وهذا الغلو قد يكون سببه الحب المفرط مع الجهل، وقد يكون سببه المؤامرة من الأعداء والمنافقين. وفي الحالتين فإن النتيجة واحدة.
فبخصوص مؤامرة الأعداء والمنافقين، بدلا من الهجوم المباشر على شخصية ما بالإساءة والاتهامات، فليس هناك أفضل من أن يقوم الخصم العدو لهذا الشخص بأن يرفعه إلى مقام عظيم مغالىً به، ويترك الأمر للآخرين ممن يحبونه من العقلاء وممن يبغضونه لينزلوه على السواء من هذا المقام!
ففي المسيحية، بعد حادثة الصلب، خرج بولس بدعوى ألوهية المسيح وبنوته لله تعالى، ومن العجيب أنه قد وصمه بالتهمة التي قضى حياته يدافع عن نفسه ضدها مقابل اليهود؛ وهي ألوهيته وبنوته لله، حيث يزخر الإنجيل بالمواقف التي نفى فيها ألوهيته، كما أنه كان يصف نفسه دائما بـ”ابن الإنسان”، ولم يسمِّ نفسه بابن الله مطلقا ولم يقبل هذا اللقب، وإن كان يصف الله تعالى بأنه الأب للجميع والإله للجميع كما قال: “أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ” (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20 : 17). ولكن بولس سماه على خلاف ما يرغب، وأصبح عند المسيحيين لاحقا ليس معروفا سوى بـ “ابن الله”، ثم ألحق به اللعنة، وقال بأنه صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا (غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)، لكي يساعد مبغضيه من اليهود على لعنه ويجعل أتباعه يتفقون معهم في هذه اللعنة المفترضة -والعياذ بالله- والتي لا يمكن تبريرها وتحويلها إلى بركة أو شيء حسن!
وهكذا، فما زال اليهود يلعنونه إلى اليوم مدعين أنه مهرطق ادعى الألوهية، وأصبح لازما لكل من يؤمن بتوحيد بأن ينزله من مقام الألوهية إلى مقام البشرية، ولهذا أصبح الإسلام مضطرا لذلك، مع المحافظة على مقامه وتكريمه، ولكن كان لا بد من كلمات صريحة لتنبيه الناس إلى هذا الخلل، كقوله تعالى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (المائدة 18)
أما المسيحيون الذين آمنوا بألوهيته، فلم يؤدِ ذلك عندهم إلى رفع مكانته وتكريمه، وإن ادعوا ذلك بكلام فارغ لا قيمة له في اعتقاداتهم ولا في سلوكهم. فمع إيمانهم بألوهيته فقد آمنوا أيضا بضعفه وتعرضه للأذى والضرب والإهانة والصلب الذي ألحق به اللعنة، ونظروا إليه كمجرد كبش فداء لهم وللبشرية، ولم يروا فيه سمات الجلال والعظمة الإلهية التي تليق بالإله. ولهذا نرى أن هذا قد ظهر جليا في تقاليد الغرب وتصرفاتهم؛ فالغرب لا يغارون على مقام المسيح ولا يوقرونه، بل كثيرا ما أصبح مادة للسخرية والاستهزاء، ولا نجد من يعترض على رسوم أو نصوص أو استعراضات أو برامج تستهزئ به! ولهذا لا يفهم الغربيون لماذا تثور غيرة المسلمين على مقام النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه مهما علا وبلغ من مكانة رفيعة لا يبلغها أحد من البشر في إيمانهم فليس إلا هو عندهم سوى عبد الله ورسوله. ولأنه في هذا المقام الكريم البعيد عن الغلو، فكلما تبحر المحبون في ذكر صفاته ومكانته وعظمته، ازداد تكريمه في القلوب وفي النفوس.
وهكذا فقد وحَّد بولس اليهود ثم المسلمين لاحقا في توجه نفي ألوهية المسيح؛ أي جمع بين محبيه وكارهيه، وجعل كلا منهم يريد أن ينزله من مقام الألوهية، سواء بدافع البغض وبالإساءات، أو بدافع الدفاع عن توحيد الله تعالى، حتى مع مراعاة أعلى درجات الأدب والتكريم.
وهذه الحيلة قد لجأ إليها كارهو الإسلام وكارهو علي رضي الله عنه من المنافقين ليشقوا صف المسلمين، ولنقمتهم على علي رضي الله عنه خاصة بسبب أنه كان أمل الإسلام المنشود عندما اشتعلت فتنة الخوارج الذين لم يكونوا أكثر من متمردين يريدون المكاسب والمناصب، ولا يعترفون بالمقامات العليا للصحابة والسابقين من المؤمنين. فهؤلاء أنفسهم الذين تجرأوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه، وتجرأوا على قتل حفيد النبي صلى الله عليه وسلم، قد غلوا في علي رضي الله عنه وآل بيت النبي صلى الله وسلم، وجعلوهم وكأنهم شركاء في الرسالة! مما جعل المسلمين الحريصين على مقام التوحيد وعلى مكانة النبي صلى الله عليه وسلم أن يفندوا هذه الادعاءات وينزلوهم من مقام الغلو هذا، ومما فتح المجال للمنافقين من النواصب ليسيئوا إلى علي وإلى آل البيت، بدعوى أنهم يدافعون عن الدين وعن التوحيد. وهكذا وحَّدوا المنافقين مع سائر المسلمين ممن يحبون عليا وآل البيت في هذا التوجه، وصار الطرفان يريدون إنزالهم من هذا المقام الافتراضي، وأدى ذلك إلى أن خرج ولا زال يخرج نواصب أو جهلة حمقى يهاجمونهم ويسيئون إليهم! ثم مقابل هؤلاء النواصب والحمقى خرج حمقى من الشيعة ليهاجموا الصحابة والخلفاء وأمهات المؤمنين.
أما الجهلة من غير المتآمرين، فتنطلي عليهم هذه الحيلة بسهولة وينساقون خلف المتآمرين في الغالب. ومنهم من يولد غلوا أيضا ناجم عن الجهل فقط بحسن نية، فيكون من آثاره خروج جهلة كمثلهم في الطرف الآخر يحطون من شأن من غلوا فيه دون مراعاة الأدب ولا المقامات. وخير نموذج على هذا غلاة الصوفية وغلاة السلفية عند السنة.
فسواء كان الدافع البغض أو الحب المفرط مع الجهل، فقد آن إدراك ضرر الغلو وأنه ليس في مصلحة المغالى فيه مطلقا. وآن للسياسيين ولغيرهم أيضا أن يدركوا أن عدوهم الحقيقي هو من يغلو ويبالغ في شأنهم، لأن هذا لن يدفع معارضيهم للإساءة إليهم فحسب، بل هذا ينزل مكانتهم في قلوب من يحبونهم ويوالونهم، ويجعلهم يحاولون تتبع أخطائهم. فالمحب الحقيقي هو المقتصد الذي لا يغالي.
والجميل هو أن الإسلام قد نبه إلى هذه المسألة ونهى عنها القرآن الكريم، بقوله تعالى:
{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم 33)
وأنفسكم تعني أنتم وبعضكم وبعضا.
والأجمل هو النبي صلى الله عليه وسلم، سيدنا وسيد الكونين والثقلين وإمامنا وحبيبنا، قد لفت انتباه إلى هذه النقطة في مناسبات كثيرة، منها:
{مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ!} (رواه البخاري ورواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق)


لا يوجد تعليق