النبوءة الأولى: النشأة الثانية للإسلام .. “وآخرين منهم لما يلحقوا بهم”

ذات مرة، كان الصحابةُ جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتنعمون بصحبته، ويتلقون فيوض التزكية وتعليم الكتاب والحكمة من مائدته الروحانية، وقلوبهم فياضة بالحمد والثناء لله رب العالمين، وممتلئة باليقين بتحقق وعود الله تعالى بانتصار الإسلام وظهوره على الدين كله التي بدأوا يستشعرونها. فاشرأبَّت قلوبهم لاستشراف مستقبل الإسلام، وكيف ستستمر هذه النصرة وتتحقق إلى يوم القيامة؛ فنزلت سورة الجمعة (1) لتذكِّرهم بنعمة الله عليهم، ولتجيب على ما تطلعت إليه أفئدتهم:

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الجمعة: 2-4)

ففهموا من هذه الآيات التي تقديرها: “أن الله الذي بعث فيهم رسولا منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، سيبعثه في “آخرين منهم لما يلحقوا بهم”؛ أي أنه ستكون للنبي صلى الله عليه وسلم بعثتان! البعثة الأولى فيهم، ثم البعثة الثانية في آخَرين سيلتحقون بهم في المستقبل البعيد، بعد فاصل زمني، ولكن هؤلاء الآخرين، رغم هذا الفاصل، سيُعَدُّون منهم.

لم يتساءل الصحابة كيف سيُبعثُ النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بعد زمن طويل، رغم غرابة هذا النبأ، ولم يقولوا له: هل ستعيش طويلا لتلتقي بهؤلاء الآخرين، أم سيحييك الله تعالى من بعد موتك لتبعث فيهم؟ فقد تعلَّموا من النبي صلى الله عليه وسلم أن عليهم أن يؤمنوا بوعود الله تعالى مجملةً وأن يفوضوا كيفيتها وجزئياتها إلى الله تعالى. وقد رأوا أن الآيات واضحة في التصريح بنبأ بعثته صلى الله عليه وسلم الثانية، وهم يوقنون بتحققها. فكان سؤالهم عن هؤلاء السعداء الآخرين الذين ستكون فيهم هذه البعثة الثانية، والذين سيحظون بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم مجددا، وسيعَدُّون منهم. فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: {مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ}؟

فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن وضع يده الشريفة على كتف سلمان الفارسي صلى الله عليه وسلم:

{لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أَوْ رَجُلٌ (2) مِنْ هَؤُلَاءِ}

كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم مفاجئا وخلاف التوقع! فسؤالهم كان عن هؤلاء الآخَرين الذين سيُبعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحظون بصحبته، ولكن جواب النبي صلى الله عليه وسلم كان عن حقيقة بعثته الثانية؛ فبيَّن لهم أنه صلى الله عليه وسلم لن يُبعث بنفسه، بل سيقوم بهذه المهمة نيابة عنه رجل فارسيٌّ منه صلى الله عليه وسلم، سيحظى بشرف تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه موجود بنفسه، ويعمل على تربية جماعته كتربية الصحابة الأوائل، ويكون متفانيا في حب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته بحيث يصبح وجوده الذاتي معدوما؛ لذلك لم يذكره القرآن الكريم، بل ذكر أن الذي سيُبعث هو النبي نفسه صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الرجل ليس له من نفسه شيء، بل سيكون بمنزلة ظلٍّ للنبي صلى الله عليه وسلم تظهر به نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من جديد كما تظهر الصورة في المرآة، بصفته أحد أتباعه المخلصين المتفانين، وسيرى العالم ببعثته أيضا مشهد ظهور جماعة الآخرين التي تماثل الأولين من الصحابة.

فبهذا، فهم الصحابة أن الإسلام سيتعرض إلى فترة من الانحطاط (3) ، بعد أن يحقق الغلبة في بادئ الأمر التي بدأوا يشهدونها، وأنَّ من المقدِّر له أن يصل إلى مرحلة بائسة من الفساد يصبح فيها جسدا بلا روح، وقشرا بلا لبٍّ، وأن الإيمان سيُرفع من الأرض، ولكن هذا الرجل الفارسي سيرتقي لينال هذا الإيمانَ، ثم ينزل به إلى الأرض مجددا، لتتحقق به نشأة ثانية للإسلام بعد انحطاطه.

وبالنظر إلى حال الأمة في هذا الزمان، سنجد أنها قد وصلت إلى ذروة فسادها حقًّا بحيث لا يُتصور مزيد، وأن الإيمان قد رُفع من الأرض، وأن الأمة في أردى مراحل انحطاطها وتراجعها، وأنها تحتاج إلى نفحات القوة القدسية للنبي صلى الله عليه وسلم لتحيا من جديد. فلا بد أن تكون هذه البعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم قد حدثت، لأن هذا هو زمانها.

وبالنظر إلى الدعوات القائمة في الأمة الإسلامية، نجد أن جماعة وحيدة فقط هي التي تعلن أنها مصداق تحقق هذا النبأ، وأن مؤسسها هو ذلك الرجل الفارسي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم والذي يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في البعثة الثانية. ووقوفها وحيدة وإعلانها أنها مصداق لهذا النبأ، بعد إدراكنا أن الوقت هو الوقت، هو دليل كافٍ لإدراك أنها هي مصداق هذه النبوءة قطعًا. فكيف إن تفحصنا أحوالها وأعمالها وخدماتها؟

الواقع أن المنصف المطَّلِع على أحوالها لا يجد بُدًّا من الاعتراف أنها تطابق تماما ما كان عليه الصحابة الأوائل رضي الله عنهم، وهي تستحق أن تسمَّى جماعة الآخرين وأن تُلحق بجماعة الأولين.

فالجماعة الإسلامية الأحمدية هي الوحيدة التي تعمل على نشر دعوة الإسلام في العالم أجمع وتبليغها للناس وبناء المساجد في كل بقاع الأرض، وهي التي تعمل على نشر كتاب الله القرآن الكريم وتقديم ترجمة معانيه بشتى لغات العالم. وهي التي تسعى لتعريف الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم وأسوته الحسنة وتدافع عنه في كل موطن بكل بسالة، وهي التي تقف في وجه حملات التنصير التي استهدفت المسلمين في البلاد النامية الفقيرة في أفريقيا وفي غيرها، وعملت على إعادتهم إلى الإسلام بالحجج والبراهين، وقامت بمساعدتهم بكل ما تستطيع في مجالات الصحة والتعليم وتوفير الماء النظيف والكهرباء وغيرها، على محدودية إمكاناتها. وهي التي أعادت الشرف والمجد للأمة؛ بالتزامها الخلقي وأسوة أفرادها الحسنة وعملها الدؤوب، الذي لو قورن به عمل غيرها من المسلمين مجتمعين فلن يبلغ عشر معشاره، بل أدنى من ذلك!

____________________

الحواشي:

(1) نصُّ الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قَالَ قُلْتُ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ: {لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أَوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ} (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن)

(2) المقصود بقوله “رجالٌ أو رجلٌ من هؤلاء” أن هذه الجماعة سيؤسسها رجل يُعيد الإيمان إلى الثريا ثم يخلفه رجال آخرون، وأن هذه الجماعة ستبقى وستستمر.

أما الظن بأن المقصود من الجواب هو أن الفرس سيدخلون الإسلام- كما ذهب البعض- وسيصبحون كالصحابة، فهذا لا يصح، لأن الفرس قد بدأوا بالدخول في الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين ولا يمكن أن يشابه الصحابة في الفضل أو يتساوى معهم في زمنهم من آمن بعدهم ولم يشهد النبي صلى الله عليه وسلم ويتربى على يده. ثم لو كان هذا الافتراض صحيحا لكان أولى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم عندما وضع يده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه “سيكون هذا وقومه”، لأنه بلا شك خيرُ الفرس في ذلك الزمان لأنه صحابي، ولا يمكن أن يأتي بعده في ذلك الزمان من هو خير منه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن زمن مستقبلي بعيد يُرفع فيه الإيمان ويعيده الرجل الفارسي، أما في زمن الصحابة فقد كان الإيمان في أوجه وبقي واستمر في حالة متقدمة في القرون الثلاثة الأولى.

(3) وردت أنباء فترة الانحطاط والتراجع والفساد التي سيتعرض لها الإسلام، والتي ستتلوها نهضة الإسلام من جديد لتستمر إلى يوم القيامة، في مواضع كثيرة من القرآن. ويتضمن الجزء الثلاثون “جزء عمَّ” كثيرا من السور التي تركز على هذا النبأ العظيم؛ بل إن هذا هو المغزى الأساس الذي ركز عليه هذا الجزء خاصة. ويمكن مراجعة الأجزاء الثامن والتاسع والعاشر من التفسير الكبير لحضرة مزرا بشير الدين محمود أحمد الخليفة الثاني للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام لمزيد من التفاصيل.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *