دعوى الحب للآخرين التي ترد بصورة هامشية، وتجد أثرًا ضئيلًا لها في العهد القديم، وتجدها بصورة أكبر نسبيًا في العهد الجديد، والتي يتفاخر بها اليهود والمسيحيون ظانين أنها ليست موجودة في الإسلام، هي عبارة عن دعوى غير واقعية، وليست متجذرة في تعاليمهم وبخاصة التعاليم اليهودية القائمة على العنصرية المحضة. والأهم أنها لم تترك أثرها في تاريخ وسلوك كل من اليهود والمسيحيين عبر التاريخ، بل نجد أن الكراهية للآخرين كانت الطابع لسلوكهم للأسف على مر العصور؛ وهذا أكبر دليل على أنها ليست سوى شعارات مجردة عجزت عن تقويم ضمائرهم أو توجيه سلوكهم.
أما في الإسلام، فكعادته، قدَّم تعاليم منطقية تتوافق مع الطبيعة الإنسانية. فالحب هو شعور فطري لا يتولد إلا إذا كنت معجبًا بمزايا أحد أي بحسنه، ويزداد إذا أحسن إليك؛ أي بالإحسان. فإذا كان المخالف لا يحمل أي صفات تثير الإعجاب، وكان يظلمك ولا يحسن إليك، فكيف يمكن أن يتولد الحب في قلبك؟
الإسلام يقول، إنه سواء أحببت الغريب أم لم تحبه، وسواء أعجبتك مزاياه أم لم تعجبك، وسواء أساء إليك أو أحسن إليك، فواجبك هو الرحمة التي هي صفة الله تعالى الأساسية، والتي تعني أن تتعاطف معه وتشفق عليه وتعطيه حقوقه بل وتحسن إليه، بل أن تتقدم في الإحسان إليه ليصبح إحسانك إليه فطريًا كإحسان الأم لولدها. وهذه الحالة في الواقع هي حالة حب، ولكنها حبك للخالق الذي خلق هؤلاء البشر، والذي يريد منا أن نتصرف هكذا وفقًا لصفاته هو القائمة على الإحسان على خلقه جميعًا، والذي رغم أنه لا يحب الكفر والكافرين ولا الظلم ولا الظالمين، يزودهم بكل شيء من باب الرحمة. وغياب هذا الحب من الله تعالى للكافرين والظالمين ليس كراهية شخصية لذواتهم، بل لأعمالهم، فإن انتهوا عنها دخلوا في مرتبة متقدمة من الرحمة وهي الرحيمية التي تكرمهم إذا تخلوا عن الظلم وقاموا بالعدل والإحسان، وهكذا ينبغي أن يكون موقفنا تجاههم أيضًا.
والحقيقة هي أن حب الله تعالى هو الغاية العظمى النهائية للإسلام التي تجعل المؤمنين أشد حبا لله{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } (البقرة 166) —والتي تتولد فينا بمعرفته ومعرفة صفاته وتقدير إحسانه— وهو الغاية الحقيقية من خلق الإنسان، وهذا الحب الإلهي هو الذي سيؤدي إلى انتشار العدل والإحسان والأمن والسلام في العالم، بإطاعة الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان بل والترقي في الإحسان إلى إيتاء ذي القربى؛ أي إيتاء الناس إيتاء فطريا كما نؤتي ذوي القربى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} (النحل 91). وهذا ما ثبت عندما انتشر الإسلام وقام المسلمون بمعاملة كل من كان تحت سلطتهم بالعدل والإحسان والإكرام، مما ترك نموذجًا مذهلًا في التاريخ لا يمكن إنكاره، وقدموا للعالم قيم الرحمة ومعاملة العدو بالإحسان، ثم العفو عنه وإكرامه فيما لو انتهى عن ظلمه وعدوانه. وتاريخ اليهود خاصة تحت الحكم الإسلامي أكبر شاهد لهم خاصة، في أن عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة ومكايدهم ومؤامراتهم، لم تمنع المسلمين من العدل والإحسان لهم، بل وإكرامهم، كما يشهد التاريخ شهادة قاطعة.
فأيهما هو الصحيح والأنسب للفطرة والذي ترك ويترك أثرًا على السلوك: مجرد الدعوة إلى حب الغير أو العدو أو المخالف ثم عدم تطبيقها على أرض الواقع وارتكاب المظالم بحقه؟ أم الدعوة إلى رحمته والإشفاق عليه والإحسان له إحسان الأم لأولادها سواء أحببته أم لم تحبه؟ فأنت قطعًا لن تحب سوء تصرفه وعنصريته وإجرامه.
إن تفوق الرؤية الإسلامية يكمن في أنها لم تطالب الإنسان بمستحيلٍ عاطفي، بل ألزمته بواجبٍ سلوكي (الرحمة والعدل)، محوّلةً العاطفة الإنسانية من شعور عاجز تجاه العدو، إلى عبادة واعية تجاه الخالق.


لا يوجد تعليق