أين أخفقت إيران وأين أخفق العرب؟ وماذا عن النموذج التركي؟

1

الحال البائسة التي نحن عليها اليوم، وما آلت إليه الأمور، وما يدور من أحداث تجلب الدمار والخزي للأمة، ينبغي أن تدفعنا لمراجعة مواقفنا وإدراك مسئولياتنا وأخطائنا التاريخية.

بداية، كان يمكن للمشروع الإيراني أن يكون مشروع نهضة لإيران وللعالم الإسلامي فيما لو كان مبرأ من العقلية المذهبية التي عززت العنصرية والاستعلاء وحولتها إلى دين، وجعلت قيام علاقة طبيعية مع العالم العربي غير ممكنة، لأنها تتعارض مع الدين من وجهة نظر المذهب!

فالتشيع الذي يُرى ظاهريا على أنه تشيع لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقوم على أن العرب قد خانوا النبي وآل بيته، وأنهم يناصبونهم العداء، وهم ليسوا سوى مجموعة من المنافقين الذين لا علاقة حقيقية لهم بالإسلام. وهذا الطرح الذي هو في الحقيقة من دسائس اليهود، قد وافق النزعة القومية الشعوبية الفارسية، التي نظرت إلى العرب على أنهم من قضى على الإمبراطورية الفارسية وأخضعها، رغم أنهم قوم همج محتقرون!

وقبيل الثورة الإسلامية، كانت هذه النزعة وهذه النبرة من الاستعلاء واضحة في فترة حكم الشاه، الذي كثيرا ما كان يعبر عن احتقاره للعرب، وكانت إيران قد اتجهت حينها اتجاها علمانيا مواكبا للغرب، وكانت تحاول نزع نفسها أصلا من الصلة بالتراث الإسلامي، ولكن هذه المحاولة قد أخفقت بسبب تجذر الدين في المجتمع الإيراني. ومع شديد الأسف، فإن قيام الثورة الإسلامية التي بدت وكأنها استجابة لرغبة الشعب في الارتباط بالإسلام، لم يعمل على إزالة هذه المشاعر والعمل على رأب الصدع وإقامة علاقة أخوة واحترام مع الشعوب العربية، بل نظرت إيران إلى العرب كهدف للهيمنة ونشر التشيع كوسيلة للنفوذ. فتوافق التعليم المذهبي مع الشعور القومي، وكانا دوما البوصلة لسياسات إيران. ومرجع ذلك هو الرعب من الاندماج والذوبان في المحيط والثقافة العربية، وهذا الرعب قد عزز القومية الفارسية، وجعلها تبدو وكأنها مسألة حياة أو موت.

أما العالم العربي، فإن الحس القومي العربي الجامع كان ضعيفا منذ البداية، وهذا بسبب أن الإسلام السني ليس قائما على معاداة أحد، كما أن الأمة العربية تدرك أنها لن تزول ولن تتلاشى بسبب صلتها بالإسلام الذي يضمن لها وللغتها وثقافتها البقاء، وعندما بدأت الحركات القومية وكسبت زخما بعد الثورة في مصر، قاومتها الحركات الدينية السنية وعدتها وكأنها موجهة للأخوة الإسلامية، وسعت لتكفير هذه النزعة. ولا شك أن مقاومة القومية العربية قد وافق رغبة أعداء العروبة والإسلام من الغربيين، خاصة وقد تكشف دعمهم التاريخي لهذه الحركات وتشجيعها أو على الأقل رضاهم عنها. ومع ضعف تيار القومية العربية، بدأت الدول العربية تنكفئ على نفسها وتفكر في مصالحها الضيقة الخاصة وتحاول الحفاظ على قطريتها، مما جعلها فريسة سهلة للنفوذ الغربي، كما حدثت تناقضات كانت قد أفضت إلى حروب عربية أو عداوات طويلة الأمد وانعدام ثقة بين الأقطار العربية. ومع أن الفكر السني التقليدي الذي من حسناته أنه أقرب إلى حقيقة الدين والنظرة الإنسانية المبرأة من العنصرية، والذي ليس قائما على أفضلية العرب أو على حقدهم على شعوب أخرى، إلا أنه لعب دورا في إضعاف القومية العربية والتلاعب بالنظام العربي، خاصة بعد أن أصبح ألعوبة في يد الغرب أحيانا وداعما لسياسته ومعلنا الجهاد لأجل مصالحه! أو أصبح بوقا للأنظمة العربية القطرية التي تريد أن تحافظ على قطريتها ولو على حساب النظام العربي والأمن العربي المشترك.

والواقع أن الفكر السني يحتوي مبادئ عظيمة راسخة تؤدي إلى السلام العالمي بالتركيز على الأخوة الإنسانية ضمن نطاق الإسلام ونبذ العنصرية والإقليمية والانتماءات الضيقة، وعلى السلام المجتمعي والتي من ضمنها في هذا الحانب تحريم الخروج على الحاكم -أو على نظام الحكم عموما وضرورة طاعته- في غير معصية الله. ولكن النظام القطري العربي بالغ في استغلال هذا المبدأ لترسيخ شرعيته ومحاولة تحصين نفسه من المساءلة، مما أدى إلى انفجار أحيانا وخروج حركات توجب الخروج بعد إعادة تعريف المعصية، وبعد تحريف المبادئ كقولهم بضرورة أن يكون الحاكم مسلما، وفي معايير كونه مسلما أم لا، ولكن في النهاية، لم تفلح هذه الحركات المتطرفة في تحريف الإسلام السني ومبادئه عند العموم.

أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية خاصة كجزء من النظام العربي، فمنظمة التحرير الفلسطينية عملت على تحويلها إلى قضية قطرية وتصرفت وكأنها حكومة أو نظام عربي كسائر الأنظمة، وهكذا حررت النظام العربي من مسئولياته، مع أن الخطر الإسرائيلي محدق بالجميع ولا يخص فلسطين وحدها، كما بدأ يتضح بوضوح هذه الأيام. أما حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين، فقد حاولت إعطاء نفسها الشرعية من الدين في الخروج على القيادة الفلسطينية، وتحالفت مع إيران على أساس ظاهره الدين، ويستند إلى المبدأ الجميل في الفكر السني الداعي للأخوة الإسلامية، ولكنه بالنسبة لإيران، بالمقام الأول، ليس سوى بؤرة نفوذ وورقة ضغط في السياسة الإيرانية. ولا يمكن أن ننكر أن الشعور الإسلامي بنوع من الأخوة الإسلامية يعمل في العلاقة الإيرانية الفلسطينية، ولكن الفكر الشيعي لا يمكن أن يسمح بعلاقة أخوة كاملة وحقيقية على المدى الطويل، وأكثر ما يمكن أن تصل به العلاقة بين العرب وإيران ليس سوى التبعية. أما في لبنان، فإن الشيعة كانوا منخرطين في الكفاح ضد إسرائيل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بعيدا عن المذهبية، ولكن مع قيام الثورة الإيرانية وإرسال الإمام الصدر إلى لبنان، بدأ الفرز، ونشأت الحركات المسلحة لتكون أذرعا للنفوذ الإيراني بالدرجة الأولى وتستمد شرعيتها من مقاومة إسرائيل. وبالمقابل، فإن بقية اللبنانيين لا يشكلون مشروعا قطريا موحدا أصلا، ناهيك عن رغبتهم في الاندماج في القومية العربية. فمع أن السنة والدروز ومعهم الفلسطينيون حاولوا جعل لبنان جزءا من النظام العربي، فإن المسيحيين وبخاصة الموارنة رأوا أنفسهم خارج القومية العربية، وبدأوا يتصرفون بانعزال عن المجتمع والمحيط العربي، بل ورأوا أن مصلحتهم عند إسرائيل والغرب! أما سوريا، فمن أجل بسط نفوذها على لبنان، فقد دعمت الانعزاليين ومنعت سقوطهم بعد أن أوشكوا على الهزيمة النهائية، وتناسى النظام السوري الذي يدعي أنه نظام قومي عربي يحلم بوحدة العرب جميعا، أن هذا التصرف يناقض تماما المصلحة القومية. ولم يكن مطلوبا اجتثاث المسيحيين بالطبع، ولكن كان المفروض أن تعمل الدول العربية على ترسيخ الوحدة بين أفراد الشعب اللبناني على أساس قومي عربي جامع، ولكن سعت الدول العربية إلى تمزيق النسيج اللبناني من خلال نفوذها وأموالها، وأصبح لبنان في حال يرثى لها وفي أزمة من الصعب الخروج منها. وحاليا يعيش بين نظام يدعي رغبته في السيادة وفي نهضة البلاد -مع أنه عاجز تماما ولا يمتلك أيا من مقومات السيادة دون الانخراط في القومية العربية والدعم العربي الذي لا وجود له حاليا مع الأسف- يتنازع مع النفوذ الإيراني الذي ظاهره مقاومة إسرائيل!

أما تركيا، فقد استفادت من الفكر السني الذي يؤمن بالأخوة الإسلامية، وحكمت البلاد العربية لأربعة قرون، وأدخلت العالم الإسلامي في حروب كانت عبثية أحيانا، بل كانت تخالف حقيقة الإسلام. فالإسلام لا يطلب غزو الشعوب لمجرد أنها غير مسلمة كما كان يرى العثمانيون والمغول في الشرق. وكانت النتيجة أن البلاد التي غزتها الدولة العثمانية ليس لم تتحول إلى الإسلام فحسب، بل تعمقت فيها الكراهية للإسلام بسبب الغزو التركي، وبسبب عدم تحلي الأتراك بالأخلاقيات الإسلامية التي كان يمكن أن تنشر الإسلام وترسخه، كما كان حال المسلمين بعد سقوط الدولة الفارسية. وخلال القرون الأربعة تضاءلت القومية العربية، بل في القرن الأخير بلغ بالعثمانيين الجرأة بأن يحاولوا تتريك العرب! وبالطبع أدت هذه القرون إلى ترسيخ الجهل والفقر في العالم العربي، وتركته ضعيفا ومجرد لقمة سائغة في فم الغرب الذي تقاسمه كتركة لرجل أوروبا المريض، وهو الاسم الذي كان يطلقه الأوروبيون على الدولة العثمانية حينها.

وبعد أن استطاعت تركيا الحفاظ على نفسها بعد أن أوشكت على السقوط هي ذاتها تحت نير الاستعمار الأوروبي، وقبيل ذلك بقليل، ظهرت فيها نزعة معادية للإسلام، وظهر فيها عَرَض تقليد المغلوب للغالب الذي ذكره ابن خلدون، وحاولت أن تعرف تركيا نفسها على أنها دولة أوروبية، وحاولت نزع نفسها من تاريخها الذي لا يمكن فصله عن الإسلام؛ حيث إن الإسلام هو العامل الحقيقي الذي أدى إلى تشكيل الأمة التركية، بل ظهرت حركات قومية تركية تقوم على كراهية العرب واحتقارهم! فمع أن الأتراك يتحملون المسئولية التاريخية في هزيمة المسلمين وفي الواقع العربي المتشظي الهزيل إلا أنهم بدلا من إدراك هذه المسئولية قد بدأوا بمعادة العرب، وارتبطوا بعلاقات قديمة مع الكيان الغاصب إسرائيل، والتي استولت على أرض كانت تاريخيا تحت حكمهم لأربعة قرون، وهم من يتحملون مسئولية أساسية في سقوطها بأيديهم.

ولكن، وبسبب الحسنات في الإسلام السني التي أشرنا إليها، لم تستطع الحركات القومية ترسيخ الكراهية تجاه العرب وجعلها جزءا من الدين، كما حدث في الإسلام الشيعي في إيران، بل ولم تكن تفكر في هذا. ومع خيبات الأمل من أوروبا التي لم تسمح بأن تصبح تركيا جزءا من نظامها الأوروبي، فقد أسهم الإسلام السني في إعادة ربط الأتراك بالأخوة الإسلامية، واستطاع حزب إسلامي أخيرا أن يصل إلى السلطة بعد محاولات عديدة من العلمانيين القوميين الأتراك عرقلة ذلك على مدى عقود، منذ إسقاط عدنان مندريس بانقلاب عسكري وإعدامه، إلى حل حزب نجم الدين أربكان ونزع الشرعية عنه، إلى محاولة الانقلاب على أردوغان.

والحقيقة أن الهاجس الوحيد الذي يلعب دورا كبيرا في السياسة التركية هو الملف الكردي، الذي بلا شك قد استخدم من قبل الغرب لشق الصف الإسلامي في تركيا وفي البلاد العربية وإيران. ولا شك أنه من الواجب إعطاء الأكراد حقوقهم والحفاظ على هويتهم وثقافتهم، وأن هناك ظلما تاريخيا قد لحق بهم، ولكن نزعة الكراهية للعروبة بل وحتى للإسلام بدأت تنشأ فيهم، وهذا ليس في مصلحتهم ولا في مصلحة الوحدة والتعاون الإسلامي. وهكذا فإن الملف الكردي يوجه السياسة التركية تجاه العالم الإسلامي بصورة كبيرة، ويشغل كل من العرب والأتراك بل وحتى الأكراد عن ضرورة التعاون الإسلامي المشترك، إذ جعل الأكراد في تناقض وكراهية مع كل من العرب والأكراد بل وحتى الإيرانيين. ولا بد للشعوب الإسلامية أن تحل هذه المعضلة من أجل تقدم العالم الإسلامي وتعاونه، وإلا ستبقى عائقا مشغلا عن القضية الإسلامية الجامعة. خاصة وأن الأكراد يتعرضون لحملات وأفكار تحاول نزعهم من الأمة الإسلامية، وتحاول أن تحمل الإسلام والعرب والترك والفرس المسئولية عن ظلمهم، علما أن كثيرا من المظالم المزعومة مصطنعة، وأن هناك نزعة كردية تريد السيطرة خارج حدود مناطق الأكراد وفوق ما يستحقون من حقوق.

وهكذا فإن الموقف التركي، وإن كان يملك مقومات تعزيز التعاون الإسلامي بصورة أكبر، إلا أنه منشغل بالملف الكردي من ناحية، كما أن من واجبه مقاومة نزعة الكراهية للعرب خاصة، والتي تولدت في فترة الاستقلال من العلمانيين المحبين لتقليد الغرب، مع أن هؤلاء ينسون أنهم مدينون للعرب في الحقيقة في كل ما يخص الأمة التركية التي لم تكن لتنشأ ولا لتزدهر لولا الإسلام الذي حمله العرب إليهم، وما كان يمكن أن تستقر في البلاد العربية وتأخذ الشرعية في العالم لولا رضا العرب عن الحكم التركي والنظر إليهم بنظرة الأخوة. فكلما زالت هذه الكراهية، ونشأت رغبة صادقة لدى الأتراك في التعاون -وخاصة بعد الإحباطات والخذلان الذي ينبغي أن يقنعهم أنهم لا ينتمون للغرب ولا لأوروبا بل لمحيطهم الإسلامي- فإننا قد نقترب من مستقبل أفضل لتركيا والعالم الإسلامي على طريق الوحدة.

وباختصار، لا بد للبلاد العربية أن تدرك أن القومية العربية المبرأة من أي نزعة استعلاء أو عصبية -كأساس للوحدة العربية- ضرورة لا غنى عنها لنهضة العرب، والجميل أنها ليست موجهة ضد أحد، ولا تقوم على كراهية أحد، ولا تتناقض في الأصل مع الأخوة الإسلامية الجامعة بل تعززها. وأن من حسن حظ العرب، بأن غالبيتهم ينتمون إلى الفكر السني الذي لا يحول دون ذلك ولا يعيقه. أما في إيران وفي العراق وفي شرق الجزيرة العربية، فعلى الشيعة أن يدركوا أن كراهية العرب عند الفرس وكراهية السنة عند العرب الشيعة عائق أساس في الوحدة والتضامن والتكافل الإسلامي لا بد من اجتثاثه بالعقل والحكمة. وكذلك، فإن على السنة أن يسكتوا الأصوات التي تدعو إلى كراهية الشيعة بحجة الإساءة للصحابة وأمهات المؤمنين، والتي وإن كانت في الواقع لا تمثل إلا قطاعا صغيرا بدأ بالضعف والتلاشي، إلا أن هذه الأصوات هي في الواقع تمزق الأمة وتخدم مصالح أعدائها بوعي أو دون وعي. أما في تركيا، فلا بد من تعزيز الشعور بالأخوة الإسلامية والرغبة الصادقة في التعاون مع العالم العربي، ليس من باب الأخوة الواجبة بين الشعوب الإسلامية فحسب، بل لأن تركيا تتحمل مسئولية أخلاقية تاريخية فيما يمر به حاليا.

على الأمة العربية أن تتوحد لكي لا تبقى خاضعة للنفوذ الأمريكي والغربي المهين، وعلى الشعوب الإسلامية أن تتوحد وتتكافل وتتضامن لمصلحة الجميع، وعلى المسلمين مراجعة خطابهم وإخراس الأصوات التي تدعو إلى الفُرقة باسم الدين، فهذه الأصوات ليست سوى أبواق الشيطان.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *