أبرزت الخلافات السياسية في إسرائيل مؤخرا جانبا مهما للإسرائيليين وللعالم. فقد ضجَّ الشارع الإسرائيلي وفار غضبه وانتفض لأن الحكومة المتطرفة الحالية تسعى لتحويل إسرائيل إلى “دولة توراتية” على حسب تعبيرهم!
ولعل هذا كان تعبيرا صادما للكثيرين، وخاصة أن إسرائيل تريد أن تعرف نفسها على أنها الدولة اليهودية وتريد من العالم الاعتراف بها كدولة اليهود! فكيف يمكن أن تكون دولة اليهود ولا تريد أن تكون محكومة بكتاب اليهود؟ والحقيقة أن هذا كان تعبيرا صادقا وفي غاية الأهمية يعبر عن مدى إدراك الإسرائيليين أنفسهم أن التوراة تتضمن مبادئ وأحكاما لا يستطيع اليهود أنفسهم أن يعيشوا بمقتضاها.
والواقع أن إسرائيل لم تقم على التوراة في الحقيقة، وإنما قامت على النظرية الصهيونية التي استندت إلى بعض الأساطير التوراتية في تبرير وجود إسرائيل، ولكنها كانت حركة استعمار استيطاني غربية حملت القيم والنظم الغربية وأسست تلك الدولة على غرارها. فهي قد أخذت بعض الأساطير ولكنها لم تتبنَّ التوراة كشريعة وقانون للدولة وإنما قامت على أسس علمانية. ولكن نظرية الصهيونية كانت نظرية منافقة في الحقيقة، وقد بدأت الآن تظهر أضرار هذا النفاق في حياة الإسرائيليين. فعلى الإسرائيليين أن يفكروا في طريقة لإنقاذ إسرائيل من التوراة، وعليهم أن يراجعوا مبادئ الصهيونية التي قامت على تلك الأساطير التوراتية مقرين بأن هذه الأساطير ليست أكثر من مجرد أكاذيب؛ لأن ذلك الكتاب الذي يعرف أصحابه أنهم لا يطيقون العيش وفقا له لا بد أن يكون مخطئا في أساطيره التي يفترض أنها ترسم مستقبل وصورة اليهود في العالم وفقا للصهيونية؛ تلك الأساطير التي لو بقيت إسرائيل متمسكة بها –حتى ولو لم تتحول إلى إسرائيل التوراتية- فإنها ستجلب كارثة كبرى لليهود في العالم لا محالة مهما طال الزمن، ولكنها ستكون كارثة لا تماثل الكوارث السابقة التي لحقت باليهود من قبل.
وعلى كل حال، فلن نجانب الحقيقة لو قلنا إن التوراة بصورتها الحالية قد لعبت دورا أساسيا في المظالم والعذابات والكوارث الإنسانية، وخاصة في القرنين الماضيين، بل وفي العذابات التي ألحقت باليهود أنفسهم. والواجب أن تتعاظم الصيحات بين اليهود وأن يصرخ الضمير العالمي مستنكرا هذا الكتاب، ومتبرئا مما فيه من مبادئ مقززة منسوبة إلى الله تعالى. فنسبة هذه الأمور إلى الله تعالى تعطي للأمر شرعية تجعل الجهلة والمتعصبين يرتكبون المظالم بدم بارد وكأنهم ينفذون مشيئة الله!
كذلك على العالم المسيحي أن يتبرأ من هذه المبادئ ويستنكرها لأن الأمر يمس المسيحية مساسا مباشرا أيضا. فالتوراة بأسفارها الخمسة وما تبعها من أسفار تشكل العهد القديم من الكتاب المقدس لدى المسيحية. ورغم أن المسيحية الحالية تقوم على مبدأ أن الشريعة منسوخة وهي “لعنة”، وأن المسيح عليه السلام إنما جاء ليخلص الناس من هذه اللعنة “لعنة الناموس”، ولكي ينقلهم من عصر الشريعة إلى عصر النعمة التي ينال بها الإنسان الخلاص بالمجان بمجرد الإيمان بفداء المسيح، وأنهم ليسوا بملزمين بشريعة التوراة من الآن فصاعدا، إلا أن ما تضمنته هذه الأسفار قد شكلت ضمير وسلوك الأمم المسيحية على مر العصور إلى يومنا هذا، لأن المسيحية بكل بساطة لا تتضمن شريعة ولا أحكاما -وخاصة للحرب أو السلم الذي يتعلق به سلام العالم- فليس أمام قارئ الكتاب المقدس إلا أن يستهدي بما يراه عهدا قديما.
ومع أن المسيحية أصلا قد قامت اعترافا بفساد التوراة وانتهاء صلاحيتها وأنها قد صارت لعنة، وأن المسيح قد جاء ليخلص اليهود من هذه اللعنة –وهذه شهادة قديمة جدا على فساد التوراة في الواقع- إلا أن الحركات المتأخرة في المسيحية كالبروتستانتية ومن بعدها الأنجليكانية التي تحكم العالم المسيحي حاليا قد أعادت الاعتبار إلى العهد القديم أكثر من الكاثوليكية التي أهملته واعتبرته مجرد تراث، وأصبحت تهتم به وتقتبس منه ويشكل ضميرها وسلوكها. وهذا يفسر شراسة العالم الغربي منذ انتشار البروتستانتية؛ إذ انطلق في العالم بعد تحرره من الكاثوليكية ليحتل ويستعمر الشعوب ويسلب الخيرات ويعاملهم بصورة وحشية، وهذه المبادئ التي في أصلها توراتيه هي في الواقع محور السياسات الغربية إلى يومنا هذا. والذي يتتبع تاريخ حركات الاستعمار الغربي سيجد المفردات والأمثال التوراتية على ألسنة القادة والمستعمرين وكأنهم مظهر جديد لحروب اليهود في فلسطين التوراتية.
أما عن التأثير اليهودي في سياسات العالم المدفوع بالتعاليم التوراتية، فقد كان اليهود وراء إشعال الحروب والفتن في العالم، وعلى رأسها الحربين العالميتين، ثم ما تبعها من حروب أخرى في منطقتنا وغيرها، وليس خفيا أنهم اليوم يعبثون بأمن العالم وقد يقودونه إلى حرب عالمية ثالثة مدمرة، وهذا الأمر ليس خفيا عمن يدركون حقائق الأمور اليوم من السياسيين والمحللين. فعاقبة هذه التعاليم تشكل خطرا شديدا على سلام العالم، وعلى مصير اليهود أنفسهم كما قلنا.
أما لماذا نجد التوراة على هذه الصورة؟
فالحقيقة أن التوراة، حتى في صورتها الأصلية، لم تكن إلا كتابا لمرحلة معينة من تاريخ بني إسرائيل الذي ارتبط بتحويل أمة قد أصبحت تعيش أخلاق العبيد إلى أمة تقوم بشئون نفسها وتأخذ مكانها بين الأمم، أما بعد ذلك فهي لا تصلح لهم بأنفسهم. وما كانت بعثة المسيح عليه السلام إلا لإعلان أن هذه الشريعة لم تعد صالحة، وقام عليه السلام ببعض الإصلاحات في الشريعة الموسوية وفي توضيح بعض المفاهيم ثم بشرهم بالاستعداد لاستقبال الشريعة النهائية التي هي شريعة الإسلام. فبعثة المسيح في الواقع ومن وجهة النظر الإسلامية إنما كانت إعلانا عن فساد التوراة وبطلان صلاحيتها، وحتى المسيحية الحالية فهي لا تختلف كثيرا مع الإسلام في مبدأ هذا البطلان وإن كانت تعالجه بطريقة مختلفة.
إن من سنة الكون أن للأشياء مدة صلاحية حتى ولو بقيت على حالها ولم يداخلها أي شيء خارجي. والدواء فيما لو لم يفسد وأعطي في غير وقته أو لمن لا يحتاجه يتحول إلى خطر شديد على الصحة أو إلى سم قاتل، فكيف لو اختلط بأمور خارجية فاسدة. فكيف يمكن أن تبقى التوراة {هُدًى وَنُورٌ} (المائدة 45) بعد أن كانوا {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (النساء 47) وفيما لو عبث بها وحولها إلى الكذب {قَلَمُ الْكَتَبَةِ الْكَاذِبُ} (إِرْمِيَا 8 :
باعتراف التوراة نفسها! إن نسبتها إلى الله تعالى، وخروج أناس مجرمين متطرفين مقززين يدعون أنهم بتطبيقها ينفذون مشيئة الله تعالى لهو افتراء على الله تعالى يأنفه الضمير الإنساني ولا بد أن يلقوا بسببه عقابا، ليس أوله أن يجعل {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} (الحشر 15) ويجعل بني جلدتهم أنفسهم يقرفون ويتقززون منهم.
إن مصير اليهود اليوم بمجمله مرتبط بموقفهم من التوراة ومن المؤسسة الدينية اليهودية، ويجب أن يضعوا لها حدا لكي لا تدمر مستقبل اليهود وتجعلهم مجددا عرضة لكوارث جديدة قد لا يجدون بعدها ملجأ لهم في العالم كله. يجب على اليهود أن يفكروا في تبني مبادئ الإنسانية والسلام وأن ينبذوا هذا التطرف وكل من يحمله.
ومقابل التوراة، يجب أن يعقد العالم بمفكريه مقارنات بين ما يقدمه القرآن الكريم كتاب السلام والإنسانية وبينها، وكيف أنه يقدم المبادئ التي لو اتبعها العالم لعاش في سلام دائم، ولنعمت البشرية بعصرها الذهبي المنشود. فحبذا لو توجه العالم إلى هذا العمل الفكري المحض بعيدا عن التعصب، وهذا سيؤدي إلى منفعة عظيمة للبشرية.

لا تعليق