شحرور والإمام الشافعي وفرضياته العجيبة

3

يدعي محمد شحرور، ومن تابَعه من بعض الموتورين الذين ليس فيهم سمة العلماء ولا المحققين، أن الإسلام قد تعرَّض للتحريف على يد الإمام الشافعي، الذي -حسب فرضيته- قد اطلع على الإنجيل، ورأى فيه أن الأناجيل تقول “قال الرب يسوع”، فقال لماذا لا نقول “قال محمد”!

ثم يكرر قوله بأنه “لا ترادف في القرآن” ليقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل، ولكنه نطق! ومعنى لا ينطق عن الهوى فهذا لا يعني أنه هو القائل بالناطق! وهذا لكي يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس إلا “ساعي بريد”، ولا وزن لكلامه ولا لفهمه إلا في القرآن الكريم الذي ينطق به وليس هو من عنده!

والواقع أن فرضيته هي من قبيل الخطأ المبني على الخطأ؛ فالأناجيل الأربعة لم تكن متوفرة في العربية حتى القرن الخامس عشر، ويعترف المحققون المسيحيون بذلك، والقول بأن هناك نسخا سبقت ذلك هو محض أقاويل لا دليل عليها، والأهم أنه لو كان هناك تراجم قبل ذلك فقد كانت لأجزاء محدودة ولم تنتشر. فالعرب المسيحيون قبل الإسلام وبعده لم يعرفوا الإنجيل ولم يشاهدوه، بل إن أوائل الكتاب اللاهوتيين من المسيحيين كانت كتاباتهم متأثرة بشدة بالإسلام وبالعقيدة الإسلامية وبالفلسفة الإسلامية، بل إن تركيزهم على التوحيد مع التثليث لم يكن سوى تأثر بالإسلام وبالفلسفة الإسلامية، وحتى مجادلاتهم ومحاولتهم إثبات المسيحية استخدمت الأدوات الإسلامية كادعاء يوحنا الدمشقي أن المسيح ليس مخلوقا لأنه “كلمة الله” والمسلمون يقولون إن القرآن غير مخلوق لأنه كلمة الله!

فالتأثير المسيحي على الإسلام لم يحدث مطلقا، بل الذي حدث هو العكس.

والخطأ الثاني الفادح في هذه الفرضية هو أنه لم يكلِّف نفسه لمراجعة الأناجيل قبل أن يطلق هذه الفرضية؛ فالأناجيل الأربعة أصلا تخلو من “قال الرب يسوع” مطلقا، ولم ترد كلمة “الرب يسوع” إلا مرة واحدة في الإصحاح الأخير الرابع والعشرين من لوقا، والذي يقر الباحثون المسيحيون أنه مضاف، والذي ينفرد بادعائه أن المسيح قد “أُصعد إلى السماء” على مرأى من تلاميذه! مع أن الأناجيل الثلاثة الأخرى لم تذكر هذا الحدث الذي يفترض أن تكون من أعظم الأحداث في حياة المسيح.

أما قوله بعدم الترادف في القرآن، فهو كلام صحيح، ولكنه لا يدرك حقيقته ويضعه في غير محله ويأتي بأمور غاية في السخافة! فعدم الترادف لا يعني أن الكلمات إذا اختلفت فهي تدل على شيء مختلف تماما منفصل انفصالا كاملا، وإنما المقصود أن اختيار لفظة معينة فيه تركيز على جانب معين لشيء واحد أو لشخص واحد، لا أكثر. فإذا كان للأسد مثلا في العربية مئات الأسماء، فهل استخدام لفظة دون سواها تفيد شيئا مختلفا سوى الأسد؟ وهذا التنوع في المفردات إنما هو من خواص العربية التي هي متميزة بالسعة والدقة الفائقة.

فقوله بأن الله تعالى هو القائل والنبي صلى الله عليه وسلم هو ناطق فقط يكاد يصل إلى حافة الجنون!

فمعلوم أن القائل إنما هو صاحب القول الذي يقوله مباشرة أو ينطق به أو حتى يدونه أو يشتهر عنه -ناهيك عن القول بلسان الحال لا بلسان المقال- والنطق هو وصف فقط للفظ القول. فافتراضه أنه بناء على ذلك لا يجوز أن نقول “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”! وأن هذه بدعة مفتراة من الشافعي تأثر فيها بالإنجيل! قول يصعب وصف مدى تهافته.

أما قوله إن القرآن جاء “بلسان عربي” إنما يعني أنه جاء بلغة خاصة غير ما كان متداول، واستنتاجاته العجيبة المبنية على ذلك كقوله مثلا إن “النساء” لا تعني جمع المرأة في القرآن، وغير ذلك من الهذيانات، والناجمة عن عدم فهمه لعلاقة الجذور بالمفردات والمعاني، فهي مما كان كثيرا ما يثبط عزيمتي في الرد على هذا الكلام اللغو، الذي لا أكاد أصدق أن هناك عاقلا يمكن أن يصدقه!

وبالطبع هو في ذلك يخلط بين تفسير القرآن بالقرآن، والذي هو منهج سليم يمكن أن ندرك فيه المقصود بالنظر في السياق وفي الآيات المتنوعة التي تتحدث عن شيء واحد، وبين كون القرآن باللغة العربية التي تفهم مفرداته بالتعمق فيها، ولكنه كالمعتاد، يضرب الأمور ببعضها ويخرج بنتائج عجيبة.

وأما قوله بأن النبي صلى الله عليه وسلم مجرد رسول –والعياذ بالله- وأنه لم يكن يفهم القرآن ولم يفسر آية واحدة! وأن الأمر متروك لشحرور وأمثاله لكي يفهموا هذه الرسالة من بعد، فرغم ما في هذا الكلام من إساءة ونرجسية من رجل جاهل يسيء الأدب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يمتلك علما ولا فصاحة، ولم يهبه الله نطقا سليما بحيث تشعر كأن الكلمات تخرج من فمه مجبولة بعضها ببعض، إلا أنه لو كان يدعي أن القرآن هو مصدر الإسلام الذي يستند إليه، فالقرآن نفسه يفند فرضيته المسيئة هذه ويعلن أن النبي صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله؛ أي يبلغها ويتبعها بنفسه، وهو مزكٍّ يرقي المؤمنين ويربيهم ويخلصهم من سيئاتهم بتربيته ويطورهم ويرقي أخلاقهم، وهو معلِّم للكتاب والحكمة؛ أي أنه هو المعلم الأول وهو الذي يدرك الحكمة التي أنزلها الله إليه أكثر من غيره، إذ يقول تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (الجمعة 3)

فالقرآن وحده دون النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكفي للهداية، لأن بعض العقول الجاهلة أو المريضة ستستنتج ما استنتجه هو وأمثاله.

ولعل خروج شحرور ومن تشحرر مثله مرجعه بعض الجاهلين ممن لم يميزوا بين السنة والحديث، وقالوا بأن السنة تنسخ القرآن (ويقصدون بذلك الحديث)، وقالوا بأن الحديث قاضٍ على القرآن! فأحدثوا بذلك إشكالات ناجمة عن منهجهم الباطل، وليس عن الإسلام ولا القرآن ولا السنة ولا حتى الحديث.

فالواقع أن السنة إنما هي السنة العملية المتواترة، والتي هي تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، والتي نقلت إلينا الصلاة والعبادات وغيرها من مبادئ الإسلام. أما الحديث فهو ليس السنة، وإنما أقوال ظنية رويت ونسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقام العلماء بعملية تدقيق وتحقيق علمي لا مثيل له في التاريخ لتصنيفها، مع تأكيدهم أن عمليتهم هذه تقريبية وظنية وليست قطعية، وأن الأحاديث لا تسلم من الأخطاء الناجمة عن الرواية كخطأ الراوي ووهمه ونسيانه، كما أنها ليست بريئة من الدس والكذب أحيانا. فالواجب أن تُفهم على ضوء القرآن الكريم والسنة، وتكون شاهدة للقرآن والسنة لا قاضية عليهما. وهذا هو منهجنا الواضح في الجماعة الإسلامية الأحمدية الذي أرساه الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام. فلو وجدنا على سبيل المثال حديثا في أصح الكتب يقول إن صلاة العصر خمس ركعات فلا يمكن أن نقبل به، ولا بد أن نعزو الأمر إلى خطأ أو سوء فهم للراوي.

وباختصار، فإن شحرور ومن تشحرر بعده، ليسوا سوى فقاعة موتورة من الجهلة، الذين يفترضون فرضيات خاطئة ويبنون عليها أخطاء أكبر، ويفترضون وجود معضلات في الإسلام ليست إلا في أذهانهم، وقد انتفخت الأنا عندهم بالنرجسية والجهل. ولا يتابعهم إلا أصحاب الأهواء ممن في قلوبهم مرض وتمرد على الإسلام وعلى طهارته، والذين يريدون أن يتحرروا من هذه الطهارة ويرونها قيدا عليهم، ويريدون أن يعيشوا كحياة الغرب، الذين لا أثر للدين في حياتهم إلا في تحريك التعصب والعنصرية والظلم للشعوب الأخرى! مع أن الإسلام هو الذي تزدهر فيه نفس الإنسان وتصل إلى السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، وهو الذي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، فيما لو وعوه واجتهدوا وجدوا، وهي سبيل ضمنها الله تعالى لمن يجاهد نفسه وأهواءه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *