“ومن طبيعة الإنسان أنه لا يبقى عاطلا بدون عمل، وتظل نفسه أيضا تكلِّم أحدًا كلَّ حين، حتى يكلّم نفسَه ويكلّم الشيطانَ أيضا إن لم يجدْ سواهما أحدًا يكلّمه. أحيانا يرى الناس المرءَ صامتا تماما، ولكنه لا يكون صامتا في الواقع، بل يبدأ الحديث مع نفسه..

اعلموا جيدا أن كلام النفس نوعان، فأولاً شيطانيٌّ، حيث لا يفتأ المرء خائضًا في أفكار الفسق والفجور هذه، وثانيا أمانيٌّ، حيث يطوّل أمانيه ويقع فريسة لسلسلة طويلة من الأماني. وما دام المرء عرضة لهذه الأفكار من نوعيها فهناك خطر كبير لدخل الشيطان، وهناك إمكانية أكبر أن تلحقه الخسارة ويجرحه الشيطان. وعلى سبيل المثال يخطط حينًا لقتل شخص، لأنه يحول دون تحقيق هدفه، أو أن ينتقم من آخر، أو يجدع أنفه لأنه خاطبه بقلة الأدب. باختصار إنه لا يبرح في نسج هذه المؤامرات والخطط، وهذا المرض خطير جدا، ولا يدرك المصاب به الضرر الذي يلحق بنفسه في مثل هذه الأمور، وكيف يؤثر على قواه الأخلاقية والروحانية تأثيرا سيئا، لذلك يجب اجتناب مثل هذه الأفكار دائما. كلما بدأت سلسلة مثل هذه الأفكار السخيفة اسعوا للتخلص منها فورا، واستغفِروا الله وحوقِلوا سائلين إياه العون والتوفيق، واشتغلوا بتلاوة كتاب الله تعالى. واعلموا أن مثل هذه الأفكار لا نفع فيها، إنما فيها الخسران كله. إذا مات عدوّك أو عاش فما الفرق بالنسبة لك؟ لأن النفع والضرر بيد الله تعالى وحده، ولا أحد من البشر يقدر على إيذاء الآخر شيئا. لقد كتب سعدي في كتابه “جلستان” حكايةً أنّ شخصًا جاء الى الملك كسرى نوشيروان ببشرى بأن عدوك فلانا قد هلك، وأنّ مُلكه وحصنه قد وقعا في قبضتنا. فأجابه شيروان إجابة رائعة من خلال بيت شعر فارسي تعريبه:

“لستُ مسرورا بموت العدوّ، لأنني أيضا لستُ بخالد.”

فعلى المرء أن يتدبر في الأمر، ويدرك أن لا فائدة ولا فرحة في نسج هذه المؤامرات والخطط. إنه أمر خطير جدا، وعلاجه التوبة والاستغفار والحوقلة وتلاوة كتاب الله. وتطول سلسلة هذه الأفكار جدا عندما يكون الإنسان عاطلا فارغا.

والنوع الثاني من كلام النفس هو الأماني، ولأن الأماني تولِّد الرغبات الخاطئة وتصيب بأمراض الطمع والحسد والأنانية، فاطووا صفَّ سلسلة الأماني في مهدها فورا. كل من هذين القسمين لكلام النفس اللذين بينتهما يهلك الإنسان في نهاية المطاف”

( الملفوظات، الجزء الأول – الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام)

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *