يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا

3

البحث في حال الشخص الذي ينقل النبأ، وبخاصة إذا كان متعلقا بأمر ‏خطير كمسألة الكفر والإيمان والعقائد، أمر ضروري ومطلوب ولا ينبغي ‏إغفاله، لأن الصادق الأمين ينبغي أن يُصدَّق ويؤتمن، أما الكاذب الخائن فلا ‏ينبغي أن يكون موضع ثقة، بل يجب ألا يؤخذ منه خبر ولا علم ولا صرف ‏ولا عدل، لأن شخصا مثله من المتوقع أنه سيكذب في أخباره وسيزوِّر.‏

لأجل ذلك جعل الله تعالى صدق وأمانة النبي وكونها مشهودةً معلومةً دليلا ‏من أهم دلائل صدقه، لأن الصادق الأمين من المتوقع أن ينقل لنا أنباء ‏الغيب بأمانة، ويكون تصديقنا له وإحسان الظن به جزءا من إيماننا أيضا ‏الذي نثاب عليه حينئذ.‏

ومن أجل ذلك أيضا نهانا الله أن نأخذ الأخبار من فاسقين ثبت كذبهم ‏وخيانتهم، لأنه من المتوقع أن يكذبوا ويزوروا ويخونوا، إذ يقول تعالى:‏

‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ‏فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات 7)‏

ومن أجل ذلك، وبناء على هذا المبدأ القرآني الراسخ، لجأ المسلمون إلى علم ‏الجرح والتعديل وطبقات الرجال، وبحثوا في شئون وأحوال رواة الأحاديث، ‏واعتبروا ثبوت عدالتهم وصدقهم مبررا لقبول رواياتهم، أما من ثبت كذبه أو ‏خيانته فقد اعتبروه مجروحا مردودا، وشخص كهذا رفضوا روايته وعلمه ‏وحكمه.‏

وعندما خرج علينا بعض المرتدين، وقدموا شبهات واهية، وقلنا بأن هؤلاء قد ‏ثبتت خيانتهم وكذبهم، وقدَّمنا بعض الأدلة على ذلك، رفعوا عقيرتهم هم ‏وبعض معاونيهم وممالئيهم من المرتدين والمنافقين، وقالوا بأن هذه “شخصنة”، ‏وينبغي النظر فقط فيما يقدمون، وعدم التطرق لأحوالهم هم! علما أننا لم ‏نتطرق إلى تفاصيل أحوالهم الشخصية فعليا، بل بينَّا حالهم مع الجماعة، ‏وكيف أن هذا المرتد الأخير مثلا –وفقا لتوصيفه لحالته- قد قسم فترة ‏انضمامه للجماعة إلى قسمين؛ الأول كان فيه ساذجا جاهلا ومع ذلك آمن ‏بالمسيح الموعود مبعوثا من الله ونبيا وبايعه قبل أن يتبين له صدقه حسب ‏تعبيره، والثاني أنه كان منافقا لا يؤمن بحضرته عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ‏بقي في الجماعة إلى أن طُرد من عمله فيها طردا! وبينَّا بأن هذا الشخص قد ‏ارتكب الخيانة إذ كان يُظهر أنه أحمدي مخلص من ناحية، ومن ناحية أخرى ‏يتراسل مع من يثق بهم ويبث كفره بالمسيح الموعود ومعاداته للجماعة لهم، ‏وليس هذا سوى النفاق الصارخ. فهل يُرجى من شخص كهذا الأمانة ‏والصدق؟ وهل يؤخذ من شخص كهذا علم؟ فهذا الشخص قد ثبت نفاقه ‏وأنه لم يقدِّم الصدق والحقيقة على مصالحه الشخصية، ووفقا لتوصيفه لنفسه ‏أيضا قد حكم على نفسه أنه لا يوثق بعقله ولا بإيمانه؛ لأن قد استسهل ‏الإيمان في البداية قبل أن يعقل ويطلع على الأدلة وصدَّق مدعيا كاذبا للنبوة ‏‏– حسب زعمه- وانضم إلى جماعته ولم يخش الله تعالى، ثم بعد ذلك لم ‏يصحح خطأه فورا عند اكتشاف كذبه المزعوم، بل استمر في النفاق لثمان ‏سنوات متكسِّبا حتى استقرت أحواله وأوضاعه وحصل على الجنسية والمعونة ‏وغيرها، فباع دينه بمتاع الدنيا. لو كان صادقا لكان من الواجب أن يخرج فورا ‏من الجماعة عندما تبين له كذبها، ولما بالى بأي خسارة مادية، لو كان ‏بالفعل لا يهمه سوى الصدق والشهادة به، كما يزعم!‏

والواقع إننا رغم تذكيرنا بأنه مجروح كذوب لا ينبغي أن يُصدَّق، فإننا لم نكتف ‏بهذا الدليل، بل لاحقنا أكثر ما قدَّمه من شبهات إلى فترة من الزمن ورددنا ‏عليها تفصيلا، وبينَّا كيف ارتكب الخيانة والكذب والتزوير في شبهاته، وكيف ‏أن شبهاته كلها كانت مبنية إما على تحريف وتزييف أدناه اقتطاع نصوص من ‏سياقها النصي والزماني، أو على تفاصيل وأمور غير جوهرية لكي يدخل ‏الناس في دوامة يصبح من المتعذر عليهم تلمُّس الصحيح من الخاطئ منها، ‏وأن من أهدافه أن تستمر هذه السلسلة من الأراجيف والأكاذيب إلى ما لا ‏نهاية لأنها سلاحه الوحيد. فبعد هذا كله، قد أصبح واضحا من هو وماذا ‏يريد، وبذلك سقطت قضيته كلها، وأصبح الآن مصنَّفا حيث اختار لنفسه ‏في زمرة المكذبين محترفي الكذب والتزوير من أعداء الجماعة الذين كانوا منذ ‏اليوم الأول وسيستمرون إلى يوم القيامة، ولكنهم لن يضروا الجماعة شيئا، بل ‏سيكونون سببا في قوتها وفي نفض المنافقين عنها لتبقى شجرة خضراء يانعة ‏بعد إزالة الأغصان اليابسة والمتعفنة عنها.‏

والواقع أن هؤلاء المرتدين، الذين يتباكون قائلين أننا نشخصن، وهذا المرتد ‏بعينه، هم بأنفسهم لا عمل لهم سوى الهجوم الشخصي على المسيح الموعود ‏عليه الصلاة والسلام بأكاذيبهم، وغايتهم الوحيدة هي أن يثبتوا كذبه متتبعين ‏كل صغيرة وكبيرة في حياته، وعندما يجدون قضية أو حادثة أو قولا متشابها ‏ليس من الصعب فهم ملابساته فهم يحرِّفونه ويقدمونه دليلا على كذب ‏حضرته أو خيانته أو تزويره المزعوم، ويقولون بأنه إذا ثبت هذا الكذب فلا ‏حاجة للنظر في شيء آخر. فلماذا يرضون أن يسلكوا ما يسمونه ‏‏”الشخصنة” في شبهاتهم وهجومهم على الجماعة وعندما نبين أحوالهم هم ‏بالأدلة والبراهين المشهودة يعتبرون أن هذا “شخصنة” ويريدوننا أن نعرض عن ‏هذا الأمر جملة وتفصيلا؟!‏

ومع ذلك، فإننا عندما نبين كذبهم وخيانتهم، فإننا لا نعاملهم بنفس الطريقة ‏التي يهاجمون بها المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والجماعة، ولا نتتبع ‏أحوالهم الشخصية ولا نبحث في أصلهم وفصلهم وأحوال آبائهم وأمهاتهم ‏وعائلاتهم، بل نُعرض عن كل ما ليس له علاقة مباشرة بصدقهم وأمانتهم أو ‏مستواهم العلمي وفهمهم.‏

ثم إن الصادق الأمين صاحب السيرة الطيبة لا يجد غضاضة في البحث في ‏أحواله الشخصية، بل يدعو إلى البحث فيها، لذلك نرى أن الله تعالى يأمر ‏النبي صلى الله عليه وسلم ليقول:‏

‏{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (يونس 17)‏

وهذا كان حال الأنبياء دوما كما هو معلوم، إذ كانت نصاعة أحوالهم ‏الشخصية مدعاة لفخرهم واعتزازهم.‏

والحقيقة أن إثارة مسألة “الشخصنة” هذه هي تكتيك مكشوف للمرتدين ‏والمنافقين، فهؤلاء كما بينت سابقا هم من يطبقون هذا المبدأ ويريدون ‏تكذيب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بناء عليه، ولو كانوا صادقين في ‏رفضهم للشخصنة المزعومة لنظروا فقط فيما يقدِّم حضرته من أمور عظيمة ‏ولما لجأوا إلى شبهات وأكاذيب فرعية جدا ليثبتوا بها كذبه، والعياذ بالله. فهم ‏يكيلون بمكيالين، ولا يريدون أن يطبق مكيالهم الذي يكيلون به عليهم.‏

هم للأسف احترفوا الكذب والتزوير والدجل، إذ يدعي آخرهم هذا مثلا أنه ‏يريد نشر الحب وكلامه يقطر بغضا وحقدا على المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام والجماعة! وواضح أنه يريد الهجوم وإيذاء مشاعر الأحمديين ثم يقول ‏إنه يريد مواساتهم لأنه يحبهم! ويقول انشروا التراحم والحب ولا تشتموا ولا ‏تسبوا، وهو يشتم بنفسه – مع بعض الحذلقة بترك بعض المصطلحات ‏واستخدام أخرى- ويجمع حوله زمرة من الشتامين والسبابين الذي ‏يستخدمون أقذع الألفاظ والأقوال، وهو يراهم ولا يحرِّك ساكنا! ‏

هذا الذي يدعو إلى الحب والتراحم يعلن أن الجماعة هي أسوأ جماعة في ‏العالم، وأنها تدعو إلى الكراهية، ويحرِّض ضدها مدعيا أنها تسيء إلى الله ‏والرسول والقرآن الكريم والصحابة، ويدعي أنها أسوأ وأفشل جماعة في العالم، ‏وكلامه ينضح بالتوتر والتحامل والبغض الذي يفوق التصوُّر والذي لا مبرر ‏له. أليس هذا الدجل المفضوح بالادعاء أنه يريد المحبة والتراحم من ناحية ‏ويفيض كلامه بالبغض والكراهية من ناحية أخرى، أليس هذا دليلا إضافيا ‏على كذبه وتزويره وتزييفه؟ لماذا يصرِّح ببغضه ويحاول أن يغطيه بادعائه أن ‏هذا البغض حب خالص؟

على كل حال، إن قضية هذا المرتد قد طويت بعد اتضاحها، وقد اتضح ‏فسقه للمؤمنين ورُدَّ كلامه وشهاداته الزائفة، وهو الآن في صف زمرة أعداء ‏الجماعة ومعارضيها، ولن يفلح في إشغال الجماعة بأمره، لأن فقاعته ‏انفجرت ولا يهتم به الآن سوى زمرة الحاقدين من أعداء الجماعة الذين لا ‏يجمعهم سوى بغض الجماعة، هؤلاء الذين كانوا ولا زالوا وسيستمرون في ‏أفعالهم الإجرامية التي سترتد عليهم ولن تضرَّ الجماعة شيئا، بل ستكون سببا ‏لمزيد من قوتها وازدهارها، كما يقول تعالى:‏

‏{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } ‏‏(الفرقان 32)‏

وقوله تعالى:‏

‏{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى ‏بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } ‏‏(الأَنعام 113)‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *