في مشهد يجمع الصلف والاستكبار مع الحمق، وقف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت ليعلق على حرب بلاده على إيران، مقدما ما يجري بأنه فشل لنبوءات الإسلام الوهمية! فما هي نبوءات الإسلام الوهمية هذه؟ وما هي نبوءاتهم هم حول مستقبلهم، وهل ستتحقق؟
هذا الشخص الذي وشم على ذراعه “كافر” بالعربية، هو من أهم منظري الإسلاموفوبيا في أمريكا، وهو مسيحي صهيوني متعصب، اختاره ترمب وغيَّر معه اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، معترفا ومقرا بأنهم لن يحاربوا دفاعا مقابل عدوان قائم أو محتمل، بل إنهم سيشنون الحرب لتحقيق أهدافهم، التي هي في الحقيقة ما ينبغي أن توصف بالأوهام؛ تلك الأوهام المسيحية الصهيونية واليهودية التي تريد تفجير العالم وإحراقه بناء على نبوءات عندهم متعلقة بعودة المسيح والأرض الموعودة وغير ذلك من الخرافات المرتبطة بها. وهو بنفسه كان قد وقف في عام 2018 في زيارته للقدس آنذاك، ليدعو إلى تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث هناك.
وقبل ذلك، كان السفير المهرج مايك هاكابي قد صدم العالم في مقابلته مع تاكر كارلسون -الذي كان هو بنفسه من أبرز دعاة الإسلاموفوبيا إلى أن أفاق بصدمة إجرام إسرائيل وأمريكا في غزة- ليقول إنه لا بأس في أن تتمدد إسرائيل على رقعة الأرض الموعودة في التوراة حسب زعمه، ثم ليقول إن إسرائيل في الوقت الحالي لا تسعى لذلك؛ أي أن كل ما قامت به إسرائيل من جرائم منذ قيامها ليس مبررا فحسب، بل هو علامة على كرم أخلاقها، لأنها لم تتمدد على المساحة التي تستحقها! بل إن جيشها المجرم هو الأكثر أخلاقية في العالم والذي لم يستطع الجيش الأمريكي أن يتحلى بأخلاق ترقى إلى مستواه في حروبه!
ومن قبل، كان ترامب -الذي وصفه أحد المحللين الأمريكيين بأنه الصورة الكاملة لكل ما نحاول إقناع أطفالنا ألا يصبحوا كمثله؛ فهو كذاب وسارق ومغتصب ووقح وبغيض وغير ذلك. وفي الواقع يصعب العثور على خصلة حسنة واحدة عنده- كان قد صرَّح في لقاء تلفزيوني في ولايته الأولى بأن لديه مشكلة مع “الإسلام”! وقال: “أعتقد أنه يكرهنا”!
فما معنى أن الإسلام يكرههم؟ ومن هو الإسلام المقصود الذي يحب ويكره؟ هل يقصد بالإسلام المسلمين جميعا؟ ومن هم هؤلاء الذين يكرههم الإسلام؟
وباختصار، فإن هؤلاء وما يمثلونه إنما يدعون أن الإسلام يأمر المسلمين بكراهية غير المسلمين ويريد قتلهم جميعا لأنهم كفار! ويريد أن ينتشر بالقوة ويفرض نفسه على الشعوب والأمم بالجبر والإكراه، وأن المسلمين موعودون بأن يحوزوا هذه القوة الطاغية وينطلقوا لمحاربة العالم! ولهذا فلا أمل في أي نوع من السلام أو العلاقات الطبيعية مع المسلمين، ولا بد من القضاء عليهم وإخضاعهم في كل مكان، لأنهم يفكرون في العدوان وسيقضون علينا لو امتلكوا القوة!
وهذه كلها أكاذيب لا أصل لها، بل إن بعض الفئات المتطرفة في المسلمين ممن يحملون فكرا يطابق نسبيا ما يقولون لم ينشأوا إلا بدعمهم، وهم بالأصل متأثرون بأفكارهم التوراتية والمسيحية المتطرفة التي تسربت إليهم، والتي عُرفت في التراث الإسلامي باسم الإسرائيليات المدسوسة. فما يحاولون نسبته إلى الإسلام إنما هو فكرهم ومعتقداتهم وموقفهم تجاه المسلمين وغيرهم ممن يخالفونهم في الدين، ثم يهاجمون الإسلام محاولين تجاهل أنها افكارهم هم في الأصل! بل هم اليوم يطبقونها ويصرحون بها دون خجل!
أما نبوءات الإسلام الحقيقية فتقول إن هذا الزمن إنما هو زمن استعلاء المسيحيين الذين يحملون المسيحية المحرفة التي لا علاقة لها بالمسيح عليه السلام، والتي سميت في تراث الإسلام بفتنة “المسيح الدجال”. هذا المسيح الدجال الذي سيرعى اليهود وتنشأ في ظله وبقوته دولتهم في فلسطين، وسيتحقق لليهود علو كبير ويمتلكون قوة عسكرية كبيرة، هي في الواقع قوة تلك الأمم الدجالية التي والتي سميت أيضا بـ” يأجوج ومأجوج” في القرآن (الكهف 95، الأنبياء 97) والحديث (البخاري ومسلم) بل وفي التوراة، وجاء في الحديث أنها ستكون قوة طاغية بحيث {لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ} (صحيح مسلم, كتاب الفتن وأشراط الساعة) أي لا يستطيع أحد أن يقاتلهم، ومن يقاتلهم سيسحق سحقا. ولكنهم في النهاية سيشتبكون و{يَمُوجُ بعضهم فِي بَعْضٍ} (الكهف 100) كما يقول القرآن الكريم، وستكون بينهم مقتلة كبيرة، وسينزل عليهم عذاب سماوي أيضا، بحيث تملأ جثثهم السهول والوديان. وبهذا أيضا سيزول كيان اليهود الإجرامي وسيظهر للعالم قبح وجوههم وسوء تعاليمهم العنصرية التي جلبت للعالم الدمار، وهو ما عبَّر عنه القرآن بـ {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } (الإسراء 8)، وكل ما بني من الأكاذيب والأضاليل والمؤسسات والحركات القائمة عليها ستتدمر وتتبر تتبيرا، وسيكون يوم خزي عظيم للمسيح الدجال ولليهود، الذين خلقوا المسيح الدجال وعملوا على تحريف المسيحية منذ زمن بولس في البداية، ثم سخروها في النهاية لتصل إلى ذروة خدمتهم بإنشاء المسيحية الصهيونية القائمة على أوهام إعادتهم إلى فلسطين لينزل المسيح الرب ويحكم العالم! فهذه هي أوهام المسيحية الدجالية اليهودية الصهيونية، وهذا الذي يحركهم اليوم، في غفلة من الشعوب التي تخسر مقدارتها ويُعبث بمستقبلها بسبب هذا الوهم الإجرامي.
أما فيما يتعلق بانتشار الإسلام، فقد أنبأ القرآن الكريم والحديث الشريف بأن الله تعالى سيبعث نائب النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في سورة الجمعة {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } (الجمعة 4)، والذي هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته الذي يعيد الإيمان إلى الأرض، ويسمى بالإمام المهدي أو المسيح الموعود، والذي سيقول لهؤلاء الذين ينتظرون المسيح الوهمي الذي صنعوه من أكاذيبهم، إن المسيح عيسى بن مريم لو كان حيا ونزل فلن يكون إلا خادما للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه النبوءة تتعلق به هو بصفته مثيله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه قادم اليوم بغير قوة عسكرية ولا سياسية، فهو لن يأخذ الجزية لأنه لن يكون سلطانا محاربا كما كان حال السلاطين في صدر الإسلام الذين اضطروا للدفاع عن أنفسهم في حروب دينية، وهو لن يسعى لإنشاء كيان سياسي، بل يأمره الله تعالى أنه في وقت وجود يأجوج ومأجوج -الذين ينسلون من كل حدب ويمتلكون كل القوة على وجه الأرض ولن يستطيع أحد قتالهم بتقدير إلهي- مأمور أن يحرِّز المؤمنين إلى الطور (صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة) أي إلى العبادة والرجوع إلى الله تعالى، وعدم محاولة القضاء على يأجوج ومأجوج بالقوة، وهذا لأن الله تعالى يريد أن ينتصر الإسلام والمسلمون في حال الضعف وقلة الحيلة بالحجة والبرهان وبقوة جمال الإسلام وثبوت صلاحية تعاليمه، لكي لا يدعي هؤلاء الدجالون كما يدعون اليوم، أن الإسلام في نهضته ونشأته الثانية انتشر بأي نوع من القوة المادية، كما يفترون عليه في الفترة الأولى. لهذا سيكون المسلمون مسلوبي القوة تماما بالقدر الإلهي، ومع ذلك سينتشر الإسلام يسود العالم بعزِّ عزيز أو بذل ذليل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (مسند أحمد، كتاب مسند الشاميين). وبالطبع فلا يعني هذا أن المسلمين ينبغي أن يستسلموا فيما لو اعتدى أحد عليهم، بل واجبهم الدفاع عن أنفسهم ما استطاعوا، ولكن لا ينبغي أن يفكروا في القضاء على الدجال وقواه اليأجوجية والمأجوجية بالقوة، بل يتركوا الأمر لله، لأنهم سيدمرون بعضهم بعضا في النهاية.
وفيما يخص فلسطين، فهي ظل للمسألة برمتها، وهي سترجع بعد زوال هذه الفتنة، وعندما ينصلح حال المسلمين ويتوحدوا ويؤمنوا بهذا المبعوث، ولا يمكن أن تتحرر بأي جهد، لا على مستوى مقاومة داخلية، ولا حتى لو اجتمع المسلمون اليوم بكل قوتهم لتحريرها، لأن القدر الإلهي يعاكس ذلك. فعندما ينفذون ما هو مطلوب منهم سيرثون الأرض تلقائيا {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ } (الأنبياء 106-107).
فلو اطلع ترامب ومن معه على حقيقة نبوءات الإسلام، لأدركوا أن ما يحدث معهم يسير تماما وفق النبوءة، لا أن الله تعالى -الذي يفترضون أنه المسيح عيسى بن مريم المسكين، عبد الله ورسوله، العبد المغلوب على أمره- معهم وهو الذي زودهم بهذه القوة ليكونوا منفذي إرادته على الأرض! بل الحقيقة أنهم يسيرون نحو دمارهم وزوالهم وفق النبوءة الإسلامية، وسيدركون في النهاية أن اليهود الذي قادوهم إلى هذا الدمار هم أعداؤهم الحقيقيون، الذين تحالفوا معهم رغم أنهم أعداء المسيح وكارهوه ومكذبوه إلى يومنا هذا، وأنهم حولوهم بتحريف المسيحية الذي بلغ ذروته في المسيحية الصهيونية إلى أن يعبدوا اليهود وإسرائيل بعد أن كانوا يعبدون إلها يهوديا! وانجروا خلفهم بكل غباء، وعادوا من يكرمون ويحترمون المسيح، واقتنعوا أنهم أعداءهم ويكرهونهم، رغم أنهم قد أكرموا المسيحيين على مدار تاريخهم، وحافظوا عليهم وعلى كنائسهم وعاملوهم خير معاملة. وليس أبلغ من وصف القرآن لهم بـ”الضالين”، والذي يتضمن أيضا نبوءة أنهم سيهتدون في يوم من الأيام بعد أن يكتشفوا الحقيقة، ويعرفوا أن المغضوب عليهم بسبب جرائمهم قد عبثوا بهم لقرون طويلة.
أما المسلمون أيضا، فينبغي أن يصححوا بوصلتهم بناء على النبوءات الحقيقية في الإسلام، لا بناء على أمانيهم أو الأفكار المنحرفة المتسربة لهم من الإسرائيليات، والتي منها قدوم المهدي الدموي الذي سيقاتل الناس ليجبرهم على الإسلام، أو أن نزول المسيح يعني نزول عيسى ابن مريم بنفسه من السماء ليكون نبيا لهم بعد خاتم النبيين، بدلا من أن يفهموا أن المقصود هو بعثة شخص من الأمة على قدم المسيح يكون مثيلا له، ولا يكسر ختم النبوة ولا يأتي بنبوة جديدة ولا قديمة، ويثبت أن المسيح الحق الذي ينتظره المسلمون والمسيحيون واليهود، كل وفق تصوره، قد ظهر في الإسلام، وجاء ليؤكد أن الإسلام هو الدين الحق الذي قدّر الله له أن يظهر على الأديان كلها وينتشر بقوة صدقه وبقوة تعاليمه وبالقوة القدسية للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان ولا يزال سراجا منيرا سيستمر في هداية البشرية إلى يوم القيامة.


لا يوجد تعليق