قصص من حياتي: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟

1

في عام 1990، عندما كنت أدرس في جامعة حلب في سوريا، حدثت فتنة تجاه الجماعة الإسلامية الأحمدية بتحريض من جهات داخلية وخارجية، وقامت أجهزة الأمن بحملة اعتقال للأحمديين وتعذيبهم وتهديد بعضهم، وقد ابتدأت هذه الأحداث في دمشق أولا، إلى أن جاء يوم دق فيه باب بيتي، فإذا به أحد عناصر المخابرات السورية، من فرع الأمن العسكري في الجامعة، وقال لي إن الضابط المسئول عن الأمن العسكري يطلبني لمقابلته في اليوم التالي.

كنت حينها في السنة الثالثة في الجامعة، وكان من عادة الطلاب العرب غير السوريين أن يحصلوا على كشف علامات في كل فصل ليضمنوا استمرار دراستهم في مكان آخر فيما لو حدث شيء وطردوا من سوريا، فكان هذا الهاجس مستوليا عليهم، بسبب أن الأمور هي في يد المخابرات، وكثيرا ما كان يتم القبض على الطلاب وتسفيرهم بناء على شبهات. أما أنا فلم أكن قد حصلت على كشف علامات، وهذا بسبب أنني كنت في السنة الأولى قد طلبت الحصول على حجرة في المدينة الجامعية، فعندما تقدمت بالطلب سلموني عددا من الأغطية والمستلزمات، ثم أدخلوني إلى حجرة كبيرة فيها عشرة أسرة، وقالوا هذا هو المتوفر لدينا الآن، لأن الغرف المزدوجة قد نفدت. فقررت أن أستمر بالاستئجار في الخارج، وأعطيت الأغطية والمستلزمات لأحد الإخوة المعارف الذين يسكنون في المدينة الجامعية ليستفيد منها، وطلبت منه أن يسلمها في نهاية العام. ولكن للأسف لم يسلمها، فبقيت في عهدتي، وأصبح لزاما أن أدفع مبلغا هو قيمتها كي أحصل على براءة ذمة كي أحصل على كشف العلامات. ولمّا لم يكن يتوفر لدي هذا المبلغ، ولم يكن لدي فائض عن مصروفي الشهري، فقد أجّلت الأمر لكي أدفع ما يترتب علي عند التخرج.

النتيجة أن عدم حصولي على كشف العلامات جعلني في موقف يعني أنهم لو طردوني من البلاد فإنني سأعود إلى الأردن صفر اليدين، ولن أتمكن من متابعة دراستي، وستضيع السنوات التي درستها. وهذا لن يحدث بسلاسة في أحسن الأحوال، بل قد يسبقه اعتقال لا يُعرف كم سيستمر…

كنت حينها أيضا مريضا قليلا، فاستذكرت الحالة التي أنا عليها، ومقدار صعوبة وضعي وهشاشته، فتوجهت إلى الله تعالى وقلت: يارب، إنني أعلم أنني اتبعت الحق، وآمنت بالمسيح الموعود عليه السلام الذي أنبأ به النبي صلى الله عليه والتحقت بجماعته، وأعلم أنك مالك الملك، وأنه لن يمسني سوء إلا بإذنك، فإن كنت تريد مني هذه التضحية فأنا على أتمِّ الاستعداد لأضحي بكل شيء في سبيلك، وسترى مني ما يسرُّك.

كان السوريون يسمون فروع المخابرات بفروع الأمن، وكان فرع الأمن العسكري من أشد الفروع قسوة، وكان لهذا الفرع ولرئيسه في الجامعة رعبا بحيث ترتجف منه فرائص الطلاب عندما تُذكر سيرته. فاستذكرت هذا، واستذكرت القصص المروعة لطلاب أعرفهم تعرضوا لما يفوق الوصف مع كونهم أبرياء أو بشبهة أو وشاية. وبمرور هذه الخواطر في داخلي مع استعدادي للتضحية والرغبة في الثبات والاستقامة، توجهت إلى الله تعالى العالم بما يكنه صدري، فلمع في ذهني أنهم يسمون فروع المخابرات بفروع “الأمن” ويظنون أنهم مسيطرون والأمن بأيديهم، وأن على الآخرين أن يخافوا منهم.. فإذا بي أستذكر كلمات الآيات الكريمة على لسان إبراهيم عليه السلام:

{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } (الأَنعام 82-83)

سَرَت هذه الآيات بقوة وجلال في نفسي، وشعرت بقوة عجيبة وثبات وطمأنينة استولت على قلبي وطردت كل خوف وقلق. ثم دعوت الله أن يشفيني أيضا كي لا يجعلني المرض أظهر بمظهر الضعيف في المقابلة.

وفي اليوم التالي ارتديت ثيابي، وأخفيت كتابا تحت ثيابي لمادة كان لدي امتحان فيها بعد ثلاثة أيام، وقلت في نفسي أنهم لو اعتقلوني فسأدرس في السجن إن كانوا سيطلقونني قبل الامتحان، أما إذا طال الوقت فلا بأس.

وصلت إلى مقر فرع الأمن العسكري في الجامعة، وقلت للموظف الذي على الباب أنني أريد مقابلة رئيس الفرع، وعرَّفت باسمي. فدخل عنده ثم عاد، وقال: لي تفضل، هو بانتظارك.

كان المسئول يجلس على مكتبه، فدخلت وكان ينظر في أوراق أمامه، فقلت: السلام عليكم..

فرفع رأسه ونظر إلي..

فبمجرد أن رآني شعرت أنه قد استولت عليه رهبة ظهرت في وجهه وعينيه..

كنت يومها شابا صغيرا في الثانية والعشرين، ولم تكن هيئتي مهيبة، فاستعجبت، ولكن في نفس الوقت شعرت بأن الله تعالى ألقى في قلبه رعبا من عنده. وقف وصافحني، على غير عادة ضباط المخابرات الذين كانوا يبادرون بالسب والشتم وإساءة الأدب، وأخذ يخاطبني باحترام شديد، وطلب مني الجلوس، ثم قال لي: تعلمون ما حدث في دمشق، وقد جاءتنا الأوامر بأن نطلب منكم أن تتبرَّأوا من الجماعة، وهذا النموذج أمامك، فأرجو أن تملأه وتوقع باسمك.

فقلت له: والله إنني لأستغرب أشد الاستغراب من هذا الطلب. هل أنا في سوريا؟ البلد القومي العربي العلماني الذي تعيش فيه كل الأديان؟ ألا تملأ الكنائس مدينة حلب، ألا يعيش اليهود في حي الجميلية ليس بعيدا من هنا؟ هل هذا زمن محاكم التفتيش؟

فقال لي: لقد قرر المشايخ أنكم كفار.

قلت له: ومنذ متى يقرر المشايخ لسوريا؟!..

وأخذت أبين له بأن تورط النظام في سوريا في أمر كهذا لا يليق أبدا…

فنظر إلي محرجا وقال: الحقيقة أنني مأمور بتنفيذ ما هو مطلوب مني، ولا فائدة من الحديث معي أو إقناعي، فأرجو أن تملأ النموذج لننتهي من الأمر.

قلت له: ما أستطيع فعله هو ما يلي.. فقلبت الورقة وكتبت على ظهرها التالي:

أنا الموقع أدناه .. وكتبت اسمي كاملا..

أقر وأعترف بأنني من الجماعة الإسلامية الأحمدية، وعندما طُلب من البراءة منها رفضت ذلك. ولكن بما أن حضرة أمير المؤمنين مرزا طاهر أحمد الخليفة الرابع أيده الله بنصره العزيز، قد أمرنا بأن نجمد نشاطنا كجماعة بسبب هذه الظروف، فإنني أعلن امتثالا لأوامره أنني أجمد نشاطي في الجماعة ما كنت في سوريا. وعلى ذلك أوقع.

كانت هذه الكلمات مليئة بالتحدي، فنظر إليها وقال: هذا لا ينفع..

قلت له: هذا ما لدي، وليس لدي غيره، وإنني أقدِّر أنك مأمور، وأظن أيضا أنه لديك أوامر لا بد من تنفيذها في حال امتناعنا عن البراءة من الجماعة وعن توقيع هذه الورقة، وأنا سأقدِّر وضعك، وأنا على أتم الاستعداد لما تريدونه.

فنظر إلي متعجبا – حيث لم يعتد المخابرات هناك أن يطلبوا من أحد شيئا ويمتنع- ثم قال: ماذا؟.. على كل حال، لحظة..

ورفع الهاتف، واتصل بمرجع أعلى له، وقال: سيدي، هؤلاء يرفضون التوقيع على البراءة من الجماعة.. ثم أخذ يستمع لتعليمات رئيسه ويقول: نعم سيدي.. نعم سيدي.. حتى انتهى من المكالمة..

ثم توجه إلي وقال: يمكنك الآن الذهاب، ولكن كن على استعداد، فربما نأتي لاعتقالك، وربما نسفِّرك.. حتى الآن نحن بانتظار اتخاذ قرار.. ولكن أرجو أن تطلب من بقية الشباب الأحمديين أن يحضروا غدا أيضا.

فقلت: حسنا، وشكرته، وانصرفت.

عندما خرجت، شعرت كأن الملائكة تحملني، وازدادت الطمأنينة والثبات واليقين في قلبي، وشعرت بحلاوة عجيبة، واستمر هذه الشعور مستوليا علي منذ ذلك الحين إلى أن تخرجت بعد سنوات وتركت البلاد.

كانت كلمات الضابط المسئول في الواقع تهدف إلى أن تجعلني أشعر بقلق مستمر وانتظار لقرارهم يحطِّم الأعصاب، ولكن الطمأنينة التي منّ الله تعالى بها علي لم تترك مجالا لشعور كهذا بأن ينشأ في قلبي. وهذا الشعور الذي لا يفسر كان من أوائل الآيات التي رأيت فيه تصرف الله تعالى على قلبي وكيف يمكن أن يلغي هذا الشعور أي نوع من القلق والتوتر.

عدت إلى البيت، وكان الشباب الأحمديون في الانتظار، وقلت لهم ما حدث، ففرحوا فرحا عظيما، ثم تناولنا طعام العشاء سويا، وكان موعدهم للقاء في اليوم التالي.

ذهبوا في اليوم التالي، وأدخلهم المسئول جماعة، وقال لهم إن المطلوب منكم البراءة، فامتنعوا جميعا، وكان يتحدث باسمهم طالب لبناني يدرس طب الأسنان، اسمه رامي. فقال لهم الضابط: هل تظنون أن تميما قد نجا؟ افعلوا ما شئتم، وانتظروا إجراءاتنا..

فخرجوا جميعا، ثم جاءوا للقائي. ففرحنا جميعا أيضا، وحمدنا الله تعالى.

وفي تلك الليلة جاءني طالب أردني من الإخوة، وقال لي: أرجو أن تأتي معي، لأن الأخ رامي متعب جدا.

فذهبت إلى البيت الذي كان يتشارك فيه مع الأخ رامي، فوجدته في سريره يرتجف ويقول: أخي، أنت تعلم أنني في السنة الرابعة من طب الأسنان، وأنت تعلم بطش وجبروت هذا النظام، فلو طردوني من البلاد فسيضيع مستقبلي. فلم يبق لي سوى عام واحد، ثم سأذهب وألقي نفسي في أحضان أمير المؤمنين.

قلت له: ماذا تريد مني أن أقول لك؟ ليس عندي إلا أنه خير لك أن تصبر وتتوكل على الله، فالله تعالى لا يمكن أن يضيع عباده، وهذه فرصة لتظهر الثبات والاستقامة.

فقال لي: لن أطمئن حتى آمن شرهم، فأنا إن وقعت على البراءة، فهذا لا يعني أنني لست أحمديا، فالإيمان في قلبي راسخ لا يتزعزع.

قلت له: إنني لا أملك أن أمنعك، وقد نصحتك، والأمر بينك وبين الله تعالى.

في تلك الليلة يروي الأخ أنه رأى في المنام أنني عندهم على شرفة البيت. وكان الشمس والقمر ظاهرين في وقت واحد. فنظرت إلى السماء وقلت لهم: هذه الشمس، وهذا القمر، ثم أشرت إلى القبلة وقلت: وهذه القبلة. فوقفت للصلاة، فصلى خلفي عدد من الإخوة، ولم يصل عدد آخر، وكان هو والأخ الأردني الآخر ممن لم يصلوا.

ذهب الأخ رامي ومعه عدد من الإخوة في اليوم التالي إلى الأمن العسكري مجددا، وطلبوا ورقة البراءة فوقعوها وانصرفوا.

والعجيب أن الذين لم يوقعوا لم يمسسهم سوء، وكانوا يسافرون ويعودون دون مشاكل، أما الذين وقعوا فكانوا يتعرضون على الحدود إلى المضايقة من المخابرات على الجانبين.. ثم بعد سنوات ابتعدوا شيئا فشيئا عن الجماعة..

ما أود قوله أخيرا هو أن الله تعالى قد منَّ علي بالثبات في هذا الموقف، وهذا فضله تعالى وليس بسبب قوة مني. ولدي شعور كان ولا يزال يساورني باستمرار، بأن بذرة هذا الموقف- والتي كانت بفضل الله تعالى أيضا- قد أعجبت الله تعالى فمنَّ الله علي من بعدها بإنعامات كثيرة، ويسر لي خدمة الإسلام والأحمدية بما لم أكن أتوقعه يوما. فالحمد لله حمدا كثيرا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *