حقوق الملكية الفكرية والتناصّ والتوارد

2

هنالك قاعدة قانونية تقول: “لا جريمة ولا عقوبة بغير نصّ”‏

أي أن مسألة اعتبار أمر ما جريمة ليس مسألة ذوقية خاضعة لاعتبارات ‏الناس وتعريفاتهم، بل لا بد أن يكون هنالك نصٌّ قانوني يجرِّم فعلا ما ويحدد ‏حدود هذا الفعل، وبناء عليه يُجرَّم المتهم وتنزل به العقوبة.‏

ومسألة الملكية الفكرية وبالذات ما يتعلق بحقوق المؤلفين مسألة شائكة ‏متفرِّعة جدا، وإطارها العام وتركيزها هو على النتاج الفكري أو الفكرة ‏الإبداعية التي لم يسبق المؤلف إليها أحد، ويُعدُّ من أخذ فكرة غيره التي لم ‏يسبقه إليها أحدٌ دون أن يشير إليه سارقا، حتى لو غيَّر شيئا في الأسلوب ‏والكلمات والتعابير، والمسألة ليست بهذه البساطة، بل لا بد أن يكون هذا ‏النتاج بالفعل نتاجا حصريا أو مما يمكن أن يكون حصريا للكاتب وليس مجرد ‏الأفكار العامة. أما التعابير والأساليب فهي لا تؤخذ بعين الاعتبار إلا في ‏أنواع معينة من الأدب كالشعر مثلا؛ لأن الشعر لا تنفصل فيه الفكرة عن ‏الأسلوب. فلا يعد الشاعر منتحلا لقصيدة غيره وسارقا لها إلا إذا نقل ‏القصيدة كاملة وأبياتا كاملة بنصِّها وفصها وكانت القصيدة في الحالتين ‏تتحدث عن فكرة واحدة إبداعية حصرية أتى بها الشاعر الأول كررها الثاني ‏انتحالا وسرقة. أما الاقتباس ولو لأبيات كاملة في سياق آخر ولخدمة فكرة ‏أخرى – خاصة لو كانت هذه الفكرة فكرة إبداعية لم يسبق للكاتب لها ‏أحد- فهو لا يُعدُّ سرقة، بل اقتباسا وتناصًّا، وهو ليس جريمة، بل هو محمود ‏في الأدب والنثر ودليل قوة ومقدرة أدبية.‏

أما التعابير والكلمات والمفردات فهي ليست ملكا لأحد، لأنها ليست نتاجا ‏فكريا حصريا لمن استخدمها، بل هي من مواد اللغة المشَاع لكل مستخدم. ‏وتوظيف بعض المفردات بترتيب ورد سابقا في نتاج فكري مختلف وسياق ‏مختلف لا يعدُّ من السرقة مطلقا، بل لا يجوز إعطاء حق الملكية للكاتب ‏الأول لهذه التعابير، لأنها ببساطة ليست نتاج فكره ولا من اختراعه. فهي ‏تعابير لغوية استخدمها الكاتب الأول موجودة في اللغة أصلا. لذلك لا يجوز ‏له أن يدعي ملكيتها، ولا يجوز لأحد أن يدعي أن أحدا سرقها منه لو ‏استخدمها كاتب من بعده.‏

ومما يعدُّ من مظاهر مقدرة الكاتب أو الشاعر وعلوِّ كعبه أن يستخدم تعابير ‏وردت في نصوص أو أشعار سابقة ويوظفها في نصوصه، إما معارضة أو ‏مناقضة لسابقه، وإما في سياق مختلف. وهذا باب من الأدب النثري ‏والشعري معروف وشهير. وهذا ما يسمى وفقا لمصطلحات النقد بالتناصّ في ‏الشعر والنثر.‏

وفيما يتعلق بالتوارد، فهو أيضا باب من التناص غير المتعمد، وهذا لا يعني أن ‏الكاتب لم يكن قد سمع كلمة أو تعبيرا من قبل، بل المقصود أنه وظفه دون ‏وعي منه أن هذا التعبير موجودٌ حصرا في هذا المكان أو ذاك، وبشرط أن ‏يستخدمه في تقديم فكرة أو نتاج إبداعي مختلف عما ورد سابقا. فلو لم يكن ‏قد سمع الكاتب التعبير أو الكلمة مسبقا فمن المستحيل أن تكون قد خُزِّنت ‏في عقله الباطن. ومعلوم أن حصيلتنا اللغوية عموما إنما تشكلت نتيجة ‏لتعرضنا لكمٍّ كبير جدا من المقروء والمسموع والمكتوب، وأصبحت هذه ‏الحصيلة مختزنة فينا دون أن نتذكر المصدر الذي تعلمنا منه هذه الكلمة أو ‏هذا التعبير. فمن هذا الباب يمكن أن يستخدم الكاتب تعابير سمعها سابقا ‏أو قرأها، ولكنها لا يكون قد نقلها من النص عن وعي وإدراك. فإذا كان ‏يتذكر المصدر يمكن اعتبار هذا تناصًّا، وإذا لم يكن يتذكّره فهو توارد، وفي ‏الحالتين لم يرتكب الكاتب جريمة بحال، لأنه لو اعترف بالتناص المتعمد أو ‏بالتوارد غير المتعمد فهذا من المسموح به والمباح.‏

وفيما يتعلق بالشعر خاصة، فإنه من الوارد جدا أن تتشابه أبيات بل قصائد ‏لشعراء في عصور مختلفة، لأنهم سمعوا هذه التعابير واختزنت في عقلهم ‏الباطن، ثم بسبب ضوابط الشعر وأوزانه وقافيته وإعرابه سيجد الشاعر أنه ‏ملزم بتركيب معين من الوارد جدا أن يكون قد استخدمه أحد قبله. ومن ‏يكتب الشعر يعرف هذه الحقيقة. حتى إن عنترة كان قد قال هذا مسبقا في ‏العصر الجاهلي مؤكدا أن كل الأغراض والأساليب والتعابير قد طرقها الشعراء ‏من قبل حين قال:‏

هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ…. أم هل عرَفتَ الدارَ بعد توهُّمِ

وهو بذلك وكأنه يدافع عن نفسه فيما لو تضمَّن شعره شعرا يشابه إلى حد ‏كبير شعر غيره، سواء سمع به أم لم يسمع.‏

وبناء على ما تقدَّم، فلا يمكن اتهام المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ‏مطلقا أو الاعتداء على الملكية الفكرية، وكل ما يقدِّمه بعض السفهاء إنما ‏مرجعه جهلهم وتعصبهم، وإلا لو طبقوا هذه المعايير التي في ذهنهم لأصبح ‏الغالبية العظمى من كبار الكتاب والأدباء سارقين، ولعُثِر في شعر جميع ‏الشعراء على تعابير كانت قد تكررت بكثرة عند سابقيهم، وكذا أيضا فيما ‏يتعلق النثر، وخاصة النثر الأدبي.‏

والواقع أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هو صاحب نتاج فكري ‏تغطيه قوانين الملكية الفكرية العالمية، إذ جاء بنتاج فكري لم يسبقه إليه أحد ‏في قالب وأسلوب رائع مذهل في كتبه العربية والأوردية وأشعاره العربية ‏والفارسية والأوردية. لذلك كان يتحدى غيره بأن يأتوا بما يوازي كتاباته ‏ويقابلها، وإن ثبت أن أحدًا تفوَّق عليه في طَرْق مسألةٍ وتبيانها بصورة أفضل ‏منه فإنه سيعلن خسارته لهذا النزال. ومن الطبيعي أن الذي سينافسه ‏سيستخدم كثيرا من المفردات التي استخدمها؛ لأنه سيتحدث في نفس ‏المضمون ولكن بتقديم نتاج فكري مختلف. ولكن حضرته لم يشترط ألا ‏يستخدم الكاتب شيئا من هذه المفردات. كما لا يجوز لأحد أن يشترط هذا.‏

لذلك، فإن هذه الدعوى السخيفة التي يروج لها معارضو الجماعة لا قيمة لها ‏ولا وزن. ولو كانوا جادين فليحاولوا رفع قضية على حضرته وعلى الجماعة ‏من بعده بصفتها وارثته ليثبتوا دعواهم الباطلة، وسيجدون أن قضيتهم ستُرفض ‏وسيبوءون بالخيبة والخسران بعد أن يثبُت جهلهم.‏

وفيما يتعلق بمقامات الحريري خاصة، فالحقيقة أن المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام إذ استخدم أحيانا بعض التعابير منها فقد ضمَّنها في نصٍّ علمي ‏أدبي يتضمن معارف عظيمة بعكس مضمون مقامات الحريري الفارغ الذي ‏ليس سوى استعراض للمقدرة اللغوية المزعومة التي ليس من الصعب على من ‏تعمَّد أن يجعل المعاني تتبع الكلمات أن يقوم بها، ولكن الأمر المعقَّد هو أن ‏يجعل الكاتب الكلمات والتعابير الجميلة تتبع المعاني، وهذا إبداع لا يقدر ‏عليه إلا متمكن، وهذا ما ثبت بجدارة لحضرته عليه الصلاة والسلام.

بقي أن نقول أنه في شأن التوارد، الذي لا يُشترط فيه عدم السماع مطلقا ‏لهذه التعابير كما بينَّا سابقا، فإن ما امتاز به المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام أيضا هو أن الله تعالى قد أودع في عقله الباطن ما لم يكن قد سمعه ‏من قبل من شعر العرب وأدبهم، وكذلك كان يمدُّه بالتعابير والمفردات التي ‏يحتاجها، وهذا أمر يتميز فيه حضرته عن الكاتب العادي. فتوارده يمتاز عن ‏توارد غيره بأنه أيضا معزز بالوحي، أي أن مصدر معلوماته ليس ما تخزن في ‏عقله الباطن مما قرأ وسمع، بل هنالك ما أودعه الله فيه دون قراءة أو سماع.‏

وأختم أخيرا بكلمات المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ردا على هذه ‏التهمة السخيفة التي أثارها معارضوه في حينه، والتي يكررها المعارضون حاليا، ‏إذ يقول حضرته:‏

‏” على أية حال، قرأت مؤلَّفه بالأردية بإمعان (أي مهر علي)، وعلمت أنه ‏لا يحتوي على ما هو جديرٌ بالانتباه سوى اعتراضات غاية في السخف ‏والدناءة والجهل، التي إن افترضنا صحتها لم يسلم منها القرآن الكريم ولا ‏الأحاديث النبوية ولا كتاب من كتب الأدباء.‏

والآن اصغوا إلى اعتراضه؛ يقول: وردت في هذا الكتاب “إعجاز المسيح” – ‏الذي يقع في مئتي صفحة – جُمَلٌ سُرقت من مقامات الحريري- وهي بضع ‏فقرات فقط لو جُمِعت قد لا تربو على أربعة أسطر – وبعضها مسروقة من ‏القرآن الكريم أو كتب أخرى، وبعضها كُتبت بشيء من التغيير والتبديل ‏وبعضها من أمثال العرب المعروفة.‏

هذه هي “سرقتي” التي اطلع عليها مهر علي، إنها عشر فقرات أو اثنتا عشرة ‏فقرة – من بين عشرين ألف فقرة – منها آيات القرآن الكريم وبعضها من ‏أمثال العرب وبعضها، على حد قوله، توارد مع فقرة للحريري أو الهمذاني (أو ‏الهمداني). ولكن من المؤسف أنه لم يشعر بأدنى حياء عند إثارته هذا ‏الاعتراض، ولم يُعمِل فكره قط أنه حتى إذا لم تُعتبر هذه الجمل القليلة أو ‏بضعة منها تواردا – مع أنه وارد في كلام الأدباء – بل ظُنَّ أن هذه الجُمل ‏القليلة قد تم اقتباسها، فما الاعتراض على ذلك؟” (نزول المسيح)‏

أما عن الاقتباس عموما والاقتباس من مقامات الحريري خاصة فقد قال ‏حضرته:‏

‏”لقد اقتُبست في كتاب الحريري أيضا آيات قرآنية وفيه بضع فقرات وأبيات ‏لغيره بشيء من التصرف فيها. كذلك توجد فيه بعض الفقرات لأبي الفضل ‏بديع الزمان بعينها. فهل يجوز القول بأن مقامات الحريري كلها مسروقة؟ بل ‏قد أساء البعض الظنَّ بأبي القاسم الحريري باعتبارهم كتابه كله من تأليف ‏غيره. ويقول البعض بأنه عُرض ذات مرة على سبيل الاختبار على حاكم، ‏على أنه كاملٌ في فن التأليف، وأُمِر بأن يكتب بيانا فصيحا بليغاً بالعربية ‏ولكنه لم يستطع ذلك فتعرض لخجل وندامة كبيرة. ولكنه مع ذلك يعُدَّ من ‏الأدباء العظام ويُنظر إلى كتابه “مقامات الحريري” بنظرة التعظيم والإجلال ‏مع أنه لا ينفع من الناحية الدينية أو العلمية شيئا؛ ذلك لأن الحريري لم يقدر ‏على أن يكتب قصة صادقة أو أسرار الحقائق والمعارف بعبارة فصيحة وبليغة ‏ليثبت أنه قادر على أن يجعل الكلمات تابعة للمعاني والمعارف. بل جعل ‏المعاني تابعة للكلمات من البداية إلى النهاية، الأمر الذي أثبت أنه ما كان ‏قادرا قط على أن يسرد حادثا حقيقيا بالعربية الفصيحة. فالذي يهتم بالمعاني ‏ويهدف إلى بيان المعارف والحقائق لا يستطيع الحصول على النخاع من ‏عظام جمعها الحريري.” (نزول المسيح)‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *