نبوءة القرآن الكريم عن أعداء الأنبياء من الكافرين والمرتدين ومصيرهم

1

يخبر القرآن الكريم أنه لا بد أن يخرج عدد من المجرمين لمعادة الأنبياء حتما، إذ ‏يقول تعالى:‏

‏{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } ‏‏(الفرقان 32)‏

ولكن الله تعالى ينبئ بأنهم سيفشلون في مساعيهم، وسيكون هذا العداء ‏سببا لظهور صفتي الله تعالى الهادي والنصير؛ أي أن الله تعالى سيجعل هذا ‏العداء سببا لمزيد من الهدى للمؤمنين، وسينصرهم على هؤلاء الأعداء المجرمين ‏بشتى الوسائل.‏

ويخبر القرآن الكريم أن هذا العداء الحتمي جزء من النظام الإلهي للهداية، وأنه ‏سبب لظهور قدرة الله تعالى وصفاته، وكذلك لتنقية جماعة المؤمنين من ‏الشوائب، إذ يقول تعالى:‏

‏{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي ‏أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * ‏لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ‏الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ‏فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏‏* وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ ‏عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ‏الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ ‏عَذَابٌ مُهِينٌ } (الحج 53-58)‏

فيبين الله تعالى أن الشيطان سيسعى لإلقاء الشبهات والشكوك ساعيا لإعاقة ‏عمل النبي وتحقيق أهدافه، ولكن الله تعالى سينسخ ما يلقيه الشيطان ‏وسيحكم آياته؛ إذ تصبح الحجج والبراهين بعد هزيمة الشيطان أقوى، كما أن ‏الله تعالى يجلِّي آيات بينات من النصرة والتأييد تُظهر صدق النبي وتقوِّي ‏دعوته. ثم يبين الله تعالى أن هذا الإلقاء الشيطاني هدفه أن يفتتن به الذين في ‏قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم فينصرفوا عن جماعة المؤمنين، أما الذين أوتوا ‏العلم فيزدادون إيمانا بسبب هذا الإلقاء، ويعلمون أن ما جاء به النبي هو ‏الحق من ربهم وتخبت له قلوبهم. ثم يبين الله تعالى أن هؤلاء المجرمين من أعوان ‏الشيطان سيستمرون في المراء إلى قيام الساعة، وقد ينزل بهم أيضا عذاب يوم ‏عقيم يجتثهم هم وأعوانهم وشبهاتهم حينا عندما يشاء الله. ويؤكد الله تعالى ‏أخيرا أن مصير هؤلاء المعاندين الكافرين المكذبين بآيات الله هو العذاب ‏المهين حتما!‏

ثم نجد أن القرآن الكريم يصف هذه الحالة بمزيد من التفصيل، ويبين للمؤمنين ‏أن وجود هذه الفئة من أعداء الأنبياء يدخل ضمن المشيئة الإلهية، ويجب ‏على المؤمنين أن يتركوهم ولا يبالوا بهم، فلو شاء الله تعالى لما أتاح لهم أن ‏يفعلوا ما يفعلونه، إذ يقول تعالى:‏

‏{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى ‏بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * ‏وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ‏‏* أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ‏وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ‏الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ‏السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ‏إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ ‏عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (الأَنعام 113-118)‏

ثم يبين الله تعالى معاتبا ومتوعدا أن الذين لا يؤمنون بالآخرة سيصغون إلى ‏هذا الإلقاء الشيطاني من قِبَل هؤلاء المجرمين وسيرضون به وسيقترفون مزيدا ‏من الإجرام في عدائهم للأنبياء ودعواتهم، ولكن الله تعالى شهيد عليهم ‏وسيكون مصيرهم الحتمي عذاب الخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة عذاب ‏أليم. ويبين الله تعالى أن هؤلاء المجرمين لا يحق لهم أن يحكموا في آيات الله، ‏ويقدِّم ذلك في صيغة الاستغراب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وعلى لسان قارئ ‏القرآن بأنه من غير الممكن أن أقبل حكَما إلا الله تعالى الذي قدَّم كل شيء ‏مفصلا، بينما لا يقدِّم هؤلاء المجرمون سوى بعض الأمور المقطوعة ويثيرون بها ‏الشبهات، ويعجزون عن تقديم نظام متكامل مفصل. كما يبين الله تعالى أنه ‏سيُتم كلماته بالصدق والعدل بكلماته الثابتات التي لا تتبدل. ثم يبين الله ‏تعالى أن طاعة أكثر من في الأرض من دون النبي وجماعته ستؤدي إلى ‏الضلال عن سبيل الله، وأن الله تعالى الذي وضَّح ملامح ومنهج وسنَّة هؤلاء ‏هو الذي يعلم من هم الضالون ومن هم المهتدون.‏

وهكذا نرى أن القرآن الكريم، ذلك الكتاب الكامل، قد فصَّل هذه الحالة ‏تفصيلا ووضحها تماما؛ فلا ينطبق على من يعادون جماعتنا اليوم من ‏المعارضين والمرتدين إلا هذا المثال القرآني التفصيلي. والسؤال الذي يجب أن ‏يجيبوا عليه هو: هل ورد في القرآن الكريم مثال لأناس متقين صالحين لا عمل ‏لهم سوى معارضة شخص مدعٍ كاذب ومعاداة جماعته؟ وهل يأمر القرآن ‏الكريم بمعارضة دعوات المدعين الكاذبين أم يقول إن الله تعالى هو من تكفل ‏بهم وهو الذي سيهلك المتقولين بيده ويجعل عاقبة الكذب ترتد على ‏الكاذبين وتهلكهم؟

لم يرسل الله في يوم من الأيام أحدا ليبين بطلان دعوى مدعٍ كاذب، ولم يأمر ‏الله تعالى المؤمنين أن يتصدوا لدعوات المتنبئين الكاذبين، بل كان الله دوما ‏يرسل المبعوثين الصادقين بالهدى والبينات، وهو بنفسه قد قرر أن يتيح ‏للشيطان وأعوانه من المجرمين أن يعلموا على تكذيب هؤلاء الصادقين لحكَمٍ ‏عظيمة نتيجتها النهائية هداية من يستحق الهدى وفتنة الذين في قلوبهم مرض ‏والقاسية قلوبهم ليبتعدوا عن جماعة المؤمنين فتتطهر منهم ومن شوائبهم.

هذا ما يبينه القرآن الكريم، وهذا ما تحقق على أرض الواقع؛ إذ نجد أن المصير ‏الذي حدده الله تعالى لهؤلاء المجرمين كان الإهانة دوما قد تحقق ويتحقق ‏باستمرار مصداقا لما جاء في القرآن الكريم وما تجدد في وحي الله تعالى ‏للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام إذ قال: “إني مهين من أراد إهانتك”. ‏فلينظر كل واحد أين يقف، وما هو حكم القرآن الكريم فيه، وما هو مصيره ‏النهائي الذي سيقع فيه لا محالة! ‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *