“أما الظن بأن الرفع حيًا إلى السماء مذكور في القرآن، فهو أيضا فهم خاطئ، لأن القرآن الكريم لم يذكر رفعا إلى السماء حيًا، بل ذكر رفع الروح الذي يكون بعد الموت لأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، حيث يحظون بمراتب رفيعة وفقا لدرجاتهم، لذلك قال تعالى:

1

{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران 56)،

وذكَر الرفعَ بعد الوفاة تأكيدا على أنه سيحدث ترتيبا بعدها. والعلة في وعد الله للمسيح بأن ترفع روحه هو أن اليهود كانوا يريدون قتله على الصليب ليكون ملعونا وفقا لعقيدتهم؛ حيث ورد في التوراة:

{وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ * فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ.} (اَلتَّثْنِيَة 21 : 22-23)،

فوعد اللهُ المسيحَ عليه السلام بأنهم لن ينجحوا في قتله على الصليب لكي لا يكون ملعونا وفق عقيدتهم، بل سيحظى بالرفع والإكرام عند الله، والذي هو عكس اللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد من رحمة الله تعالى والإبعاد منه. أما اليهود والنصارى فقد شُبِّه لهم أنه قد قُتل على الصليب، وبهذا أثبت اليهود عليه اللعنة، وأقرهم عليها النصارى للأسف؛ حيث اعتقدوا أنه قد مات ملعونا، وامتص كل اللعنات التي يستحقها المجرمون في الماضي وفي المستقبل، بل صار لعنة متجسدة كما يقول بولس:

{اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».} (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)

– والعياذ بالله- ليكون فداءً للبشرية! فجاء القرآن الكريم ليبطل عقيدة اللعنة عند اليهود والنصارى بطريقين؛ الأول أن الله تعالى قد مكر مكرًا ليبطل حيلة اليهود بلعنه ووعد المسيح بالنجاة من القتل على الصليب ثم بالوفاة وفاة طبيعية فيما بعد بحيث يتبع هذه الوفاة رفع روحه وإكرامه، كما في قوله تعالى:

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (آل عمران 55-56)،

والثاني أن وعد الله تعالى بنجاته من الصليب قد تحقق، وأنهم ظنوا أنهم قد قتلوه على الصليب ولكن هذا لم يحدث وفقا لإعلان القرآن:

{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء 158)،

لذا فقد انهارت عقيدة اللعنة عند اليهود الذين أخزاهم الله بنجاته، وانهارت العقيدة المسيحية المحرفة القائمة على الفداء المرتبط باللعنة المرتبطة بموته على الصليب بإعلان القرآن الكريم. ولكن كان مقدرا أن تتبين تفاصيل نجاته من الموت على الصليب وتقدَّم الأدلة التي تثبت صدق الإعلان القرآني بنجاته فيما بعد عندما يستعلي الصليب، فيخرج نائب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المسيح الموعود فيكسر الصليب بتقديم هذه الأدلة من كتبهم ومن مراجع تاريخية وعلمية.

إن الإعلان القرآني قد جعل عقيدة نجاة المسيح من الموت على الصليب عقيدة إسلامية راسخة لا يمكن أن يقول بخلافها مسلم. ولكن تأثرا بعقيدة النزول، وبمعتقدات النصارى أيضا، دخلت عند البعض عقيدة أنه قد وقع شبهه على شخص آخر، وهو الذي صلب، أما المسيح فقد رفع إلى السماء. وهذه العقيدة ليس لها سند في القرآن أو الحديث مطلقا، ويكفي لإثبات أنها دخيلة من عقائد النصارى أن مرجعها الوحيد هو رواية ابن اسحاق التي رواها ابن كثير والتي جاء في أولها: “حدثني رجل كان نصرانيا فأسلم!!!”.

(الحاشية 20 من كتابي “النشاة الثانية للإسلام” ص 49)

رابط الكتاب كاملا

https://www.islamahmadiyya.net/Userfiles/File/pdf/Second_Advent_of_Islam.pdf

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *