ربما يكون العنوان مستغربا ومفاجئا للبعض. فمن الذي يلعن المسيح؟
المؤسف أنه إضافة إلى اليهود، فإن المسيحيين الذين اتخذوه إلها أيضا يلعنونه.
يقول بولس في إحدى رسائله:
{َلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». } (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)
فهو ليس ملعونا فقط، بل “صار لعنة”!!..
ولكي نفهم ذلك، علينا أن نفهم عقيدة الفداء والكفارة في المسيحية، والتي تقول بأن المسيح كان يجب أن يموت ملعونا على الصليب، لكي يفتدي البشرية من خطيئة آدم الأولى، ويتحمل وزر خطايا البشر جميعا، فيلعن ويعذب في النار لثلاثة أيام من أجلهم، وبهذا يرحمهم الله تعالى ويعفو عنهم. ومع أن هناك الكثير من التفاصيل والتبريرات، إلا أنني سأركز فقط على فكرة اللعنة، التي تقبلتها العقائد المسيحية وأقرتها مسلِّمة بذلك لليهود وموافقة لهم.
والواقع أن اليهود أرادوا إلحاق اللعنة بالمسيح عليه السلام، فسعوا لكي يميتوه على الصليب ويتحقق فهمهم لما جاء في التوراة في التثنية:
{وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ، 23فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ} (اَلتَّثْنِيَة 21 : 22-23)
فاليهود يرون أن الذي يموت على خشبة الصليب ملعون، لذا سعوا بكل ما في وسعهم ليصلبوه، ليقال إنه ملعون بحكم التوراة، فكيف نقبل به مسيحا؟
ومعلوم أنهم تآمروا عليه، ووشوا به إلى الدولة الرومانية، ثم حوكم، وبدا أنه قد مات على الصليب، وفقا لمشاهدتهم ومشاهدة تلاميذ المسيح، وكان الجميع مستيقنين من أنه هو ذلك المعلق بلا أدنى شك. فما العمل؟
بعد حادثة الصلب اطمأن اليهود وقالوا إنهم قد قتلوا المسيح على الصليب، لذا لا حاجة لمزيد من البحث في أمره. فهو مشكوك في ولادته بداية ومات ميتة اللعنة على الصليب، فكيف ننظر في أمره؟
والواقع أن المسيح وإن علق على الصليب إلا أنه قد نجا، وتذكر الأناجيل أحداث خروجه من القبر الذي هو عبارة عن حجرة صغيرة بعد دحرجة الحجر، وأنه التقى بتلاميذه بعد ذلك. لذا لم يتحقق الصلب أي الموت على الصليب، وبالتالي لا يمكن أن تقع اللعنة، وفقا لما يفهمون.
إضافة إلى ذلك، إن تأويل اليهود لنص التثنية ليس صحيحا، فالتثنية تقول إن “المجرم” الذي يعاقب بالقتل ثم يعلق على الخشبة يجب ألا يبقى على الخشبة لأنه ملعون. فاللعنة بسبب أنه مجرم، لا لمجرد أنه قد أعدم على خشبه حتى وإن كان بريئا! ومع ذلك، ما كان لله أن يترك هذا التأويل الفاسد ينطبق على المسيح، لذا لم يمته على الصليب، بل نجا من الموت، ولم تلحق به اللعنة التي أرادوها وفقا لفهمهم.
ومن المؤكد أن تلاميذ المسيح لم يؤمنوا باللعنة، لأنهم قابلوا المسيح ورأوه بأم أعينهم، ولامسوا جسده، وهذا ما يثبته الإنجيل.
{26وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ:«سَلاَمٌ لَكُمْ!». 27ثُمَّ قَالَ لِتُومَا:«هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا». 28أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ:«رَبِّي وَإِلهِي!». 29قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا».} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20 : 26-29)
أما المسيحيون بعد ذلك -ابتداء من بولس الذي لم يكن من تلاميذ المسيح بل كان من أعدائه ومعذبي المسيحيين الأوائل، والذي أعلن إيمانه بالمسيح بعد ذلك وابتكر هذه العقيدة بغض النظر عن نيته وقصده- استمرأوا القول بوقوع اللعنة وأن هذه اللعنة كانت ضرورية لخير البشرية جمعاء، ولكي يرحم الله البشر! ولعلهم وجدوا فيها الخلاص من الحرج أمام اليهود الذين يتشاركون معهم في الاعتقاد بأن الذي يموت على الصليب لا بد أن يكون ملعونا. فبدا الأمر وكأنه حلٌّ سحري لهذه المعضلة، فتقبلوا هذه العقيدة بكل سرور.
أما الإسلام، فقد أزال هذه اللعنة بقوة وببساطة، بإعلانه بأن المسيح لم يمت على الصليب، وأن اليهود والنصارى قد ظنوا أنه قد مات على الصليب حقا، وهذا في صلب عقيدة كليهما، ولكن قد شُبِّه لهم أمر القتل على الصليب، وظنوا ذلك، والحقيقة ليست كذلك.
{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (النساء 158)
وهنا يبين الله تعالى أنهم وإن كانوا يعتقدون بموته، وهذا ضروري لليهود لكي لا يؤمنوا به، وضروري للنصارى كي يعتقدوا بالفداء والكفارة، إلا أنهم في الحقيقة أيضا ليسوا مستيقنين من موته على الصليب، بل هم يشكون في ذلك، وهذا ما تثبته الروايات التاريخية، والذي لا مجال لعرضه في هذه العجالة.
وعلى كل حال، لو تأملنا في الآية الكريمة، فسنجد ردا متكاملا على القضية من كل الوجوه. فالله تعالى يقول بأنهم ظنوا أنهم قد قتلوه مصلوبا، ولكنه لم يقتل مصلوبا، وإن كان قد عُلِّق لبعض الوقت. فالصلب المذكور هنا ليس مجرد التعليق، فالصلب المذكور في الآية هو وسيلة القتل، لذلك ورد بعد القتل من باب ذكر الخاص بعد العام؛ أي لم يقتلوه بأي وسيلة ولا بالصلب خاصة. ولو كان المقصود مجرد التعليق لكان واجبا أن يُذكر الصلب قبل القتل، لأنه هو الذي سيكون أولا وسيفضي إلى الموت. ثم إن الآية تقول إن نظريتهم وتأويلهم للتثنية ليس صحيحا أيضا، لأن التثنية أيضا تذكر القتل أولا ثم التعليق، أي أن يقتل شخص ثم يصلب كما درجت العادة في تلك الأزمان ليرى الناس عاقبته، وأن المسيح بالأصل لم يحدث معه هذا، كما أنه لم يكن مجرما يستحق الموت، بل كان “رسول الله”.
فالآية في الواقع إنما تنفي الموت على الصليب الذي يعني اللعنة وفقا لتأويلهم. لذلك نجد أن الله تعالى قد ذكر مباشرة بعد هذه الآية أن المسيح “رُفع” إلى الله:
{ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (النساء 159)
وهذا لأن اللعنة إنما تعني الطرد من رحمة الله والإبعاد عنه. فالشخص الملعون إنما هو مبعد من الله وهو عدو الله والله عدوه، وهذا وصف لإبليس. ولا يوجد في اللغة عكس للعنة سوى الرفع، والذي يعني الشخص المقرب من الله تعالى. فمضمون الآية هو أن الله تعالى قد أنجاه من الموت على الصليب، وبذلك لم تقع عليه اللعنة.
والمؤسف أن الذين ابتكروا عقيدة الفداء والكفارة، والتي تستلزم أن يصير المسيح ملعونا بل “لعنة”، لم يتوقفوا عند خطورة هذا الأمر ومدى إساءته للمسيح حتى وإن عدّوه إلها. فكيف يمكن أن يكون الإله ملعونا؟ حتى وإن كان لفترة مؤقتة!
إن المسيحيين مدعوون لإعادة النظر في هذه اللعنة، حتى وإن استمروا في الاعتقاد بألوهية المسيح؛ لأن رفع المسيح إلى مقام الألوهية -حتى وإن كان خاطئا- فليس فيه الإساءة التي توجب إلحاق اللعنة به وفقا لعقيدة الفداء والكفارة. يمكن لهم أن يعيدوا صياغة العقيدة المسيحية بأي صورة تمنع تلك اللعنة عن هذا الشخص المقدس الذي نؤمن أنه نبي الله ورسوله المكرم. فيمكن أن يقولوا مثلا إنه قد تحمل الآلام والمعاناة من أجلنا، وكان مقدسا من قبل ومن بعد، وكان عدوا للشيطان اللعين الذي أراد أن يلعنه. أما لزوم اللعنة فيجب أن تثور غيرة محبي المسيح ليزيلوها عنه بأي صورة.
أود التذكير أخيرا أن مناقشة العقائد لا يعني أننا نعادي أحدا، أو لا نعطيه الحق في الاعتقاد بما شاء، مهما كنا نراه خاطئا. بل لكل إنسان الاحترام والتقدير، مهما كان معتقده، وعلى رأس ذلك إخوتنا وأهلنا من المسيحيين، شركاء الدم والوطن، والذين نكن لهم كل الحب والاحترام والمواساة.


لا يوجد تعليق