مجرد الإقرار بأن الله واحد، وأنه لا آلهة غيره، ليس بشيء، فهذه الحقيقة يعلمها الشيطان، وهي لا تقدم ولا تؤخر.

فالتوحيد هو أن يدرك المرء بأن الله تعالى الواحد يتصف بصفات الألوهية الكاملة؛ فهو خالق البشر جميعا وربهم جميعا في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء أي الذي يرقي المخلوقات ويربيها من الحالة الدنيا إلى الحالة القصوى، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ولا يخرج شيء عن سلطانه، وهو الصمد الذي يحتاجه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، ولذلك فإنه عندما يتوجه إليه يكون مطمئنا تماما من أنه قادر على نصرته وإجابة دعائه، ولا يحول بينه وبين ذلك سوى تقديره ومشيئته وليس عجزه.

هذا الاعتقاد ينبغي أن يفضي إلى أن وحدانية الله تعالى تقتضي أنه سيكون المرجع الوحيد للمخلوقات، والذي يجب التوجه إليه والتوكل عليه والعمل وفقا لمشيئته وإرادته. وهذه الوحدانية تفرض أن البشر جميعا يجب أن يروا أنفسهم إخوة في المخلوقية من إله واحد، خلقهم ليعيشوا في عالم واحد، ليتقاسموا فيه ما وهبهم الله تعالى لهم. ولا يمكن أن يفضل هذا الإله بشرا على آخرين، أو أن يطالب بهضم حقوق فئة من البشر على حساب أخرى. وهذه الوحدانية تقتضي أن الموحِّد لله حتما سيسعى إلى توحيد خلقه وعدم بث روح التفرقة والخلاف والنزاع بينهم؛ فالله تعالى الذي خلقهم جميعا ليعيشوا على هذه الأرض إنما قدَّر أنهم إخوة وشركاء يجب أن يعيشوا بروح الوحدة والانسجام والتفاهم والتعاون على البر والتقوى.

إن الموحد الحقيقي لا يمكن أن يكون سببا لفتنة أو اضطراب في مجتمعه، كما لا يمكن أن يدعو إلى أي عصبية سواء كانت عرقية أو طائفية أو فئوية. وبالطبع فإن الذي يتوجه إلى غير الله ويترك التوكل عليه، ويستقوي بأعداء أمته طالبا نصرتهم، وخاصة بدعوى أنه مضطهد في دينه أو بسبب طائفته وإيمانه، فهذا لا يعرف عن التوحيد شيئا؛ فالموحد الحقيقي لا يتوكل إلا على الله تعالى ولا يطلب النصرة إلا منه.

أما أن يصبح التوحيد بحد ذاته مادة جدلية للفرقة والخلاف والتفسيق والتكفير وتمزيق الأمة، كما يحدث بين السلفية والأشاعرة في الإسلام، أو أن يقال بأن التوحيد يقتضي أن نعبِّد الخلق لله تعالى بالقوة كما يدعي السلفية في دعواهم بتوحيد الألوهية الذي من أجله قد سُلَّ السيف! فهذا انحراف خطير آخر لطالما دفعت الأمة ثمنه دماء غزيرة، كما قد نال من سمعة هذا الدين الحنيف من خلال أفكار هؤلاء. فالتوحيد على صعيد الإسلام إنما يقتضي أن يرى المسلمون أنفسهم بجميع فرقهم وطوائفهم أمة واحدة، وأن يعذر بعضهم بعضا في الخلاف الفكري والعقدي، وأن يجتمعوا على ما فيه خيرهم الذي ينبغي ألا يكون على حساب غيرهم أيضا، أي أن يجتمعوا على البر والتقوى والإحسان لخلق الله.

فأين هم الموحدون اليوم؟

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *