الاستلاب التاريخي: نحو سردية عربية لرفض أسطورة السامية المتصهينة وتزييف الهوية

1

كجزء من الحرب الاستشراقية الدجالية على الإسلام، بُذل جهد كبير لتزييف التاريخ، ولإنكار العرب كأمة لها وجود وكيان من قبل الإسلام يمتد وينتشر في أرجاء واسعة من آسيا وأفريقيا بل وفي جزر البحر المتوسط وجنوب أوروبا، ولها لغتها الراسخة القوية القديمة بقدم التاريخ، والتي هي أقدم اللغات في العالم، وهي الوحيدة الحية التي نعلم علم اليقين بأنه لم يطرأ عليها أي تغيير منذ أكثر من 1500 عام على الأقل، وعملوا على محاولة صياغة تاريخ المنطقة كلها بأسلوب يحاول إقحام اليهود وكأنهم أمة منفصلة لها لغتها وكيانها، بل لهم لغتهم التي هي الأقدم من العربية، وهي والعربية تشتركان في الأصل فقط، وهو ما سموه بالأصل السامي! بل والأدهى والأمر هو أنهم قد اختاروا التسمية من التوراة وخرافاتها التاريخية والديمغرافية.

فبدلا من الإقرار بأن المنطقة هذه منطقة عربية، لها مركز وقلب هو مكة المكرمة التي هي “أم القرى” وأن ما حولها من الأقاليم في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا واليمن وشرق أفريقيا أيضا إنما كانت عربية اللغة والثقافة، وأن المصدر النقي للغة والثقافة هو في ذلك القلب، بينما على الأطراف فلا بد أن يكون قد حدث بعض التغيير الطفيف نتيجة للاحتكاك بالأمم الأخرى، وهذا أدى إلى نشوء لهجات ليست بعيدة عن الأصل ويمكن فهمها من قبل الجميع، بدلا من هذا كله، ادعوا بأن العرب لم يكونوا إلا في الجزيرة العربية، وأن لغتهم قد تطورت من أصل مشترك مع اللهجات في الأقاليم المختلفة، سموه بالأصل السامي، وسموا هذه اللهجات لغاتٍ منفصلة، بل ادعوا أن العربية حديثة التكوين والنشأة عن تلك اللهجات ومتأخرة عنها!

ومعلوم أن أول من أطلق مصطلح “اللغات السامية” كان القس اللاهوتي البروتستانتي الألماني “أغسطس لودفيج فون شلوتزر” عام 1791، مستلهما هذه التسمية من التوراة من اسم ابن نوح الأكبر، الذي تدعي التوراة بأنه جد الشعوب المنتشرة في هذه المنطقة. واختيار هذا الاسم ليس بريئا مطلقا، وإنما كان في خدمة المشروع الصهيوني الموغل في القدم في الفكر البروتستانتي خاصة، حتى قبل تبلوره واكتسابه لتسميته. فالبروتستانتية في الأصل هي حركة كان هدفها إعادة تسخير المسيحية البولسية لمصلحة اليهود، بعد أن بدأت سيطرتهم عليها تتضاءل بسبب قوة مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية وتركيزها على مصالحها وشخصيتها الخاصة، بل قد تولَّدت كراهية لليهود بناء على أسس دينية بصفتهم من صلب المسيح وبسبب أنهم يكذبونه ولا يؤمنون به، فأعادت البروتستانتية مكانة التوراة والعهد القديم، وأعادت ارتباط المسيحية باليهود، وتطورت هذه العلاقة حتى صياغة المسيحية الصهيونية وإفرازاتها الجنونية المتطرفة الأخيرة التي نراها في أمريكا بشكل خاص. وقد عُرف الباحثون الألمان بأنهم كانوا مولعين بتسمية الأمم والشعوب بل والإمبراطوريات تسميات لم يسمع بها هم بأنفسهم من قبل، وهذا لخدمة غرض معين؛ ومن أشهر ذلك تسميتهم للإمبراطورية الرومانية الشرقية بالإمبراطورية البيزنطية، على يد المؤرخ الألماني هيرونيموس ولف عام 1557 أي بعد ما يقارب القرنين من سقوطها، حيث لم يعرف البيزنطيون المزعومون بأنفسهم هذا الاسم، وكانوا يعرفون أنفسهم على أنهم “روم”، وكل ما حدث هو أن مركز الإمبراطورية قد أصبح في مكان آخر، بسبب فقدانهم لأراض واسعة في أوروبا، ليس أكثر.

وعودة إلى تسمية “السامية” -التي هي تسمية لم تعرفها هذه الشعوب التي أطلقوا هذا الاسم عليها مطلقا، بل لم يعرِّف اليهود أنفسهم بأنفسهم بأنهم ساميون قبل هذا التاريخ- فإن اختيارها يرجع إلى كون أن هناك جزءا من الأمة العربية في الشمال كانوا يدعون أنفسهم “بني كنعان”، كانوا أصحاب حضارة قوية عريقة، في بلاد الشام، وبخاصة في الجزء الغربي منها، وكنعان حسب التوراة هو ابن حام بن نوح، بل وهو ملعون من قبل جده؛ وهذا لأن حام رأى عورة أبيه الذي سكر وتعرى في خيمته، فبدلا من أن يغضب عليه والده، لعن ابنه كنعان، وقال إنه سيكون عبد العبيد لإخوته! وهذه القصة هي من القصص الكثيرة في التوراة التي تهدف إلى الإساءة إلى الأمم والشعوب في المنطقة بهدف تبرير عداوتهم لهم، ولا علاقة لها بأصلهم؛ وهنا نستذكر قصة “مؤاب” و “عمون” الذين تقول التوراة أنهما ولدا من زنا لوط بابنتيه بعد فرارهم من سدوم وعمورة! وهذا للإساءة إلى المؤابيين والعمونيين الذين كانوا في عداوة مع بني إسرائيل.

وعلى كل حال، ليس مؤكدا أن بني كنعان كانوا يسمون أنفسهم بهذا الاسم لأنهم ينحدرون من كنعان ابن نوح، ولكنهم كانوا عربا أصحاب حضارة امتدت من بلاد الشام إلى شمال أفريقيا والجزر في المتوسط وجنوب أوروبا أيضا، ووجدت النقوش الكنعانية في مناطق في إيطاليا بل وفي جزيرة سردينيا التي وجد فيها حجر نورا في مدينة “نورا” الأثرية التي مازالت تحمل هذه الاسم العربي، والتي أسسها الكنعانيون الذي يتضمن نقشا بكلمات عربية تاريخه في القرن الثامن قبل الميلاد يمكن أن يفهم معظمها اليوم. فمحاولة إخراج الكنعانيين من العرب، وجعل عرب الجزيرة الذي يتكلمون العربية ساميين، ويشتركون مع اليهود في الأصل، كان هدفه إنكار التاريخ المتحضر للعرب الذي يمتد على رقعة كبيرة من العالم، وتعيين اليهود الذين هم ليسوا أكثر من قبيلة عربية آبقة بسبب تمسكهم بديانتهم المتطرفة إلى قوم وشعب خاص، بل أقدم من العرب، بل ولهم لغة خاصة هي أقدم من العربية ذاتها!

والواقع أن الحضارة العربية موغلة في القدم، وقد ذكرها القرآن الكريم بتسميتها بعاد وثمود، حيث تمثل عاد الحضارات الأقدم، أما ثمود فهي الأقرب زمنيا والتي سميت أيضا بعاد الثانية؛ أي أنهم ذرية من بقوا من عاد الأولى. وكان القرآن يخاطب العرب ويذكرهم بهذا التاريخ الذي يبدو واضحا من الخطاب أنهم يعرفونه جيدا، ويحذرهم من أن يقعوا في ذات المصير. وهذه شهادة تاريخية محضة على حقيقة هذه الأقوام، وإلا لو لم يكن العرب يعرفون عادا وثمود، لأنكروا ذلك.

وكما قلنا، فإن السردية التي يريدون فيها إقحام اليهود كأمة منفصلة، تتضمن أيضا أن العرب قد خرجوا من الجزيرة العربية بعد الإسلام، وعربوا أقاليم لم تكن عربية! بل وأن العربية قد أخذت كلمات من هذه اللهجات التي سموها لغاتٍ وحولتها إلى العربية، وأخذوا يقولون بأن أصل هذه الكلمة في الأرامية كذا وفي السريانية كذا، ودعواهم تقوم على أن هذه اللغات المفترضة هي الأقدم. مع أن الواقع هو أنه بالإسلام قد نشأت دولة مركزية للعرب، لم تسترد إلا جزءا فقط من الأرض العربية الكنعانية التي قد فقد معظمها في أوروبا خاصة بأثر الإمبراطورية الرومانية التي حكمتها لفترة طويلة من الزمن، وتم وصل هذه الشعوب مجددا بعاصمتهم الثقافية والدينية وهي مكة، وتخلصت الشعوب العربية بالتدريج من لهجاتها التي تولدت فيها كلمات نتيجة لابتعادها عن المركز واحتكاكها بشعوب أخرى، وأصبحت تستخدم اللغة العربية القياسية مجددا، فتشابه كلمة من هذه اللغات المفترضة مع العربية يعني أنها قد تحرفت عن أصلها لا أن العربية قد أخذتها منها. ولدينا اليوم نموذج من هذا، فهناك لهجات متعددة في العالم العربي، نشأت بسبب قلة الاحتكاك بين العرب لفترات طويلة في العصر العثماني، وصعوبة التواصل حينها على كل حال، ومع أن اللهجات مفهومة إلى حد كبير بين العرب، إلا أن أحدا يمكن أن يصفها بأنها لغات منفصلة على الطريقة نفسها، بل قد رأينا بعض الصهاينة وأعوانهم من يقول هذا بالفعل! ولكننا نشهد أيضا، بفعل التواصل بين الشعوب، أن أصحاب اللهجات التي تتضمن كلمات بعيدة عن العربية القياسية تجدهم في كلامهم مع العرب الآخرين يستبدلون مفرداتهم المحلية بمفردات من اللغة الفصحى، مما أنشأ ما تسمى باللهجة البيضاء العربية أو ما تسمى بلهجة المثقف العربي. أما الأمور الرسمية فإنها تدار في البلاد العربية باللغة العربية الفصحى، والتي بلغت الوقاحة أيضا ببعض الصهاينة اليوم إلى القول بأنها لغة ميتة لأنها لا يتكلم بها أحد! بدعوى أن الناس يتكلمون بلهجات متعددة.

وعلى كل حال، فهناك شواهد عديدة تؤكد هذه الحقيقة، من ضمنها أن اليهود في الجزيرة العربية كانوا يتكلمون العربية ويتسمون بأسماء عربية، ولا يختلفون عن غيرهم من العرب حولهم. وهنا نستذكر أيضا، بخصوص المسيحيين العرب، فقد كانوا حتى في الجزيرة العربية، وكان هناك قبائل كاملة تدين بالمسيحية كقبيلة تغلب، وكانت هناك كثير الشخصيات والشعراء العرب التي ربما لا يعرف العرب إلى اليوم أنهم كانوا يدينون بالمسيحية. وفي بلاد الشام والعراق، بقدوم الإسلام، رجع العرب المسيحيون إلى عروبتهم، وتخلصوا من الحكم الروماني والفارسي الذي حاول طمس هويتهم وقطع صلتهم مع أمتهم وثقافتهم. أما السردية التي ظهرت أيضا، والتي يقدمها بعض المسيحيين العرب من القول بأنهم ليسوا عربا وأنهم أصحاب الأرض لأن المسيحية قد سبقت الإسلام، فهي سردية لا تختلف عن السردية الصهيونية الاستشراقية، ومرجعها ليس سوى التعصب الديني. فهم يشتركون مع إخوانهم العرب المسلمين في العروبة، حيث إن من العرب المسيحيين من أسلم في صدر الإسلام ومنهم من أسلم متأخرا بعد ما لا يقل عن ثلاثة قرون، وهؤلاء كانوا الغالبية، خاصة بعد أن رأوا إخوانهم في الدين من المسيحيين الصليبيين وإجرامهم، وهم ليسوا طارئين بسبب أنهم مسلمون، والمسيحيون هم أصحاب البلاد! فإسلام العرب لا يفقدهم أصالتهم فيها، بل يعززها، وبقاؤهم على المسيحية لا يجعلهم وحدهم أهل البلاد الأصليين.

والحقيقة أن افتراض أن العربية قد تولدت من لغة سامية أمٍّ إلى جانب أختها العبرية وغيرها هي فرضية بينة البطلان، وهذا لأن قلب الجزيرة العربية بقي نقيا من التأثر بأي قوم، واللغة العربية غزيرة للغاية بحيث تحتوي مفردات تزيد على اثني عشر مليون مفردة، بينما لا تزيد مفردات الإنجليزية التي أكثر اللغات اتساعا بعدها اليوم عن ستمئة ألف مفردة، فكيف بالعبرية التي هي اليوم مصنوعة ومستحدثة ومستحياة بعد أن ماتت تماما أكثر من 500 عام، وقليلة الصلة بالعبرية القديمة المزعومة، التي لم تكن سوى لهجة لهذه القبيلة، نقلوا فيها تقاليدهم وصلواتهم. فمن الطبيعي أن تكون العبرية منحرفة عن أصلها العربي، ولكن من غير الطبيعي أن تشترك مع العبرية في الأصل، لا بل أن تكون قد تولدت بعدها! وعلى كل حال، فهؤلاء الباحثون يدركون ذلك، ولكنهم يرتكبون هذه الجرائم العلمية عن سبق إصرار وترصد.

من الضروري بالنسبة للعرب، أن يكتبوا سرديتهم حول اللغة، وألا يقبلوا أن يكرروا هذه الخرافات المغرضة التي لا علاقة لها بالعلم، ويتقبلوها وكأنها حقيقة. فلا حقيقة لشيء اسمه الساميون ولا الحاميون، ولا ينبغي قبول اسم إذا لم يكن القوم بأنفسهم قد سموا أنفسهم به قد سماهم غيرهم به سابقا أو لاحقا. ونحن لسنا ساميين، واليهود الذين هم من نسل يعقوب ليسوا ساميين ولم يعرفوا هذه التسمية إلا مؤخرا. أما اليهود الأشكناز فلا علاقة لهم ببني إسرائيل ولا بالمنطقة، وهم مجموعة من المتهودين الذين كان معظمهم من غجر شرق أوروبا، كما يؤكد بعض الباحثين اليهود بل وحتى الإسرائيليين. فلا ينبغي أن نستهلك هذه الخرافات ونستوردها، بل نحن الأجدر بأن نعرَّف أنفسنا وتاريخنا، وأن ندافع عنه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *