النفث في العقد من أخبث الأعمال، ومن العجيب أن يُحذِّر القرآن الكريم من النفاثات في العقد في المعوذات، هذه السور التي لها علاقة قوية بالسلام النفسي للإنسان عامة، وتبيَّن أيضا أن لها علاقة بصورة خاصة بالمسيح الدجَّال وأعماله الخبيثة، هذا الدجال الذي اجتاح عالمنا حاليا.

النفث في العقد هو النفث السام في العلاقات من أجل تمزيقها وتفتيتها، وهذا مفهوم واسع يبدأ من مؤامرات منظمات وجماعات سرية ودول لتخريب العلاقات بين الأمم والشعوب لإفساد العلاقات بينها لتحقيق مصلحة؛ قد يكون أبسطها إنهاك هذه القوى والدول التي يراها المتآمرون عدوا لهم، أو من أجل كسب منافع مادية وسرقة ثروات بعد نشوب النزاعات. ومع شديد الأسف، فإن هذا الأمر قد شهدناه كثيرا في الحروب التي نشبت في العالم، وخاصة في منطقتنا، وراح ضحيتها الملايين من البشر. وقد قال الله تعالى عن اليهود الذين برعوا في هذا العمل:

{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة 65)

ولكن من الأمور الخطيرة أيضا هو أن هناك حركة دجَّالية تستهدف النفث في العلاقات بين البشر، وذلك لتحقيق المكاسب المادية أيضا والمصالح لذوي السلطة والنفوذ، ومظاهر هذا الأمر متعددة.

فمن مظاهر النفث في العقد أنه بدعوى تحرير المرأة فقد نُفِث في العلاقة المقدسة التي يجب أن يرتبط بها الرجل والمرأة وينشئوا بيتا يسكنون فيه وينجبون أولادا يحظون بالسكينة والأمن، ألا وهو الزواج. فدعا إلى الانحلال وعدم الاهتمام بإنشاء رباط الزوجية المقدَّس من باب الحرية! ولا شك أن هذا لفائدة الرجل الذي سيتحرر من الالتزام، وفي ذلك استغلال وظلم فادح للمرأة. ولكي تكتمل الدائرة الخبيثة من التحرر من الالتزام واستغلال المرأة، فقد دعا إلى المساواة في العمل لكي تُقذف المرأة في سوق العمل مجبرة ليست مختارة، وتصبح عرضة للاستغلال سواء في طبيعة العمل التي يكون مطلوبا منها جهدا هائلا وتُعطى أجرا أقل من الرجل أو الاستغلال الجنسي والتحرش للأسف؛ وقد أظهرت بعض الدراسات في الغرب أن ثلاث من أربع نساء يتعرضن للمضايقة والتحرش في العمل!

أما الإسلام فقد كرَّم المرأة بأن صان عرضها كي لا يُسفح دون التزام ورباط زوجية مقدَّس، وأوجب على الرجل بأن ينفق على المرأة، ولم يطلب منها الكسب ولم يوجب عليها الإنفاق، وأعطاها حرية العمل كما تشاء دون أن يترتب عليها التزامات، فصار عملها لها فقط ولمنفعتها ولرفاهيتها الخاصة، وإذا أعطت زوجها وأولادها فهذا من باب الفضل بل والصدقة، وبهذا فقد كرَّمها الإسلام وحررها من أن تصبح خاضعة لضغوط لقمة العيش، لكي لا تصبح ضعيفة أمام الاستغلال. وهذا جانب رائع في الشريعة الإسلامية التي استشرفت كل الظروف وسبقتها وقدمت الحلول لها.

ولا شك أن تمزيق العلاقات والنفث فيها سيضرر كلا من الرجل والمرأة في نهاية المطاف، ولكن المرأة هي المتضرر الأكبر. والرجل سيدرك لاحقا أن عيش الانحلال والمجون سيقوده إلى حياة بائسة تعيسة في نهاية المطاف، ولن يؤسس لأسرة يتكافل أفرادها ويخدم صغيرها كبيرها ويرتبطون بعلاقات الحب والألفة إلى الأبد.

ومن المظاهر الأخرى للنفث في العقد، وخاصة عقدة الزوجية والروابط الأسرية، هو محاولة التركيز على إظهار أن أي نوع من الطاعة أو الالتزام في علاقة الزوجة بزوجها أو الأبناء بآبائهم إنما هو نوع من السيطرة التي يجب أن يتحرروا منها. وهذا بالطبع ليس لشيء إلا لاستكمال دائرة استغلال المرأة عموما، ولكن الأسوأ أن البعض يستخدمون ذلك لمنفعة شخصية محضة أيضا في سوق الأعمال التي أصبح الإنسان فيها السلعة الرائجة المستغلة أبشع استغلال.

فعلى سبيل المثال، فمما لاحظته مؤخرا أن هناك حملة هائلة للحديث عن النرجسية أو اضطراب الشخصية النرجسية؛ الذي أصبح من الأمراض النفسية المصنفة حديثا، والتحذير منها على وسائل التواصل الاجتماعي، مما قد أثار الذعر في أوساط الشباب والفتيات والنساء والرجال، خاصة لمن يتابعون ويهتمون. فترى القائمين عليها يحذرون من الزوج النرجسي والأب النرجسي والأم النرجسية والزوجة النرجسية والأولاد النرجسيين، والحلُّ المتكرر الذي يضعونه ليس إلا قطع العلاقة والفرار من هؤلاء! وبهذا يتضح أن الهدف هو تمزيق العلاقات والنفث فيها. ولكن كما قلت سابقا، فإن بعض الخبثاء يستغلون الأمر لمنفعة شخصية وهي أن يشعر الناس بالذعر والخوف والقلق في علاقاتهم فيلجأون إليهم يطلبون المساعدة المدفوعة، والتي أبسطها متابعة مقاطعهم المصورة ليجنوا الربح، ثم حضور برامجهم المدفوعة عبر النت أو شخصيا، أو زيارة مكاتبهم وعياداتهم لتلقي الاستشارات. وهؤلاء الخبثاء يدركون أن منهجهم في النفث في العلاقات لن يكون مفيدا مطلقا للمتابعين، وإنما سيجعل الناس فريسة للأوهام والقلق، وسيدمر علاقاتهم. فأي جريمة يرتكبونها لكي يجنوا الربح بأن يخلقوا القلق والاضطرابات النفسية في الناس لأجل مصلحتهم! وقد لاحظت أحد المختصين النفسيين في أمريكا ممن يقومون بهذا بصورة خبيثة للغاية، ولديه مئات الآلاف من المتابعين، ولاحظت في تعليقات كثير من متابعيه كيف أنهم قد وقعوا فريسة له. فهذا الشخص يُحكم الدائرة على فرائسه بإيهامهم أن عليهم الحذر من الآخرين ومراقبتهم لاكتشاف النرجسيين! ويطلب منهم ألا يتقبلوا أي نوع من النقد أو التوجيه أو الانصياع لنظام أسري أو وظيفي أو غيره، لأن هذا خضوع للنرجسيين، ويعظِّم في داخلهم أن الخطأ حتما هو من الطرف الثاني وليس منهم أو لا يمكن أن يكونوا مخطئين في مواقفهم أو تصوراتهم! ويدعوهم إلى قطع العلاقات بلا خوف ولا تردد قائلا إنك يجب أن تفرَّ من الضيق والألم!! وبالطبع، فإنه لن يلجأ إليه إلا من تمزقت علاقاته متوهما أن الفرار منها هو الحل.

والواقع أن الشخصية النرجسية في الأصل، حسب تصنيفها الحديث إن صح، إنما هي شخصية هشة للغاية وتحتاج للعلاج والمساعدة أكثر من الخوف والذعر منها. فهذا الشخص يشعر بأنه شخص مهم، وبأن له الحق في التميز على الآخرين، وأنه يجب أن يكون محط الإعجاب المفرط، ويبالغ في تقديره لنفسه وظنه أنه متميز على الآخرين في مواهبه، ويبقى دوما يحلم بأوهام النجاح وتحقيقه وأن من حقه الحصول على الأفضل في المناصب أو الدرجات أو المكاسب، ويفكر دوما في شريك حياة مثالي حسب اعتقاده فلا يطمئن لعلاقته حتى لو كانت جيدة جدا، ولا يتقبل أي شيء لا يعجبه منه حتى لو كان بسيطا، ويحسد الآخرين على أدنى شيء ويظن أن الآخرين يحسدونه ويتآمرون عليه. وهؤلاء لا يهتمون بمشاعر الآخرين ورغباتهم، ويفكرون دائما في الكمال مما يجعل لديهم هوس به، ويشعرون نتيجة لذلك بالإحباط والاكتئاب لأنهم لا يستطيعون تحقيقه، ويتعمق لديهم الشعور بالفشل والدونية والخزي والضعف والمهانة، وينعدم عندهم الشعور بالأمان والطمأنينة.

فواضح مما سبق أن هذا الشخص يكون ضعيفا هشا، وهو الذي سيواجه المشاكل مع الآخرين وليس العكس. وصحيح أن الآخرين سيتأذون من تصرفاته وردود أفعاله، ولكنه ليس وحشا لا بد أن يبتعد الناس عنه، بل هو بحاجة للمساعدة من أقاربه ومحبيه ومحيطه.

الخلاصة أن تجَّار وسائل التواصل الاجتماعي، تلك التجارة التي عبثت في الناس كثيرا وعملت على الإفساد بصور خفية قد لا يدركها الكثيرون، يستغلون أمورا كهذه للكسب، ولا يهتمون بالنفث في العلاقات من أجل ذلك، بل يسعون لذلك عن قصد غير متقين الله. والأسوأ أن بعض العرب يترجمون هذه الفيديوهات أو يستخدمون هذه المعارف المجتزأة بصورة سطحية ويقدمونها ولا يعرفون أنهم ينفثون السم وينقلونه بجهل وغباوة. إن العبث في الأمور النفسية لعله أسوأ ما يتعرض له الناس من أضرار من خلال هذه الوسائل، ولا بد للناس أن يحذروا بشدة.

أما الحل فقد وضعه الله تعالى في القرآن الكريم مسبقا، من خلال عدد من المبادئ الذهبية التي لو التزم الإنسان بها فلن يتضرر مطلقا لا بنرجسي ولا بغيره، بل سيساهم في معالجة هذا المسكين وإخراجه من أزمته.

فماذا يقول الله تعالى:

أولا: اهتمّ بنفسك وركز عليها، يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (المائدة 106)

أي ركِّز على نفسك وإصلاحها، ولا تفكر في الآخرين وفي مدى انحرافهم أو سوء سلوكهم، ولا تشغل نفسك في تحليل أمراضهم أو ذنوبهم وتقصيراتهم، فلن تتضرر إذا اهتديت أنت وعرفت طريقك، والله تعالى هو العليم بحقيقة الأعمال والنفوس وسينبئ بها يوم القيامة، فلا تنشغل بهذا التحليل والتفكير الذي في غير محله. فإن أخطأوا فسيتحملون نتيجة خطئهم، وإن كنت قويا مستعينا بالله فلن تتضرر.

ثانيا: اجتنب سوء الظن وتوكل على الله ولا تخف من العواقب، إذ يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات 13)

فما يحطِّم النفسية إنما هو أوهام سوء الظن، التي تجعل الإنسان مضطربا متربصا يتوقع السوء من كل مكان. ومع شديد الأسف فإن هؤلاء المجرمين إنما يذكون سوء الظن في الناس ويطلبون منهم أن يصبحوا على هذه الشاكلة، وهذا الأمر سيضرر نفسياتهم بشدة ويستنزف طاقتهم، بينما الواجب أن نحسن الظن ونتوقع الأفضل دائما، وأن نترك العواقب لله تعالى الذي بيده كل شيء ونتوكل عليه، يقول تعالى:

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة 51)

فسوء الظن يجعلنا نتوقع السوء، وهو يجعلنا نتهم الآخرين بما قد لا يكون فيهم، وهنا يصبح إثما. فالضرر سيكون فادحا نفسيا، كما أنه يتضمن ظلما لمن أسأنا بهم الظن ولم يكونوا كما ظننا.

ثالثا: التقوى والقول السديد واجتناب الكذب يصلح الأعمال ويقوي الشخصية:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (71) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (الأحزاب 71-72)

فلا تتقوى النفس إلا باجتناب السيئات والتي على رأسها الكذب، فهذا يقوي النفس من الضعف الفطري ومن الضعف النفسي العارض، ويؤدي في النهاية إلى إصلاح الأعمال والتي منها العلاقات.

رابعا: اتهم نفسك ولا تلقِ باللائمة على الآخرين، يقول تعالى على لسان يوسف عليه السلام:

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (يوسف 54)

أي لا تعدَّ نفسك بريئا وغيرك المذنبين المخطئين، ولا تلقِ باللائمة على الآخرين، بل حاسب نفسك وتفقدها وفكِّر في أخطائك وتقصيراتك حتى وإن لم تتعمد ارتكاب الخطأ، وادعُ الله أن يغفر لك ما لا تعلم من ضعفك وذنوبك، والله تعالى سيستجيب وسيقويك أمام السيئات ويقوي بنيتك النفسية. وهذا على عكس ما يفعله هؤلاء المجرمون الذين يظنون أن تقوية النفس يكون بعدم قبول أن تكون مخطئا، ظنا منهم أن قبولك بهذا يضعفك، مع أن العكس هو الصحيح. أما إلقاء اللوم على الآخرين فسيجعلك غير ملتفت لأخطائك التي هي وحدها التي تستطيع الإضرار بك، لا أخطاء الآخرين، وهذا يعمق الخطأ في النفس ويصعِّب الإصلاح. ومعلوم أن افتراضهم أنك لست مخطئا بل الخطأ على الآخرين إنما هو افتراض سخيف لا أساس له، فكيف يفترضون أن ضحية شخص نرجسي مزعوم مثلا مبرأ من الخطأ؟ لو كانوا جادين حقا في مساعدة الناس لوجهوهم إلى التفكير بأنفسهم.

خامسا: أحسِنْ، فالحسنات تدفع السيئات وتصلح الآخرين، يقول تعالى:

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت 35)

فبدلا من التفكير في انحراف الآخرين وسوء سلوكهم، أو التفكير في الانتقام منهم، عليك أن تغمرهم بإحسانك، فهذا سيؤدي في النهاية إلى إصلاحهم عموما ثم إلى إصلاح علاقتهم معك، بحيث يتحولون من العداوة إلى أن يصبحوا أولياء حميمين.

سادسا: كن مهتما بتأدية الحقوق لا بالانشغال بالمطالبة بها، يقول تعالى:

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل 91)

أي التزم بالعدل الذي هو أداء الحقوق لمن لهم حق عندك، ثم تجاوز ذلك إلى الإحسان الذي يعني إعطاء من لا حق له عندك أو إعطاء من له حق فوق حقه وكذلك العفو والصفح عن أخطائه ثم الإحسان الفطري الذي هو إحسان ذي القربى.

والمشكلة الكبرى اليوم هو أن الناس يركزون على أن يطلبوا حقوقهم لا أن يؤدوها، بينما لو انشغل كل شخص بتأدية الحقوق لزالت الخلافات وعمَّ الأمن والسلام العالم.

سابعا: كن مطيعا للنظام ولا تكن متمردا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء 60)

وقد بيَّن الله تعالى في بداية القرآن الكريم أن أساس الأبلسة والشيطنة والعاقبة السيئة هو أن يرفض الإنسان الطاعة، حيث يقول تعالى:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (البقرة 35)

فطاعة كل نظام أنت تحته واجبة، وهي من طاعة الله ورسوله، سواء كان هذا النظام هو النظام الأسري أو نظام العمل أو غيره.

ولأن المجرمين يستهدفون العلاقات الزوجية خاصة في أفعالهم الشيطانية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

{وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا } (مسند أحمد، كتاب باقي مسند المكثرين)

بينما هؤلاء يحاولون دفع المرأة للتمرد والعصيان، موهمين إياها أن الطاعة عبودية وسيطرة، ولكن الهدف الحقيقي هو النفث في العلاقات وتمزيقها نشرا للشر وتحقيقا لمكاسبهم.

ثامنا: بادر بالصلح وأحسن واتق الله ولا تكن شحيحا، يقول تعالى:

{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (النساء 129)

أي اسعَ للصلح دوما ولا تفكر في قطع العلاقات لأدنى خلاف، بل عليك أن تُحسن، أي أن تعطي الحقوق، بل تتجاوزها إلى الإحسان الذي هو أداء ما فوق الحقوق، بل تتجاوز ذلك إلى إيتاء ذي القربى الذي هو الإحسان الفطري. والإحسان والتقوى سيقودك إلى الخير حتما والسعادة في الدنيا والآخرة. ومن معاني الشح البخل عموما، ومن معانيها القلة وعدم الاتساع، أي يجب ألا يكون الإنسان شحيحا بأن يكون لدى الإنسان سعة للآخرين.

تاسعا: احمد الله تعالى وقل:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة 2)

ومن أول معانيها أي قدِّرْ نعم الله تعالى واحمده عليها بكل قلبك، وهذا سيجعلك ترى الحقائق وتحمد الله على ما وهبك. فلا تستصغر هذه النعم وتحتقرها، لأن هذا سيدمر سلامك النفسي.

ومن معانيها أن الحمد الحقيقي هو من الله تعالى لا من البشر، لذلك لا تبالِ بحمد الناس ولا بذمهم؛ أي لا تكن هشا أمام الانتقاد، بل عليك تفعل الحق والخير، ولا تطلب حمدا ولا جزاء ولا شكورا.

عاشرا: لا تستسلم لليأس، وتوجه إلى الله تعالى، يقول تعالى:

{وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (5) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (الضحى 5-6)

أي أن الآخرة والعاقبة ستكون لك فيما لو آمنت واتقيت وأطعت الله تعالى، وسيعطيك الله تعالى وستشعر بالرضا، والواجب عليك لأجل ذلك أن تواسي الناس وتعطيهم حاجاتهم وعلى رأس الأولويات ذوي الحقوق كالزوجة لزوجها والزوج لزوجته والآباء لأبنائهم والأبناء لآبائهم، لأنهم في حكم اليتيم لبعضهم، لأنهم لو لم يقوموا بواجباتهم تجاه بعضهم فلن يعوضها أحد آخر لهم. فتأدية الحقوق ستقودك إلى سلامك النفسي، كما ستؤدي إلى تحقيق آمالك وطموحاتك بصورة ترضيك في النهاية.

هذه بعض المبادئ التي أحببت أن أسلط الضوء عليها، ولكن القرآن زاخر بالعديد منها أيضا، مما يصلح حال الإنسان ويشفيه من أي قلق أو اضطراب ويجعله يعيش الأمن والسكينة والطمأنينة. فبالنظر إلى ما يحبه الله تعالى وما لا يحبه، وفيما يأمر به وما ينهى عنه، في آيات القرآن الكريم، سنجد الكثير، والذي يتِّبع القرآن ويخلص في إيمانه سينال الشفاء النفسي الذي وعد الله تعالى به إذ قال:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس 58)

الخلاصة أن القرآن الكريم قد علّمنا ما يجب علينا أن نقوم به، بغض النظر عن الشخص الذي أمامنا سواء كان مضطربا نفسيا أو مجرما أو غيره، وركَّز كثيرا على أن إصلاح نفسك والانشغال بها سيحقق لك كل أمانيك ويذلل أمامك الصعاب كلها بمعونة الله تعالى، كما أنه وضع في طياته العلاج للإنسان لكي يشفى من أسقامه النفسية، مهما كانت هذه الأسقام. فهذا هو المقصود الأساس من أن القرآن شفاء والحاجة إليه ماسة لجميع بني البشر. فطوبى لمن اتَّبع القرآن الكريم، وأعاذنا الله من النفاثات في العقد، آمين.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *