عندما بدأ الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام دعواه، والتي تقوم على أن الله تعالى قد بعثه لإعادة إحياء الإسلام ونشره وتحقيق غلبته وانتصاره في العالم في نشأة ثانية موعودة، واجهه البعض بالاعتقاد بأن انتصار الإسلام وغلبته وانتشاره في العالم لا يمكن أن يحدث إلا بوجود دولة إسلامية قوية، تحارب الكفار وتنشر الإسلام! وهذا وفقا لسوء الفهم الذي كان سائدا، ولا زال سائدا حتى اليوم.
فردا على ذلك، بيَّن حضرته نقطتين في غاية الأهمية: الأولى هي أن الإسلام لم ينتشر يوما بالسيف والقوة، بل انتشر بجمال تعاليمه وبالقوة القدسية للنبي صلى الله عليه وسلم وبالأسوة الحسنة للمسلمين. ولم تكن الحروب في صدر الإسلام إلا حروبا دفاعية ضد معتدين يريدون القضاء على الإسلام والمسلمين. فمن الخطأ الظن أن الحرب والقتال هي وسيلة لنشر الإسلام أصلا. وقد كرر هذه النقطة ووضحها في العديد من كتاباته.
أما النقطة الثانية فهي أنه بلا شك قد ظهر جلال الإسلام من خلال نشوء إمبراطوريات إسلامية قوية سيطرت على العالم القديم، ولكن كان أصل الصراع بينها وبين الأمم الأخرى هو أن الفرس والروم بداية قد اختاروا أن يحاربوا المسلمين ويجتثوا الإسلام، فهزموا، ثم كان هناك بعض الأمم الأخرى التي بقيت والتي كانت ترى في المسلمين خطرا لا بد من القضاء عليه، فكان لا بد من قتالهم. أما في الوقت الحالي، فقد تغير الزمان، ولم تعد تلك الظروف سائدة في العالم، وأصبح بإمكان المسلم أن يبلغ بالإسلام في أي مكان عموما، وأصبح من الممكن لأي أحد في العالم أن يعتنق الإسلام، ولم تعد الصراعات مصطبغة بهذه الصبغة. علما أن التمايز في الدين كان ولا زال يلعب دوره في الصراعات السياسية، ولكن بصفة عامة فإن المسلمين يتواجدون في جميع الدول، والمساجد تبنى ويعتنق الناس الإسلام بحرية. فنظرا إلى هاتين النقطتين، فإن الدعوة إلى الجهاد القتالي؛ أي الدعوة إلى الجهاد بحجة نشر الإسلام إنما هو خطأ بداية، ثم القول بأن الوقت هو وقت إنشاء دولة إسلامية قوية لتحقيق هذا الغرض أو حتى لقتال الكافرين الذين يحاربوننا من أجل الدين إنما هو خطأ آخر، لأنه لم يعد أحد يقاتلنا من أجل الدين. وتحت هذا المفهوم، جاء كلام حضرته في كتبه كتذكرة الشهادتين والهدى والتبصرة لمن يرى وغيرها.
ومع أن هذه الفكرة قد ذكرناها ووضحناها مرارا، إلا أن البعض يخطئون الفهم، ويقدمون هذا الاقتباس وغيره للقول بأنه لا يجوز التوجه للقتال البتة، تحت أي ظرف أو أي مبرر! وهذا الخطأ منقوض أصلا في تعاليم الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، ومن ناحية ثانية منقوض بسلوك وسيرة الجماعة منذ تأسيسها. فعندما سعى المسلمون لإنشاء دولة باكستان في القارة الهندية لحماية مصالح المسلمين الذين كانوا في خطر شديد يتوعدهم على يد الهندوس بعد الاستقلال، كان الأحمديون وعلى رأسهم الخليفة الثاني رضي الله عنه مع هذا التوجه. وتأسست دولة باكستان، وانضم الأحمديون إلى الجيش وسلاح الجو، وكان منهم كبار الجنرالات، كما أن الخليفة بنفسه قد شكل كتيبة متطوعين من الأحمديين باسم “كتيبة الفرقان”. وقد قاتل المسلمون الأحمديون ببسالة وحققوا الانتصارات واستشهدوا في سبيل وطنهم. بل قد خدموا قضايا الأمة أيضا خارج القارة الهندية؛ إذ أن قائد سلاح الجو الباكستاني في عام 1967 الذي كان أحمديا، قد نقل طائرات سلاح الجو الباكستاني إلى الأردن والسعودية لتعويض الخسائر بعد تدمير الطائرات في كل من مصر والأردن، وكانت الطائرات الباكستانية تحت قيادته تحارب في فلسطين.
وباختصار، فإن ما نقضه حضرته إنما هو فكرة الجهاد الخاطئة والقائمة على أن الدين انتشر بالسيف في البداية ولا بد أن ينتشر حاليا بالقوة أيضا، وثانيا أن الوقت وقت الحروب كما كان في السابق؛ فبين حضرته أن الحروب الدفاعية التي كانت هي الجهاد القتالي قد انتهى وقتها، ولم تعد الظروف العالمية تتيح هذا النوع من الجهاد، لأن أسبابه ومبرراته لم تعد موجودة. فلا ينبغي أن لأي مسلم أن يسمي حربه -بغض النظر إن كانت عادلة أو غير عادلة، صحيحة أو غير صحيحة- بالجهاد بمعنى أنه ينشر الدين أو ينصره، ومن فعل ذلك فهو يخدع نفسه ويخدع الناس ويجلب غضب الله عليه وستلحق به الهزيمة. أما في الحرب العادلة، فلا ضير أن يعتبر المسلم أو قطاع من المسلمين أنفسهم في جهاد في سبيل الله الذي من جوانبه الدفاع عن المظلومين والمستضعفين، وسيعدون مجاهدين عند الله تعالى، حيث يقول الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} (النساء 76) ومن قتل منهم وكانت سريرته حسنة فإنه يعد عند الله شهيدا أيضا. فهذا غرض نزيه لقتال يبرره الإسلام ويراه حقا، ولكن بشرط ألا تختلط الأمور، وتكون المسألة واضحة، فليس الغرض من هذا القتال نشر الإسلام، كما أنه ليس دفاعا ضد من يحاولون رد المسلمين عن دينهم، لذلك ليس هذا هو الجهاد الذي فرض على المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده.
كذلك فإن حضرته عليه السلام قد بيَّن أيضا -إمعانا في توضيح الفكرة- بأنه لو كان قياسهم على هذا الزمن صحيحا، فإن واقع الحال يبين بأن المسلمين قد أصبحوا في ضعف شديد، وأصبحت القوة كلها بيد غير المسلمين، فلو كان الظرف هو الظرف، وكانت هذه هي الوسيلة لنشر الدين، فإن الله تعالى كان سيؤيد المسلمين بالقوة للقيام بهذا الجهاد، بينما ما نراه أنهم قد أصبحوا أضعف الأقوام، وأنهم كلما خاضوا حربا هزموا فيها. فهنالك خطأ نظري في القضية بالأصل، كما أن واقع الحال الذي هو بيد الله تعالى يؤكد خطأ القائلين بهذا القول.
أما ما هو الحل، هل يجب على المسلمين ألا يحاولوا امتلاك أسباب القوة؟ وهل عليهم إذا تعرضوا للعدوان أن يستسلموا لأعدائهم وألا يحركوا ساكنا؟
إذا ظن أحد هذا فهو مخطئ خطأ فادحا. أما المقصود فهو أن حلم تأسيس امبراطورية إسلامية قوية لتحارب هذه الدول القوية وتقضي عليها إنما هو منهج غير سليم. لأن هذه الدول القوية قد أنبأ الله عنها بنبأ أنها يأجوج ومأجوج، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم. فقد جاء في صحيح مسلم {إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى (أي في زمن نزول عيسى الذي هو زمن الإمام المهدي والمسيح الموعد) إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} (صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة). فيجب أن يتخلى دعاة الجهاد المزعوم عن فكرة إنشاء الدولة الإسلامية القوية المحاربة، ويدركوا أن هاتين القوتين ستتدمران بأن يموج بعضهم في بعض {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} (الكهف 100)، ولن يهزموا بيد المسلمين، وأن على المسلمين أن ينصرفوا للتمسك بدينهم وعبادتهم ودعائهم ولاستغلال الأوضاع في نشر الإسلام وإظهار جمال تعاليمه وهم في حالة الضعف، لأن حالة الضعف هذه مقصودة، لأن الله تعالى يريد أن ينتشر الإسلام في العالم في هذا الزمن بجماله والمسلمين ضعفاء، كي لا يتهم الإسلام بأنه انتشر بالسيف كما يتهمه أعداؤه حاليا. فعلينا التركيز على نشر الإسلام وفقا لهذه الخطة الإلهية التي أرسل الله تعالى قد جعلها لنشر الإسلام.
أما الدفاع عن أنفسنا مقابل العدوان فهو أمر واجب، وكما قلنا فإن الأحمديين في باكستان قد مارسوه. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فعند الأحداث في عام 1948 وما قبلها بيَّن الخليفة الثاني رضي الله عنه أن على المسلمين أن يتوحدوا وأن يسعوا لتصنيع سلاحهم لتقصير عمر إسرائيل، أن هذه القضية هي قضية كرامة النبي صلى الله عليه وسلم الذي بدأ اليهود بمناكفته في حياته وتحريض القبائل والإمبراطوريات ضده، وما زالوا يستهدفون الأمة بنفس الطريقة، وأن الخطر داهم على الأمة بأسرها، وأن القضية ليست قضية القدس بل قضية مكة والمدينة أيضا، وهي لا تخص العرب وحدهم بل المسلمين جميعا. وقد أكد الخليفة الرابع رحمه الله تعالى أيضا مرارا في دروسه على أن على الأمة أن تتوحد وتصنع سلاحها. والخليفة الحالي الخامس أيده الله تعالى بنصره العزيز يؤكد على ضرورة وحدة الأمة لرفع هذا الظلم. وهذه الوحدة تعني أن يتوحدوا في صوتهم وفي جهودهم لكي يوقفوا العدوان بالطريقة المناسبة باتخاذ الأسباب والحكمة.
ومما لا شك فيه أن قيام إسرائيل إنما هو نبأ قرآني، وزوالها إنما هو وعد إلهي، وهذا الوعد سيتحقق عندما يصبح المسلمون في عين الله تعالى هم عباد الله الصالحين. وهذا الصلاح يعني رجوعهم إلى الدين وإلى قيمه وأخلاقه، وأيضا أن يقوموا بكل ما يلزم لتقصير عمر هذا الكيان. والله تعالى يبشر في هذا الوعد أن الأمر سيكون في غاية السهولة كما يرث الوارث من مورثه بعد وفاته، فيما لو تحققت هذه الشروط. حيث يقول الله تعالى:
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء 106)
وأخيرا، وفي ظل هذه الظروف الأخيرة، فإن العمل الصالح، هو ما وجه إليه الخليفة أيده الله تعالى بنصره العزيز، في خطبه المستمرة، والذي يقوم على رفع الصوت ضد الظلم الذي يلحق بالفلسطينيين كل حسب موضعه، فلا بد أن نكشف هذه الحقائق للعالم بكل وسيلة، وأن نوصل صوت المظلومين للشعوب وللمسئولين، وهذا بفضل الله تعالى قد آتى أكله وبدأت شعوب العالم بالتحرك، بل بدأ قطاع هام من يهود العالم بالتحرك أيضا. ثم على المسلمين والمسلمين الأحمديين خاصة أن يتوجهوا إلى الدعاء لكي يرفع الله هذه المظالم ما دام المسلمون بلا حول ولا قوة وما دام العالم الغربي يؤيد هذه المظالم. وقد حذر حضرته بأن هؤلاء إذا كانوا يظنون بأنه لا يمكن لأحد أن يوقفهم فإن الله تعالى ينظر وهو صاحب القوة والقدرة كلها، وإذا شاء فهو سينزل العذاب عليهم من السماء.
وعموما فلا بد أن تقدم الأمور في سياقها الصحيح؛ إذ يحاول البعض التركيز على أن هذا العدوان قد حدث بسبب أخطاء حماس أو غير حماس، وأنهم قاموا بأمور تخالف تعاليم الإسلام، وأنهم لم يتوخوا الحكمة.. ومع أن هذا قد حدث حقيقة، وذكره الخليفة في خطبته الأولى، إلا أن التركيز عليه وتكراره وتجاهل مظالم إسرائيل والغرب أو ذكرها بصورة متواضعة خجولة ليس من العمل الصالح لمن يقوم به دون تعمد. علما أن الدعاية الكاذبة الغربية هي في واقع الحال تقوم بما سبق تماما ولكن بوعي وبصورة متعمدة، وتركز على الأمر وكأن التاريخ قد بدأ منذ ذلك اليوم، وكأن إسرائيل التي بدأت مجازرها واحتلالها ومظالمها منذ 75 عاما لم تفعل شيئا وهي ليست سوى دولة مسالمة مسكينة من حقها الدفاع عن نفسها! علما أن الدعاية الإسرائيلية الكاذبة قد لعبت دورها في هذه الأحداث التي سبقت العدوان، وحاولت هذه الدعاية كتم أصوات الإسرائيليين الذي عوملوا معاملة حسنة قبل أسرهم أو أثناءه، كما ذكرت تقارير لإسرائيليين أن أكثر عدد من القتلى المدنيين كان على يد الجيش الإسرائيلي الذي كان يقتل المسلحين الفلسطينيين والمدنيين الإسرائيليين دون تمييز بطائرات الأباتشي. وقد ذكر الخليفة بنفسه أنهم يفعلون ذلك إذ يضخمون بعض الأمور ويغضون الطرف عن أمور أخرى ويكتمونها.
نسأل الله تعالى أن يكف يد الظالمين عن أهلنا المظلومين الذين تسفك دماؤهم على مرأى العالم ومسمعه، وأن يوفقنا الله تعالى للعمل الصالح دوما، آمين.


لا يوجد تعليق