الفهم الخاطئ للكتاب المقدس السر وراء مقاومة الحجاب في الغرب

4

تُظهر بعض الدول، وبخاصة فرنسا، ردة فعل قاسية تجاه الحجاب، ويرونه مسيئا للمرأة ومقيدا لحريتها وعلامة على إخضاعها وإذلالها. فمن أين جاءت هذه الفكرة؟

الواقع أن هذه الفكرة إنما هي فكرة الكتاب المقدس، الذي جعل غطاء الرأس حرفيا رمزا وعلامة للخضوع، وربط بغطاء الرأس كلَّ ما قرره الكتاب المقدس حول دونية المرأة وتحميلها المسئولية عن الضرر الفادح الذي لحق بالبشرية منذ الأزل. وأن واجبها أن تلتزم بهذا الرمز لأجل ذلك.

فالمرأة حسب الكتاب المقدس هي من أخطأت، وأضلت آدم، وأفسدت الخطة الإلهية، وهي معاقبة بآلام الحمل والولادة ومعاقبة باشتياقها للرجل لأجل خطيئتها، وهي مخلوقة من أجل الرجل، فينبغي أن تخضع، وتحافظ على علامة هذا الخضوع الذي هو أن تضع غطاء على رأسها رمزا لذلك! ويمكن أن تتعلم في صمت، ولكن لا يجوز لها أن تُعلِّم أو أن تتكلم في اجتماعات عامة، وعليها أن تلتزم الصمت. وليس لها من سبيل لكي تكفِّر عن خطيئتها الأزلية إلا بولادة الأولاد. فقد جاء في رسائل بولس:

{وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، 13لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، 14وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. 15وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ.} (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى تِيمُوثَاوُسَ 2 : 12-15)

وجاء في الرسالة الأولى إلى كورنثوس:

{3وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. 5وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. 6إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ. 7فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. 8لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. 9وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. 10 لِذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا عَلامَةَ الْخُضُوعِ، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ. } (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 11 : 3-10)

ويجدر هنا أن الفقرة العاشرة من النص أعلاه قد جاءت في بعض التراجم بهذا الصورة:

“لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ”

بحيث أزيل منها “علامة الخضوع”، ووضعت جملة غامضة ” أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا”، فيجب على المهتمين أن يسألوا من قام بهذه الترجمة لماذا قد أزالها، وبأي سلطان، مع أنها موجودة في التراجم الأخرى! ولكن، على كل حال، هذا التغيير لن يفيد بشيء، لأن النص بكامله يتحدث عن غطاء الرأس.

وهكذا، فإذا كان غطاء الرأس علامة الخضوع ورمزه، وعلامة ورمز أنها مخلوقة من أجل الرجل، وأنها يجب أن تكون صامتة لا تعلِّم ولا تتكلم، وكل عملها ينبغي أن يكون إنجاب الأولاد لكي تخلص وتكفِّر عن خطيئتها، فمن التي سترغب بوضع رمز كهذا على رأسها؟

وبناء على هذا الموقف نرى ردة الفعل القوية تجاه الحجاب في الغرب، وخاصة من مجتمعات تدعي التدين، أو للتدين أثر كبير في ثقافتها كفرنسا الكاثوليكية؛ وهذا لأنهم يفهمونه وفقا لهذا الفهم ويرون غطاء الرأس خاصة رمزا وعلامة على إهانة المرأة وإخضاعها، ولا يدركون أن المسلمة تضع الحجاب بدوافع ومبادئ أخرى، فتضعه وقارا وعفة لا علامة أو رمزا على الخضوع للرجل والدونية وتحمُّلها الخطيئة الأبدية! فالغربيون وإن احتفظوا بقيم تدينهم ظاهريا، إلا أنهم قد ثاروا على تعاليم الكتاب المقدس في هذه النقطة، وقالوا بالنسوية وتحرير المرأة بالدرجة الأولى من رمز الخضوع وعلامته التي اختزلت في غطاء الرأس! فعندهم قد أصبح غطاء الرأس إنما هو العلامة أو الرمز على قبول كل ما نُسب للمرأة من أمور مسيئة في الكتاب المقدس، والتي يرفضها الضمير الإنساني. لذا لا عجب أنهم عَدُّوا الحجاب رمزا دينيا للإسلام، كما الصليب للمسيحية ونجمة داود لليهود والعمامة للسيخ فقالوا، فقال بعضهم بأننا نريد منع الرموز الدينية في المدارس والأماكن العامة، لأنهم يفهمون الحجاب بأنه غطاء الرأس فقط، ويفهمونه رمزا كما قرر الكتاب المقدس، بينما هو ليس كذلك مطلقا بالنسبة للإسلام.

فالحجاب في الإسلام ليس غطاء الرأس فقط، بل ليس الحجاب مجرد اللباس المحتشم المتمثل في مظهر المرأة الخارجي، فالحجاب يشمل اللباس الذي ينبغي فيه مراعاة اللباس المحتشم الذي يشمل تغطية الجسم والرأس بصورة غير لافته، وأيضا مراعاة السلوك المحتشم الوقور. وإلا فغطاء الرأس دون حشمة في الثياب، أو الحشمة في الثياب مع غطاء الرأس دون السلوك، ليس حجابا في الإسلام. والحجاب مرتبط بوقار المرأة وتكريمها وعفتها وحمايتها ورفع مكانتها، وكلما ارتفعت مكانة المرأة كان لا بد لها من أن تراعي الحجاب أكثر من غيرها، فجاء الخطاب إلى نساء النبي، اللاتي لسن كأحد من النساء، كما يلي:

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (33) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (الأحزاب 33-34)

وقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }

(الأحزاب 60)

وقال أيضا:

{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (النور 32)

ونلاحظ أن التشديد هو على تغطية الجيب بغطاء الرأس الذي يجب أن ينزل عليه ويستره، والجيب هو ما يدخل فيه الرأس من الثوب، أو منطقة الصدر من الثوب والبدن، وكأن هذه الآية تقول إن التي تغطي رأسها ولا تراعي تغطية جيبها ومنطقة صدرها كاملة، بحيث تبدو غير ظاهرة أو لافتة، فهي لا تحقق مطلب الحجاب.

لذلك لا عجب أن مجرد غطاء الرأس، حتى مع لباس غير محتشم، قد يثير ثائرة الغربيين ودعاة النسوية، وهذا لتأثرهم ثقافيا بتعاليم مسيئة للمرأة دخلت على الكتاب المقدس، ولا يمكن أن تكون شيئا أصيلا فيه. فمن المؤكد أن الكتاب المقدس لم يأمر بالحجاب إلا للغرض ذاته، ولكن قد خان المؤلفين التعبيرُ عن الفكرة؛ إذ قد رأوها هم بأنفسهم بغير ما أراد الله تعالى لها.

لذلك، لا بد للمسلمين من أن يقدموا حقيقة الحجاب وفق الإسلام الذي لا يقتصر على غطاء الرأس، وكيف أن الإسلام لا ينظر إلى المرأة بدونية، بل يكرمها ويراها شريكة الرجل لا أمةً أو خادمة يجب أن تعيش في خضوع للتكفير عن ذنبها الأزلي! ويجب أن تحتفظ برمز خضوعها على رأسها! وبفهم هذه الخلفية وتبيان أن الأمر مختلف تماما في الإسلام، قد ننجح في مقاومة هذه الأفكار المسيئة للبشر، والتي لبست لباسا دينيا، وأدت إلى ثورة ظالمة على الأديان، لاعتقاد الناس بأن الدين يحقِّر المرأة ويمتهن كرامتها.

أخيرا، لا بد من التأكيد، أن القيم المسيحية لا تختلف في أصلها عن قيم الإسلام، وأن الأمر بالاحتشام وغطاء الرأس لم يكن إلا بذات الدوافع التي وضحها الإسلام. فالإشكالية نشأت في التوصيف الخاطئ الذي يسيء إلى المسيحية والكتاب المقدس. ومن المهم أن تنشأ حركات في المسيحية لتطهير هذا الدين الكريم من الإساءات، وتقديم القيم الأصلية على أي شيء آخر، سواء كان سوء تعبير أو توصيف في النص، أو شرح في غير محله.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *