عندما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المسيح الدجال، قال كلاما عجيبا لا بد من الوقوف للتأمل فيه، فبعد أن ذكر هذا الدجال قال:

{إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ} (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير)

فهل يمكن أن يكون المقصود من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس سيرون الدجال، والذي سيكون رجلا يتجوّل في الأرض ويقوم بالعجائب، ثم يظنون أنه هو الله؟!

والكلام الهام الذي يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لكي لا يقعوا في هذا الخطأ ويعتقدوا أنه هو إنما هو: أنه أعور والله ليس بأعور؟!

المسلمون، على اختلاف مذاهبهم، ومهما تباينت آراؤهم وكلامهم في ذات الله وصفاته، لا يؤمنون بأن الله تعالى يمكن أن يتجسد أو يُرى في هذه الحياة الدنيا، وهذه العقيدة الأساسية القوية وحدها تكفي لرفض أي مدعي ألوهية يبرز؛ حتى لو كان ذا عينين جميلتين سوداوين أو زرقاوين، فكيف بأعور!

لا يمكن أن يكون هذا هو المقصود.

الحقيقة أن خلف كلام النبي صلى الله عليه وسلم حكمة بالغة. وعند التأمل فيها سنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بالفعل قولا هاما وقاطعا لتبكيت هذا الدجال، وأنبأ عن فساد يكون وحده كافيا لكي يدرك الناس أنه دجال؛ أي كذاب ومموه.

ولكن أولا؛ من هو الدجال؟ إذا أعرضنا عن الأفهام الخاطئة الخرافية التي يراد فرضها على النصوص، فإن معرفة الدجال الذي لُقِّب بـ “المسيح الدجال” لا يحتاج إلى جهد كبير، بل السر موجود في الاسم نفسه؛ فهو “المسيح” أي الذي يدعي الانتماء إلى الديانة المسيحية، و”الدجال” أي الكذاب المموه الذي يحاول ترويج الباطل محاولا إلباسه لباس الحق. فهو باختصار المسيحية الكاذبة المحرفة ومن يقوم عليها.

وزيادة في التوضيح بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن للدجال علاقة مع سورة الكهف، بحيث من حفظ العشر الأوائل عصم من فتنته:

{مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ } (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها)

وفي العشر الأوائل نرى حمدا لله على كمال القرآن الكريم وعقيدة الإسلام الخالية من العوج، وبشرى للمؤمنين بانتصار سيبقى لفترة من زمن، ثم إنذار للذين “قالوا اتخذ الله ولدا”، وأن هؤلاء ليس لهم بذلك من علم، وكلامهم كله في ذات الله ليس إلا كذبا.

{ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (5) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } (الكهف 5-6)

وعودة إلى وصفه بالأعور في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فبالنظر إلى معاني أعور في اللغة العربية (والتي هي صفة مشبهة من الفعل “عور” وجميع المعاني تدور حول ظهور العيب والعورة)، ندرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختزل أمورا متعددة عن عقيدتهم في الله تعالى من خلال امتلاكه صلى الله عليه وسلم لجوامع الكلم. فالأعور في اللغة -إضافة إلى المعنى المعروف والذي يعني أنه فاقد لإحدى عينيه بصفته عيبا بارزا واضحا جليا في وجهه- يعني من ظهرت عورته أو مكان ضعفه أو خزيه وانكشفت فهو أعور؛ لذلك يقال أعورَ الفارس أي انكشف وبدا فيه موضع خلل للضرب والطعن، وأعورَ البيت أي بدا فيه موضع خلل يخشى دخول العدو منه، والأعور الرديء في كل شيء، والشخص الأعور هو الذي لا ينجز إلا ما هو سيئ ورديء، والدليل الأعور هو الدليل سيئ الدلالة، والأعور الكتابُ الدارسُ أي الذي لم تبق فيه فائدة، من المعاني أيضا من ليس له أخ من أبويه، وكذلك من المعاني الغراب.

وهكذا فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك عوارا وعيبا كبيرا في عقيدتهم في الله تعالى. فالله تعالى المنزه عن الشريك يجعلونه عبارة عن ثلاثة آلهة مشتركة في كيان واحد مزعوم، ويسمون هذه الآلهة (التي يقولون إنها مستقلة بذاتها وغير منفصلة عن غيرها!!) أقانيم، أحدها أبا والآخر ابنا والثالث الروح القدس، ويعتقدون أنها كلها متساوية! فهذه معضلة عقلية لا سبيل إلى حلها. بخلاف التنزيه في العقيدة الإسلامية الذي يقول:

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (2) اللَّهُ الصَّمَدُ (3) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (4) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } (الإِخلَاص 2-5)

وأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الشورى 12)

وهم الذين عندهم يتجسد الإله، ولا بد أن يتجسد، ولكن لماذا؟ لكي يرحم الخلق! فلماذا لا يرحمهم تلقائيا؟ لا.. فهناك قانون يحكم هذا الإله، ولا يستطيع أن يرحم هكذا، بل لا بد من أن يرحم بقبض الثمن! وقد اختار أن يدفع الثمن بنفسه بأن يتجسد في صورة إنسان ويُعذَّب ويصلب على يد الأشرار، ويموت ملعونا ويدخل الجحيم لثلاثة أيام، وهذا لكي يرحم الناس ويغفر لهم!

فهذا الإله لا يتجسد لكي يظهر جلال الألوهية مثلا في أعماله، بل ليصبح إنسانا مغلوبا على أمره!

فماذا بقي من الألوهية بعد هذا التصور؟

وإذا كان الإله ليس كيانا واحدا بداية، فإلى أي أقانيمه أتوجه بدعائي وصلاتي؟

وإذا كان هو الأب والابن وروح القدس، وهو الأب وحده، وهو الابن وحده، والابن يساوي الأب! فإذا كان الاثنان متساويين، فلماذا أصبح أحد الأقانيم أبا والآخر ابنا؟ إن تسمية أحد بالأب يعني أن لديه قِدَما ومنزلة فوق الابن، بما أن الابن ينبثق من الأب. فلو كان الأب والابن متساويان، فلماذا صار أحدهما أبا والآخر ابنا؟ ثم لماذا الابن المتجسد يتوجه بالصلاة لأبيه ويأمر الناس بالصلاة لأبيه، ويقول بأنه لا يعلم الساعة وعلمها فقط عند أبيه {وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ.} (إِنْجِيلُ مَتَّى 24 : 36)؟ فأين التساوي هنا؟ وهل كان يعتقد الابن بنفسه بأنه إله، بل ومساوٍ لأبيه؟ ألم ينكر بنفسه الألوهية ويقول إنكم أنتم تقولون ذلك عني، ولكني لا أقول عن نفسي أني ابن الله بمعنى الألوهية وإنما بنفس المعنى المجازي الذي ورد في كتبكم أنكم آلهة!

{أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا» 34أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ 35إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 10 : 33-35)

وبالنظر إلى باقي معاني الأعور؛ نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بأن هذه العقيدة متناقضة ومتهالكة وعوراء ومعيبة وتسيء إلى الله تعالى، وهي رديئة بحد ذاتها، ولا تنجز إلا شيئا سيئا ورديئا ولها مردود فاسد جدا على الفكر والسلوك، وهي سيئة الاستدلال. وهي عقيدة تجعل من يدافع عنها مكشوفا ومعرضا للطعن بكل سهولة. ونظرا إلى أن من معاني الأعور هو الذي لا أخ له هو أنها فريدة لا يوجد لها سابقة من قبل؛ ليس في مجرد الادعاء في أن أحدا هو ابن لله، وإنما في القول بأن الله قد تجسد حقيقة في هذا الابن، فهذا لم يكن في تاريخ النبوة والأنبياء من قبل مطلقا. ونظرا إلى أن من معاني الأعور الكتاب المتهالك الذي لا خير فيه، فهذا يشير إلى أن الكتب التي تحاول تقديم هذه العقيدة دارسة أي لا خير فيها ومهلهلة المضمون. أما أنها كالغراب، فهي عقيدة سوداء لا تدل على خير، كما أن الغراب لا يدل إلا على الخراب.

الخلاصة، ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم هو أن النظرية المسيحية تقدم إلها معيبا، ونظرية متهالكة لا دليل عليها، وتستخدم أدلة سيئة الاستدلا، حول الإله تجعله عرضة للطعن، وتسيء إلى مقام الألوهية أيما إساءة، فانتبهوا! فمن جاء بذلك إنما هو الدجال.

إنني أشعر بالشفقة أحيانا عندما أرى أحدا يدافع عن عقيدة الثالوث ويحاول أن يعقلنها أو يمنطقها، فهذا يجعله فورا أمام جملة هائلة من الاعتراضات العقلية المنطقية. هذا إضافة إلى أن هذه العقيدة لا تحافظ على جلال الألوهية في القلوب، والتي هي أمر في غاية الأهمية لحصول الإنسان على السكينة والطمأنينة المطلوبة، والتي جاء الدين من أجل تحقيقها، ناهيك عن الأضرار الكثيرة المرتبطة بها والتي تمس جميع جوانب الحياة، وقد أثَّرت في تاريخ العالم تأثيرا سلبيا، وأدت إلى سفك الكثير من الدماء، كما أثَّرت على فكر وسلوك وحياة ملايين بل مليارات البشر، ولا تزال، وليس هذا المجال لتبيان هذه الآثار.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *