معلوم أن فرقة الشيعة قد نشأت على أساس واحد رئيس، وهو رفض الخلافة الراشدة، والاعتقاد بتآمر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفساد عثمان من بعدهما، وبأن هؤلاء مع الصحابة جميعا قد خالفوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوصى بالإمامة لسيدنا علي رضي الله عنه.
وهكذا، فإن فساد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفساد الصحابة عموما من لوازم هذا المذهب، مع شديد الأسف. وهم يخصون سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقدر الأكبر من الإساءة، ويتحاملون عليه إلى أبعد الحدود، وكثيرا ما كنت أتأذى وأتألم مما أراه وأسمعه منهم. ولأجل ذلك فسنرى أن الله تعالى قد قدَّر أن ينتصر لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله، وينتصر للخلافة الراشدة الأولى، ويوصل الخلافة الراشدة الأولى بالثانية، ويشهد شهادة فعلية على صدق سيدنا عمر رضي الله عنه وعلى حقية الخلافة الراشدة الأولى والثانية كليهما.
نبوءة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ورد في عدد من الآثار، أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد تنبأ عن ابن له سيلي أمر المسلمين، وسيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، وسيكون له عدد من السمات والعلامات. وكان بنو عمر يترقبون هذا الشخص وينتظرون مجيئه.
وبعد البحث، يمكن العثور على أثر هذه النبوءة، وقد عثرت على أربع مواضع ذكرت فيها، وهي:
1) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: يا آل عمر! إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يلي رجل من آل عمر! يسير مسيرة عمر ويكون بوجهه علامة.
2) عن نافع قال: كان ابن عمر يقول كثيرا: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا.
كنز العمال (الجزء 14 –ص 26)
3) قال الترمذي في تاريخه، بسند رفعه إلى جويرية، عن نافع: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن مِن ولدي رجلا بوجهه شَجَّة، يلي فيملأ الأرض عدلا.
سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي للعصامي المتوفى سنة 1111 هجرية.
4) وذكر السيوطي الحديث السابق في كتابه تاريخ الخلفاء – باب عمر بن عبد العزيز، وزاد عليه ما أخرجه ابن سعد عن عمر بن الخطاب حيث قال: ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا.
فوفقا لهذه الروايات، يمكن تلخيص مواصفات هذا الشخص المنبأ عنه كما يلي:
1) من نسل عمر رضي الله عنه
2) رجل وأشج
3) يسير مسيرة عمر
4) يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا
وقد فُسِّر هذا النبأ تاريخيا على أنه قد تحقق في عمر بن عبد العزيز، وتأثرا بهذه النبوءة وصف بأنه خامس الخلفاء الراشدين، ولكن بعد التدبر، سيتضح أن هذا النبأ له أبعاد أوسع من ذلك بكثير، ومدى انطباقه على عمر بن عبد العزيز يكاد يكون ضئيلا، بينما ينطبق بقوة على الخليفة الأول للإمام المهدي نور الدين القرشي رضي الله عنه، الذي تنطبق عليه هذه المواصفات انطباقا تاما.
فلنرَ مدى انطباق هذه المواصفات على كل من الخليفة نور الدين وعمر بن العزيز.
أولا: من نسل عمر بن الخطاب رضي الله:
معلوم أن الخليفة نور الدين القرشي هو من نسل سيدنا عمر رضي الله عنه، وشجرة عائلته تذكر آباءه إلى أن يتصل بسيدنا عمر رضي عنه، وهذا مما لا شك فيه. ومعلوم أن النسب هو للأب. أما عمر بن العزيز فهو أموي، وأمه هي بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. فالأولى بالنسبة لسيدنا عمر هو ابنه من نسل أبنائه لا من بناته.
ثانيا:رجل وأشج أو صاحب علامة في وجهه
يقال إن عمر بن عبد العزيز كان قد أصيب بشجة في رأسه قد أصيب بها وهو صغير بضربة دابة، وكان يسمى بأشج بني أمية. ومعلوم أن عمر بن عبد العزيز قد تولى في السابعة والثلاثين العرش الأموي لمدة سنتين، وتوفي في التاسعة والثلاثين أي قبل أن يبلغ عمر الأربعين الذي له خصوصية في اكتمال الرجولة وبعثة الأنبياء. فلم تكن الشجة لها علاقة مباشرة بتوليه، كما أنه لم يكن رجلا عندما أصيب بها بل كان صغيرا. وهذا يضعف الوصف “رجل أشج” فيما يخصه.
أما الخليفة الأول فقد تولى الخلافة وهو السادسة والستين، وأصيب بشجة في وجهه نتيجة لسقوطه من على ظهر الحصان بعد ما يقارب السنتين والنصف من خلافته، وكان هذا السقوط قد أنبأ به المسيح الموعود عليه السلام من قبل، مما يدل على أن له أهمية خاصة، وليس مجرد حادث عرضي. وقد بقي أثر هذا الجرح في وجهه إلى أن توفاه الله تعالى.
ثالثا: يسير مسيرة عمر
لقد اغتيل سيدنا عمر رضي الله عنه وكان في عمر السادسة والستين، ومن العجيب أن الخليفة نور الدين رضي الله عنه قد تولى الخلافة في هذا العمر أيضا، أي وكأنه استكمال لمسيرة عمر رضي الله التي حاول المنافقون وأعداء الإسلام إنهاءها باغتياله. وكأن الله تعالى يقول بأن عمر الذي قتلمتوه قد خرج من جديد في ثوب ابن له، ليكون خليفة راشدا كما كان هو!
والعجيب أن هذا الحادث قد حدث بعد سنتين وبضعة أشهر من توليه الخلافة، وكأن في هذا إشارة إلى أنه علامة على امتداد فترة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي تولى الخلافة بعد قيامها بسنتين وبضعة أشهر أيضا بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وكأن في الأمر شهادة من الله تعالى على صحة خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه؛ أنه كان خليفة صادقا مرضيا من الله تعالى.
أما عمر بن عبد العزيز، فقد كان ملكا أمويا لم يتبوأ الخلافة بالشورى على طريقة الخلفاء الراشدين، كما أنه قد أوصى لملك أموي من بعده من نسل عمه عبد الملك ولم يترك الأمر شورى ليختار الناس خليفة على طريقة الخلافة الراشدة. ومعلوم أن سيدنا عمر قد استبعد ابنه عبد الله من الخلافة عندما أوصى بلجنة الشورى، بينما عمر بن عبد العزيز قد أوصى لابن عمه. وقد امتازت خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه بطولها النسبي الذي امتد إلى عشر سنين شهدت تأسيس مؤسسات الخلافة وإدارة شئون الدولة وسقوط الإمبراطوريات وهزيمتها، بينما مدة ملك عمر بن عبد العزيز كان قصيرا، وكان تركيزه على الإصلاح فقط.
وهكذا نرى أن الخليفة الأول قد أكمل مسيرة عمر من ناحية الخلافة الراشدة ومن ناحية وكأنه استمرار لخلافة عمر التي انقطعت باغتياله.
رابعا: يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما
هذه الصيغة وردت في الأحاديث الشريفة مرتبطة ببعثة الإمام المهدي، وقد وردت أحاديث تذكر هذه الصيغة في مسند أحمد وفي أبي داود وغيرها من الكتب، وما جاء فيها:
{أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْ النَّاسِ وَزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا} (مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، مسند أبي سعيد الخدري)
فورود هذه الصيغة تدل على أن لهذا الابن المنبأ عنه من نسل عمر ارتباطا بالإمام المهدي، مع أنه لن يكون هو، لأن للمهدي مواصفات أخرى من أهمها أنه سيكون المسيح الموعود. وهذا ما حدث؛ بأن كان هذا الابن الخليفة الأول للإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام الذي أنيط به إقامة العدل في الأرض من خلال الخلافة الراشدة التي نشأت وستستمر من بعده، وستثمر هذه الثمرات في المستقبل.
أما بخصوص عمر بن عبد العزيز، فهو قد جاء في العهد الأموي الذي كان قريبا من عهد النبوة، ومع أنه حاول إصلاح شئون بني أمية واستئثارهم بالثروات، إلا أنه لا يصح القول إن الأرض كانت قد ملئت ظلما في ذلك الوقت. وصحيح أنه تميز عن غيره من ملوك بني أمية بالعدل والسيرة الطيبة، ولكنه فترة حكمه لم تؤثر جذريا ولم تحدث تغييرا مستمرا، بل كانت فترة شاذة نسبيا، بل إن بني أمية قد ظلموا غيرهم وظلموا أنفسهم، وقتل بعضهم بعضا، بل منهم من نبش قبر سلف له وصلبه!
كيف توصلتُ إلى هذه الفكرة؟
في عام 2008، وهو العام الذي يصادف مرور مئة عام على قيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، بعد وفاة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، كنت في لندن في بيت الضيافة القريب من مسجد فضل والذي يتصل بمقر الخلافة في ذلك الوقت، وكنت أعمل في مراجعة كتاب “حياة نور” الذي يتناول سيرة الخليفة الأول نور الدين القرشي رضي الله عنه، والذي كنا سنصدره في هذا العام بهذه المناسبة.
وذات يوم، وفي أثناء عملي لفت انتباهي ورد ذكر حادثة سقوط الخليفة الأول من على ظهر الحصان وفقا لنبأ كان قد أنبأ به الإمام المهدي والمسيح الموعود، وأن حادثة السقوط هذه رغم أنها قد تركت جرحا بليغا في وجهه بقي معه إلى وفاته، إلا أنه كان مسرورا بتحقق هذا النبأ. فأثناء تفكيري في الأمر، غشيني النعاس، خاصة أنني كنت ضعيفا بسبب أنني كنت أتعافى من مرض مفاجئ أصابني قبل أيام، فخلدت إلى النوم قليلا، فرأيت في المنام شخصا قريبا اسمه “سلام”، وأخبرني ما معناه أن الخليفة الأول يبلغني بأن الباسوورد (أي كلمة السر ولكنه قالها هكذا بالإنجليزية) في “بنددخن”!
فاستيقظت وتوجهت إلى الحاسوب، وبحثت في الكتاب، فوجدت عند ” بند دادنخان” قصة مرتبطة بإصابته بهذا الجرح، وكيف أن الله تعالى قد تكفله بفضله عندما كان مريضا وليس في بيته نقود. فوصلته رسالتان تحتويان بعض المال كانت إحداهما رسالة من شخص من هذا البلد (بند دادنخان) تحتوي أربع روبيات، قال صاحبها له فيها إنه كان قد اقترض هذه النقود منه عندما كان يعمل مدرسا هناك. ورد حضرته على هذا الشخص وقال له إنه لا يذكر هذا الأمر الذي كان منذ عام 1868 أو 1869 وشكره على ذلك.
ومن العجيب أنني ولدت في عام 1968 وأكرمني الله تعالى بكشف هذا الأمر في هذا العام 2008 الذي هو الذكرى المئوية لقيام الخلافة الراشدة الثانية أو تبوّء حضرته تحديدا لها. فكما أن الله تعالى قد رد له مالا بعد أربعين عاما لم يكن بحسبانه عند حدوث هذه الحادثة له فكأن الله تعالى قد جعل هذا العبد الفقير سببا لكشف هذه النبوءة التي تضافرت فيها نبوءة جده العظيم رضي الله عنهما والمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وربطت الخلافتين الراشدتين ببعضهما وشهدت على صدقهما، وهذا عندما كنت أنا في الأربعين من عمري أيضا. ومن العجيب أن الرسالة احتوت أربع روبيات، وعند بحثي بعد ذلك كنت وجدت أربع روايات، كما وجدت أربع سمات ومواصفات في هذه الروايات تنطبق على حضرة الخليفة الأول، كما رأينا سابقا.
ومن العجيب أيضا أنني بعد أن أنهيت البحث وترتيب الأفكار وشرعت بالكتابة، قد خطر ببالي أن أفتح على قناتنا MTA لوهلة، وصادف أنني كنت أظهر على الشاشة وأتحدث على الشاشة في برنامج سابق، وبعد لحظات كنت قد دافعت عن سيدنا عمر رضي الله عنه عرضا في برنامج لا يتحدث عن الخلافة أصلا، وإنما يتحدث عن نبوءات الإمام المهدي عليه الصلاة والسلام وتحققها. ففهمت أن الله تعالى قد أرسل لي رسالة مضمونها أنه قد أكرمني بذلك بسبب حبي الشديد لسيدنا عمر وغيرتي عليه وحماسي للدفاع عنه منذ وقت طويل، حيث كنت أتألم كثيرا من الافتراءات والهجوم عليه من الشيعة عندما كنت أناقشهم بكثرة في تلك الفترة، وكنت أبذل كل ما في وسعي للدفاع عنه.
والواقع أن الخليفة الأول نور الدين القرشي رضي الله عنه إنسان عظيم، وأرى أن الله تعالى قد جمع فيه شخصيات الخلفاء الراشدين الأربع بصورة ما وحقق به نصرتهم وجعل لهم به لسان صدق في الآخرين. فهو قد شابه سيدنا أبا بكر رضي الله عنه بحقيقة أنه كان صدّيق المسيح الموعود عليه السلام ثم توليه الخلافة من بعده وتبديل الخوف بعد وفاته أمنا وجمع جماعة المؤمنين من جديد. وقد شابه سيدنا عمر رضي الله عنه كونه ابنه الذي تنبأ به وكان كأنه يمثل استمرارا لحياة جديدة للفاروق الذي سعى أعداء الدين والخلافة لاغتياله، فأصبح خليفة في العمر الذي استشهد فيه جده العظيم. وكان كعثمان رضي الله عنه من حيث أن بعض المنافقين قد ألبوا الناس وسعوا إلى عزله واجتمعوا في مركز الخلافة في قاديان ليخلعوه، ولكن الله تعالى قد نصره وقضى به على الفتنة، وكأن الله تعالى قد نصر به سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي نجح المجرمون المفسدون في قتله، وإن لم يتمكنوا من اغتيال مقام الخلافة. وكذلك هو قد شابه سيدنا عليا رضي الله عنه من حيث أن فئة قد أنكرت الخلافة قد انشقت بعده مباشرة ثم حدثت ظروف أدت إلى رفع الخلافة الراشدة الأولى وانتهائها، فنصر الله تعالى به عليا رضي الله عنه بأن أنشأ الخلافة به وثبَّتها من بعده ولم تزل، وستستمر إلى يوم القيامة كما أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الجميل أيضا أن الخليفة الثاني مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه من بعده الذي كان مظهرا أيضا لسيدنا عمر رضي الله عنه وفضله وبقيته، وفقا للبشارات، وكان الخليفة الثاني في سلسلة الخلافة الراشدة الثانية كما كان عمر رضي الله عنه، وقد أسس مؤسسات جماعة المؤمنين وثبّت أركان الخلافة كمثله، كان معلمه وأستاذه الخليفة الأول ذلك ابن عمر المنبأ به.


لا يوجد تعليق