فالنفاق لا يكون إلا إذا كانت هناك مكاسب يطمح لها المنافق، أو كانت هناك سلطة يخشاها. فكيف لمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة مدركا أن حياته في خطر، وصبر على الاضطهاد والخوف، وضحى بكل ما لديه، أن يكون منافقا؟
أما لو قيل إنهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم سينتصر ويطمعون مكاسب في المستقبل- فمع أن هذا منقوض بكونهم قد تخلوا عما في يدهم قبل الهجرة وخاطروا بأرواحهم تحت أقدام النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ممنوعين حتى من الدفاع- فلو قبلنا بهذا جدلا، فهذا لا يعني إلا أنهم مؤمنون! فالمنافق لا يؤمن بالغيب، ولا يعلق طموحاته على المجهول، وحتى في حال القوة فيبقى دائما محتاطا لكي يتنصل لينحاز إلى المنتصر في النهاية:
{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النساء 142)
لذلك نجد أن النفاق بدأ مع نشأة مجتمع المدينة، وكان من المستحيل أن يكون أي من المهاجرين منافقا. ولهذا استحقوا الرتبة الأولى في الصحابة، وكان منهم الخلفاء، والعشرة المبشرين بالجنة.
خطورة هذه الفرضية عند الشيعة لا يقتصر على أنها تصادم العقل فقط وتربك ملكة التفكير السليم وتشوشه، بل تسقط الإنسان في أوهام سوء الظن كذلك، وتفسد حياته، وتجعله يشك في أقرب الناس إليه.


لا يوجد تعليق