلال شهر رمضان والنوافل.

11- ضرورة الدواء واستهلاكه عندما يكون الإنسان مريضا.

12- إباحة بعض المحظور مؤقتا في حالة الاضطرار لحفظ الحياة.

وإذا تمعنا في هذه النقاط التي يطول الشرح في تفصيلها وحكمتها، فنجد أن الأصل في الأطعمة هو أنها “طيبة” أي مفيدة مستساغة لعموم الناس. وأن طريقة استهلاكها يجب أن تكون طيبة تعود بالنفع وتقلل الضرر الذي لا يخلو منه أي طعام عندما يستهلك بالإسراف وخارج نطاق الاعتدال. وأن الواجب اجتناب بعض الأطعمة في حالات خاصة فقط، كما أن بعض الحالات الخاصة تبيح بعض المحظور مؤقتا.

وهكذا، فإن أي نظام يخالف هذه القواعد القائمة على الطيب من الطعام والطيب في استهلاكه، لا يمكن وصفه بأنه نظام طيبات، أو أنه نظام إسلامي. ووفقا لذلك يمكن الحكم على نظام الدكتور العوضي، والذي سماه “نظام الطيبات” وادعى أنه استخلصه من الإسلام!

فوفقا لنظامه فإنه يستبعد جميع الخضروات، وينهى عن شرب الماء إلا القليل جدا، ويمنع من أكل البيض والدجاج والحليب ومشتقات الألبان، وينهى عن الخبز بجميع أنواعه وجميع المخبوزات، ولا يرى في التدخين ضررا على الصحة.

أما مسألة استثناء نوعية معينة من الطعام في ليست مسألة جديدة؛ فقد شهد العالم في القرن العشرين العديد من الصيحات المتنوعة التي تستثني اللحوم أو الدهون أو البيض أو الخبز أو الحليب ومشتقاته، وظهرت لاحقا بعض الدراسات التي تراجعت عن هذه المواقف وأكدت فائدة كل ما كان ينظر إليه على أنه ضار للإنسان. وتثبت الدراسات أن الإنسان يحتاج إلى الخضروات واللحوم والبقول والبيض والألبان، وأن في بعضها من العناصر ما لا يمكن تعويضه؛ كما أن استهلاك كمية صغيرة من اللحوم مثلا يغني عن تناول كمية كبيرة من البقول أو الخضروات للحصول على كمية البروتينات نفسها مثلا.

والواقع أن القرآن الكريم قد رد على نظريات استثناء نوعيات من الطعام، وعدها وكأنها تحريم بغير حق، وبين أن هذا العمل هو عمل الشيطان، إذ يقول تعالى:

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (الأَعراف 33)

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (البقرة 169)

والشيطان لا يعني المفسد الخبيث فقط، بل كل ما يعمل عملا يحرف الناس عن جادة الصواب يضر به أو بغيره ويأمر به، حتى وإن كان غير متعمد. لأن لفظة الشيطان جاءت من الفعل “شطن” أي ابتعد. لذلك نجد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم:

{الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ} (مسند أحمد، كتاب مسند المكثرين من الصحابة)

أي أن الذين يريدون السفر ينبغي ألا يكونوا أقل من ثلاثة، كي لا يتعرضوا للمخاطر في سفرهم ويتضرروا.

فالدكتور العوضي، بهذا المعنى، يحرم ما أحل الله تعالى، ويقوم بعمل الشيطان دون أن يعلم!

أما الأدوية، فلا شك أن هناك نوعا من الإسراف فيها في العالم المعاصر وفي كون صناعتها داخلا فيها الفساد والنظر إلى المردود المادي على حساب صحة البشر، ولكن هذا ينبغي ألا يجعل الإنسان يجتنب الأدوية تماما، بل عليه أن يستهلكها باعتدال، وعلى الأطباء والباحثين وصفها بالقدر الملائم والبحث عن أدوية وعلاجات تزيد فيها الفائدة ويقل فيها الضرر. ولكن اجتنباها كلية وعدم الالتفات إلى نصائح المختصين لا يعد ترك الطيب فقط، بل يعد إضرارا بالنفس وانتحارا يحاسب عليه الله تعالى، وهو من عمل الشيطان.

أما المبيدات والهرمونات والتصنيع في الأطعمة، فهي مسألة بحاجة إلى معالجة بلا شك، ويجب أن يبحث العلماء والصناعيون عن بدائل أكثر صحية، ولكن ليس الحل اجتناب هذه الأطعمة تماما. والواقع أن الاستهلاك المعتدل سيجعل الفوائد التي يحصلها الإنسان أكثر المضار، فتحل المسألة تلقائيا. هذا إضافة إلى ما أودعه الله تعالى في الإنسان من قدرة على التكيف ومقاومة ما يضر واحتوائه وطرده، والتي ستنجح، ما دام الاستهلاك معتدلا.

فنظرا إلى ما سبق، نرى أن نظرية العوضي، ليست نظرية طيبات أصلا، وليست نظرية إسلامية. وإذا كان البعض يقولون بأنهم قد استفادوا منها، فهذا يعني أن بعضهم كانوا إما مرضى لا تناسبهم بعض أصناف الأطعمة التي منعهم منها، فتحسنوا قليلا بهذه الحمية، أو أنهم كانوا مسرفين في الكمية أو النوعية من الأطعمة؛ كالذين كانوا نباتيين تماما، أو الذين يأكلون كميات كبيرة من الخضروات أكثر من حاجتهم. وأما الذين تركوا الأدوية فقد يكون بعضهم قد شعر بالارتياح من الآثار الجانبية للأدوية، ولكن المرض بقي يفتك في جسده. والعاقبة أن هؤلاء سيتضررون حتما.

والذي يرى بعض فيديوهاته سيرى أنه لم يكن بصحة جيدة أصلا، لا من الناحية البدنية ولا العقلية، وأنه كان يظهر عليه آثار الجفاف وانعدام النضارة، وكذلك النزق الشديد، فكان هو بنفسه خير مثال لفساد نظامه الذي وضعه، والذي أفضى في النهاية إلى موته بجلطة في القلب، من المتوقع أن تحدث عند شخص يدخن بشراهة ولا يشرب الماء إلا قليلا، ويستهلك كميات كبيرة من السكر تتطلب هي أصلا كميات إضافية من الماء لتقوم الكلى بتصريف الفائض من الجلوكوز في الدم، بل إن العطش بحد ذاته يجعل الكبد ينتج المزيد من السكر ويعلم على رفع نسبته في الدم! ولا نقول إلا رحمه الله تعالى وغفر له جهله وإفراطه ونزقه وإضراره لعديد من الناس الذي صدقوه وتابعوه واتبعوا نظامه.

وعندما نصفه بالجهل، فهذا لا يعني جهله المطلق، بل من الواضح أنه على قدر جيد في علم الطب، وكان يقول كلاما صحيحا، ولكنه لا يربطه ربطا حسنا بما يدعيه. فعندما يقول إن الأنسولين هو الذي يسبب الضرر في الجسد وليس ارتفاع السكر، فهذا الكلام ليس صحيحا تماما، فرغم أن الارتفاع الدائم للأنسولين كهرمون يؤثر على هرمونات أخرى، إلا أن السكر يغذي الخلايا السرطانية والبكتيريا والفطريات مما يؤدي إلى تفاقم بعض الأمراض، ويؤدي إلى أضرار في الأوعية الدموية والقلب والكلى والأنسجة وخاصة الأنسجة الدقيقة كالنهايات العصبية والشبكية، ويزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والجلطات الدماغية. وآثاره على مرضى السكري واضحة بينة ومعروفة.

أما قوله بأن الذي ينخفض عنده السكر يعطى السكر وليس الأنسولين، ليثبت أن السكر مفيد والأنسولين ضار، فهذه مفارقة عجيبة أستغرب كيف يطرحها كدليل على صحة نظامه!

وأخيرا، فإن الذي دفعني إلى الكتابة ليس نظرية العوضي التي أراها متهافتة أفضت إلى ضرره هو موته السريع كما رأينا، وإنما معاينتي للظاهرة التي تتكرر في تلقي الناس لهذه الأفكار والتعامل معها. فالناس مستعدون لأن يصدقوا كل من خرج بنظرية جديدة يدعي أنه يستخلصها من الدين، إذا وافقت أهواءهم أو علمهم القليل ببعض الأمور وقياسهم به على المسألة! وليس هذا فقط في مسألة الأطعمة والصحة فحسب، بل بعضهم يعيد النظر في أسس راسخة قويمة ومتينة ويحاول تشكيك الناس بها. والذي ينبغي أن ينتبه إليه كل من يتحمس لشيء من هذا، هو أن هؤلاء الأشخاص يجتهدون، ويصيبون ويخطئون، وكثير منهم خطؤهم أكثر من صوابهم، فلا ينبغي أن يتعاملوا معهم كأنبياء يصدقون كل ما يقولون ويتبعونهم اتباعا أعمى لمجرد أنهم قالوا إنهم استخلصوا ذلك من الدين!

ففيما يتعلق بنظرية العوضي الصحية، ينبغي تذكر المبادئ الإسلامية التي حاولت تلخيصها أعلاه في الطعام والشراب، واللجوء للعلم والدراسات التي أتاحها الله تعالى لتطوير صحة الإنسان، وليس بالاعتماد على استنارة غيبية مزعومة موهومة كما زعم العوضي!

وفيما يتعلق بغير ذلك من شئون الدين أو مما يستخلص منه من نظريات، فلا بد من الحذر من هذه الاجتهادات التي قد أدت إلى كوارث على مستوى الأمة وتاريخها المعاصر، من أناس مجتهدين بآراء تحركها الأهواء، مما أدى إلى نشوء جماعات ومدارس فكرية تقدم الإسلام بصورة مسيئة بل وكارثية أحيانا.

إن الذي ينبغي أن يستمع لكلامه ويتبع هو الذي يكون نبيا حقا، يقدم أدلته أولا أن الله تعالى بعثه وكلفه. فإن لم يستطع أحد ذلك، فعلى الناس أن يأخذوا من كلامه أحسنه ويردوا ما فيه من باطل، وأن يُعملوا عقولهم، ويدركوا أن الله تعالى قد جعل مسارا للعلم لا بد من اتباعه، ومسارا للنبوة والوحي الإلهي يقدِّم إضاءات قد يستفيد منها العلماء، ولا ينبغي لطبيب أن يعين نفسه نبيا، كما أن النبي ليس بالضرورة أن يكون طبيبا. والمشكلة الحقيقية عند العوضي هو أنه قدم نفسه نبيا عمليا بتقديمه أمورا كأنها قطعية، دون تكليف ولا هدي إلهي. بل قد بلغ به غروره أن يدعي صراحة أنه استنار واستمد هذا العلم من الله، وأنه كالمهدي. ولعل أفضل ما قاله، وهو يقيس على نفسه، هو أن المهدي عندما سيأتي لن يطلب اعترافا من شيخ الأزهر! نعم! ولكن ينبغي أن يكون قد صار مهديا أولا معينا ومكلفا ومزودا بالوحي الإلهي.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *