من دلائل صدق الجماعة الإسلامية هو أن أعداءها يتبعون سنن أسلافهم من أعداء الأنبياء على مدى التاريخ، وبخاصة أعداء الإسلام، في اعتراضاتهم وتزويرهم وتزييفهم الذي ينم عن فساد قلوبهم وتشابهها بقلوب أسلافهم المجرمين الأفاكين.
فمعلوم أن من الاعتراضات التي أثارها بعض أعداء الإسلام المتأخرين ادعاؤهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رغب في زوجة متبناه، فادعى أن القرآن نزل يأمره بالزواج منها بعد تطليقها من زوجها. مع أن المسألة ليست هكذا مطلقا، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم راغبا في ألا يفشل هذا الزواج، ويحض زيدا على التمسك بزوجته لأجل ذلك، ولكن شاء الله أن يحدث هذا لحكمة عظيمة على رأسها إلغاء عادة جاهلية لا يقرها الإسلام وهي التبني، مع أهمية وضرورة إكرام اليتيم وتربيته. ولم يعترض الكافرون في ذلك الوقت على هذا الزواج ويثيروا الضجة لمعرفتهم بملابسات الأمر، مما يؤكد كذب هؤلاء المتأخرين.
وقائمة التزييف هذه التي يقوم بها المعترضون على الإسلام طويلة؛ منها قضية الزواج من السيدة عائشة والادعاء بأنها كانت طفلة لم تبلغ الحلم، مع أن هذا كذب، ودلائل نفيه كثيرة، وأهمها أن هذا الأمر لم يُثر في حينه مطلقا.
وشاء الله تعالى أن يجعل لخادم النبي صلى الله عليه وسلم نصيبا من اعتراضات مشابهة، إذ بدأ المعترضون المتأخرون يحاولون تزوير الأمور بهذه الطريقة الخبيثة التي تكشف عما تكنُّه قلوبهم السوداء وعقولهم العفنة. ومن أمثلة ذلك محاولة تزويرهم وتحريفهم لنبوءة انتصار الإسلام على الإلحاد والرِّدَّة في زمن حضرته، والتي سميت في حينه بنبوءة مرزا أحمد بيك وصهره، ويسميها هؤلاء بنبوءة الزواج من محمدي بيغم، مع أن أمر الزواج ليس صلبها وجوهرها، بل الأساس هو أن هذا الزواج هو وسيلة الرحمة أو العقوبة وفقا لملابسات الأمر وتفاصيله، وأن الأمر كله سيرفع فيما لو تابوا ورجعوا إلى الله تعالى وتركوا الإساءة للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تناولنا في حلقاتنا الأخيرة في هذا الشهر من برنامجنا “الحوار المباشر” هذه النبوءة أثناء سردنا لأحداث عام 1888م وقد اتضح جليا حقيقتها وملابساتها بعد أن ناقشناها وقدمنا الأدلة والقرائن.
كنا قد بينَّا في تلك الحلقات أنه بعد الجولات والصولات التي واجه فيها المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام المسيحية ثم الهندوس -وبخاصة فرقة الأريين منهم- وبعد انتصاره العظيم في المناظرات والتحديات، كان لا بد للالتفات إلى فئة من الملحدين من المسلمين، والذين كانوا يرون في الإلحاد تحضرا وتقدما، وأن الدين ليس سوى التخلف والرجعية، ولا بد من هجره وهجر تقاليده والرجوع إلى التقاليد المحلية كالتقاليد الهندوسية أو التقاليد الحديثة الواردة من الاحتلال الإنجليزي وثقافته، وكانت غالبية هؤلاء من أبناء العائلات الشريفة وذوي المكانة المرموقة، إذ أصبح دارجا أن هذه النزعة هي من لوازم التحضر. وتحالف هؤلاء المرتدون الملحدون مع الهندوس والمسيحيين في حربهم على الإسلام وعلى حضرته خاصة بصفته المدافع الرمز عن الإسلام، فجاءت هذه الآية تبكيتا لهم، ولتكون البداية في ظهور الآيات القاهرة لأئمة لأعداء الإسلام جميعا بعد إقامة الحجة عليهم، كمثل ليكرام الهندوسي وآثم المسيحي.
والقصة باختصار هو أنه كان من أئمة هؤلاء الملحدين أبناء عمومة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذين كانوا أبناء واحدة من أشرف عائلات الهند، وكان هؤلاء يعقدون مجالس يبالغون فيها في سب الله تعالى الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وإهانة القرآن الكريم، وكانوا ينكرون وجود الله تعالى بكل وقاحة قائلين إنه لو كان هنالك إله فلماذا لا يعاقبنا على أفعالنا هذه. وبلغ بهم الأمر أن نشروا إعلانا بذيئا بهذا المضمون في إحدى الصحف المسيحية وهي “نور أفشان” وتحدوا فيه المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بصفته ممثل الإسلام، وطلبوا أن تنزل آية عذاب بحقهم لو كان الإسلام حقا والله تعالى موجودا.
فما كان من حضرته إلا أن توجه إلى الله تعالى ودعاه وتضرَّع إليه، فأوحى الله تعالى إليه أنه سيضربهم بشتى الآفات ويجتثهم من فوق الأرض وينزل عليهم المصائب. ثم رأى حضرته رؤيا أن جدة عائلة مرزا أحمد بيك على وجهها آثار البكاء، وقال لها: توبي توبي فإن البلاء واقع على عقبك. وبالفعل بدأت الآفات تنزل عليهم، وحاصرتهم الديون، وتوفيت أختان لمرزا أحمد بيك. ثم ألجأتهم الديون إلى التفكير في بيع قطعة أرض يشترك حضرته فيها معهم، فجاءه مرزا أحمد بيك يطلب منه التنازل عن نصيبه. فما كان منه إلا أن وافق فورا، ثم وقع في روعه أن يستخير في الأمر ثم سيبلغه بما يوجهه به الله تعالى.
بعد الاستخارة كان أن أخبره الله تعالى أنه يريد أن يفتح لهم باب رحمة بعد بداية نزول العذاب عليهم، وأمره أن يطلب ابنته للزواج كما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه، والتي هي في عرف الإسلام بادرة حسن نية وقربة. ولكن خطة الرحمة الإلهية هذه أيضا تضمنت تأديبا وتربية لهؤلاء لكي يرجعوا إلى تقاليد الإسلام ويتخلوا عن تقاليد الهندوسية وغيرها، ويدركوا أن نجاتهم منوطة بأن يقبلوا الإسلام وتقاليده، وعند ذلك سيرفع عنهم العذاب وينالون الشرف. ففيما يتعلق بالهندوسية فإنها ترى أن الزواج من بنات العمات والخالات محرما وكان هؤلاء يأنفون منه، بل كانوا يعترضون على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه تزوج بابنة عمته السيدة زينب بنت جحش. ومن ناحية ثانية أيضا، فإنه وفقا للتقاليد الهندوسية فإن من أكبر الإهانات هو أن يرسل الخصم لخصمه طالبا يد ابنته؛ إذ يرون في هذا الطلب إرغاما للأنف وإساءة بالغة كانت تنشب بسببها الحروب. فلو نظروا إلى الأمر بمنظور الإسلام فسيفرحون بهذا الطلب، أما لو نظروا إليه بمنظور هندوسي فإنهم سيُجَنُّ جنونهم، وهذا ما كان للأسف، إذ تمسكوا بالهندوسية والإلحاد ورأوا الأمر إساءة بالغة لهم.
كانت هذه النبوءة تتضمن أنهم لو ركبوا رؤوسهم ورفضوا هذا العرض، وقام الأب بتزويج ابنته لآخر، فإنه سيموت خلال ثلاث سنوات من الزواج، أما الزوج فسيموت أيضا خلال سنتين ونصف من الزواج، ثم سيردُّ الله هذه الفتاة مرة أخرى لتتزوج بحضرته حتما بعد. أما إذا تابوا وتراجعوا عن كفرهم وإلحادهم، فإن هذا العذاب سيُرفع عنهم.
كتب حضرته رسالة إلى والد الفتاة وأخبره بأنه لا رغبة له بالزواج عموما ولا بابنته خاصة، فالنساء كثر ولم يكن ليرغب في أن يضيِّق الأمر على نفسه، ولكن هذا أمر الله تعالى، ولك أن تقبل أو ترفض، وحرص أن تكون هذه الرسالة شخصية. ولكن مرزا أحمد بيك ركب رأسه وقام بنشر هذه الرسالة في الجريدة المسيحية “نور أفشان” فأخذت هذه النبوءة صبغة العلن. وعندها أخذ المسلمون يراقبون ما سيجري في هذه النبوءة، وكانوا يترقبون أن ينتصر حضرته فيها، بل كانوا يدعون لأجل ذلك في مساجدهم كما تذكر بعض الروايات.
وباختصار، فقد زوَّج الأب ابنته لشخص آخر من الأقارب واسمه مرزا سلطان محمد، وذلك بعد أربع سنوات من تلك النبوءة، فما أن تمَّ الزواج حتى نزل به الموت بعد ستة أشهر من الزواج، فكان هذا سببا لرعب العائلة كلها الذين أدركوا أن النبوءة تتحقق، فبدأوا بالتوبة والتراجع، وكان على رأسهم مرزا سلطان محمد الذي كان ينبغي أن يحلَّ عليه الموت بعد مرزا سلطان أحمد. وبقي الجميع في وجوم وخوف وصمت حتى انقضت السنتان ونصف، عندها بدأ المسيحيون والهندوس وغيرهم يقولون بأن النبوءة لم تتحقق، إذ لم يمت مرزا سلطان محمد. فقال حضرته إنه لم يمت لأنه خاف وتاب، فاسألوه إن لم يكن الأمر على هذه الصورة فإنني سأقول أيضا أن النبوءة لم تتحقق. فحاول أعداء الإسلام إغراء مرزا سلطان محمد بالأموال كي يعلن أنه لم يخف، ولكن رفض ذلك رفضا قاطعا. فأعلن حضرته بناء على النبوءات أن زواجه من هذه الفتاة قدر مبرم إذا لم يتوبوا وهذا يتضمن أنه لو تراجع مرزا سلطان محمد عن هذه التوبة في أي لحظة فإنه سيموت ثم سيتزوج حضرته بهذه الفتاة حتما. ورغم ذلك لم يقم مرزا سلطان محمد بإعلان يتراجع فيه عن توبته.
وبعد وفاة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام كان لدى مرزا سلطان محمد فرصة أن يُثبت كذب هذه النبوءة بإعلانه التراجع عن توبته في أي وقت. فلو فعلها لأصبح مستحيلا الآن أن يتحقق الجزء المتعلق بزواج حضرته منها لأنه قد توفي، ولن يفيد مجرد موت مرزا سلطان محمد بعد التراجع عن التوبة، لأنه سيموت على كل حال. ولكن العجيب أن مرزا سلطان محمد ليس لم يتراجع فحسب، بل أعلن مرارا أنه يعتقد بأن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام شخصا بارا وصالحا وصادقا، وأنه لم يبايعه لبعض الأسباب الخاصة، ولكنه يقسم أنه أكثر إيمانا به من أتباعه على حد تعبيره. بل قد شجع ابنه وابن محمدي بيغم للبيعة ودخول الجماعة، وهذا الابن كتب يؤكد أن النبوءة قد تحققت بكل جلاء.
ثم لم يقتصر الأمر على ذلك، بل أعلنت محمدي بيغم بنفسها أنها رأت في المنام المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يبشرها بأن زوجها لن يموت في الحرب العالمية بعد أن سمعت بإصابته، فاطمأنت نتيجة لذلك، وثبت أنها كانت رؤيا حق أيضا.
ثم دخلت عائلة محمدي بيغم بأكملها تقريبا في البيعة، إذ بايعت أمها وخالتها التي كانت زوجة أخ حضرته وخالاتها الأخريات وعدد آخر من الأقارب الرجال أيضا، ولم يبق من العائلة إلا الأحمديون.
وهكذا، فلو كان الأمر مجرد ملاحقة لامرأة متزوجة – كما يحاول المعترضون المرتدون الجدد تصوير الأمر وبخاصة ذلك المعترض المرتد الذي خرج من الجماعة بعد طرده من عمله إثر ضبطه متلبسا في الخيانة والخزي- فهل كان أقرباؤها سيغضون الطرف عن هذه الإساءة البالغة ثم يدخلون في بيعة حضرته؟ ثم، لماذا لم ترتفع أصوات المسلمين وغيرهم في ذلك الوقت وتقول إنه من المعيب والمشين ملاحقة امرأة متزوجة والإصرار على أن حضرته سيتزوج بها مهما كلَّف الأمر. ثم لماذا لم يقل بهذا المعترضون في ذلك الوقت؟ هذه النقاط وحدها تثبت أن عرض الأمر بهذه الصورة ليس سوى الكذب والتزييف بعينه، مع العلم أن أمر الزواج كما أوضحنا لم يكن صلب النبوءة، بل أساسها تحدي هؤلاء الملحدين وتخويفهم بالعذاب لعلهم يتوبون، وهذا ما حصل.
أخيرا أقول إن كل ما ذكرناه موثَّق بالمصادر والمراجع والشهادات القطعية التي عرضناها بدقة متناهية، ويمكن لمن شاء أن يحضر الحلقات ليستمع إلى الموضوع بالتفصيل.
ما يقوم به هؤلاء ليس إلا مجرد طريقة بائسة اتبعها سلفهم من أعداء الإسلام والحق، الذين يعرضون الأحداث بصورة مشوهة مزيفة مزورة بأسلوبهم المنحط محاولين صدَّ الناس عن طريق الهدى، ولكنهم فاشلون، وبفعلتهم هذه يكشفون عن حقيقتهم وحقيقة قلوبهم التي شابهت قلوب الفاسدين المفسدين عبر التاريخ.

لا تعليق