جاء في التفسير الكبير، تحت تفسير الآية:
{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (البقرة 196)
“لقد أخطأ الناس في فهم هذه الآية. فكلما يطالَبون بعمل فيه مشقة في سبيل الله يقولون على الفور: كيف نفعل ذلك، إنه بمنزلة إلقاء النفس في التهلكة؟ مع أن الآية لا تعني أبدا أن يجبن ويخاف المؤمن من موقف فيه خطر الموت، وإنما المعنى الحقيقي لها أنكم إذا كنتم في حرب العدو فيجب أن تنفقوا أموالكم كثيرا في سبيل الله، أما إذا بخلتم بها فهو بمنزلة إلقاء أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم. فقد ورد في الحديث عن أبي أيوب الأنصاري وهو مع الجيش لفتح القسطنطينية، فقال إن هذه الآية نزلت فينا نحن الأنصار. {لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قُلْنَا هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)
فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ} (سنن أبي داوود، كتاب الجهاد). فلا تجمعوا الأموال وتبخلوا بها، بل أنفقوها في سبيل الله بكثرة وإلا تهلكون أنفسكم، لأن العدو يهاجمكم وتكون العاقبة هلاككم.”
(التفسير الكبير، الجزء الأول، للخليفة الثاني رضي الله عنه)
ولكي يكون الأمر واضحا، فبالنظر إلى الآية التي تسبق هذه الآية، نجد أنها تحرض المؤمنين على رد العدوان ومعاقبه من ينتهكون حرماتكم ومقاصصتهم، مع مراعاة التقوى والحذر من تجاوز الحدود:
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } (البقرة 195)
فهذا هو تعليم القرآن الذي أخطأ في فهمه المسلمون اليوم، وخافوا على دنياهم وحرصوا عليها، وظنوا بأنهم بذلك سيحمون أنفسهم من الهلاك! مع أن الهلاك إنما هو في تقاعسهم وعدم سعيهم للدفاع عن أنفسهم.
باختصار، لو تكاتف العالم الإسلامي ولم يجبن، وأعد ما استطاع من قوة، ولم يخضع للغرب والقوى العالمية التي تستعبده، لما استطاعوا أن يوغلوا في دماء المسلمين في كل مكان، ويستفردوا فيهم على مرأى ومسمع إخوانهم. فمهما كانت هذه القوى قوية، وحتى وإن كان ليس بمقدور المسلمين هزيمتها، فإن السلامة هي في الإعداد والتكاتف والوحدة، وليس في الجبن والتقاعس خشية التهلكة كما يظنون! فالتهلكة هي في الجبن والتقاعس؛ لأن الدور سيأتي عليهم واحدا واحدا، وهذا ما شهدناه في تاريخنا الحديث بكل أسف.
إن عدم المبالاة بالدماء التي تسفك في فلسطين، وإيثار السلامة والإقبال على الدنيا والحرص عليها خوفا من أن تزول لهو الخسارة والهلاك بعينه. والله تعالى، خالق هذه الدنيا بما فيها، لا يرى قيمة لهذه الدنيا عندما يسفك دم امرئ مسلم، كما جاء في الحديث:
{لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ} (سنن الترمذي، كتاب الديات عن رسول الله)
وقد روى هذا الحديث كل من الترمذي والنسائي عن طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن البراء بن عازب عند ابن ماجة بلفظ:
{لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ} (سنن ابن ماجه، كتاب الديات)
وقد يخطر ببال البعض فكرة أننا لا نريد الدنيا، ولكن الذي يهمنا إنما هو الدين والمقدسات، ونريد أن نحافظ عليها بأن نمنع عن أنفسنا الهلاك بالتورط في الدفاع عن أنفسنا وبذل الأموال والجهود من أجل ذلك! ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد عالج هذا الأمر أيضا، وبيَّن بأن حفظ دم المسلم والدفاع عنه، بل حفظ ماله وعرضه، أعظم من المقدسات، إذ جاء في الحديث:
{عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا} (سنن ابن ماجه، كتاب الفتن)
وهنالك لفظ في السخاوي أورده في كتابه المقاصد الحسنة، جاء فيه:
“لهدم الكعبة حجرًا حجرًا، أهون من قتل المسلم”، وقد انفرد به، وليس معروفا عند أهل الحديث بهذه الصيغة، وإن كان يتوافق في المعنى.
فلا ينبغي أن يُتخذ الحفاظ على المقدسات ذريعة في التهاون في الاستعداد والبذل من أجل الدفاع عن أنفسنا.
أما القول بأننا نريد أن نحفظ دماءنا، لأن دماءنا أعظم من الدنيا وما فيها وأعظم من المقدسات بما فيها الكعبة، لذلك علينا ألا نخاطر بأن نسعى للدفاع عن أنفسنا أو عن إخواننا المظلومين، فهم في ذلك مخطئون بلا شك، لأنهم بذلك آثروا دماءهم على ماء إخوانهم، والهلاك سيأتيهم هم لا محالة.
فلا الذي يقول إننا نريد أن نحفظ دنيانا من التهلكة، والذي يقول إننا نريد أن نحفظ ديننا وحرماتنا ومقدساتنا من التهلكة، ولا الذي يقول إننا نريد أن نحفظ أرواحا من التهلكة فيما لو واجهنا عدوا أقوى منا، لا هذا ولا هذا ولا ذاك مصيب في تهاونه في دماء إخوانه المسلمين، ولن يحفظ نفسه من الهلاك، بل العكس تماما، سيأتيه الهلاك بعد حين، ولن يفلح في صيانة دمه، بل سيرى أن العدو سيسفك المزيد والمزيد بلا هوادة.
فمتى ستعي الأمة أن سلامتها من الهلاك في وحدتها وتكاتفها وفي حقن دماء أبريائها الذين يذبحون تحت سمعها وبصرها؟
صحيح أن هذه القوى الغربية قد قدَّر الله تعالى أنها ستكون غالبة على الأرض ولن يستطيع أحد هزيمتها – وذلك لحكم كثيرة من ضمنها أن الإسلام سينتشر على يد جماعة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام والمسلمون في ضعف شديد ويستولي على العالم، ولن يتمكن الكذابون من اتهامه أنه انتشر بالقوة حينها – ولكن هذا لا يعني أن من واجب الأمة ألا تحرك ساكنا، وألا تدافع عن نفسها أو ألا تسعى لذلك ما استطاعت. والحقيقة أن الغرب لو رأى المسلمين موحدين لما كان له أن يجرؤ على الاستهانة بهم والعدوان عليهم، سواء بيده أو بيد إسرائيل المجرمة؛ وكيلته في الإيغال في دمائنا.
والحقيقة أن الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية لمواجهة التحديات، وخاصة في قضية فلسطين، كان موقفا تاريخيا للخلافة الراشدة، فعندما صدر القرار بتقسيم فلسطين عام 1947، ثم بدأت الأحداث في فلسطين عام 1948، كتب الخليفة الثاني مثالا ونشره في حينه، ومما قال فيه:
“القضيّة ليست قضيّة فلسطين وإنما هي قضية المدينة المنورة. والمسألة ليست مسألة بيت المقدس وإنما هي مسألة مكة المكرمة ذاتها. القضيّة ليست قضيّة زيد أو عمرو بل هي قضيّة عِرض محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد اتّحد العدو ضد الإسلام متناسيًا أوجه الخلاف الكثيرة بينه. أَوَلاَ يتّحد المسلمون بهذه المناسبة رغم وجود آلاف من أوجه الاتحاد بينهم.” (“الكفر ملة واحدة” نقلاً عن جريدة “الفضل” 21/5/ 1948م)
إن وحدة الأمة وحدها سترعب الأعداء، مهما كانت قوتهم، وستؤدي إلى ردعهم. وليس المطلوب أن يشنوا حربا على القوى الغربية، ولكن أن يضغطوا بكل الوسائل لإيقاف العدوان الذي يشن على جزء منهم، أو الدفاع عن أنفسهم موحدين فيما لو هوجموا.
ليتهم يسارعون في الاستماع إلى صوت الخلافة الراشدة التي تدعوهم دوما إلى الوحدة ونبذ الخلافات، فيستهدوا بهديها، فيفوزوا بالنجاة والفلاح، ويحفظوا دماءهم إلى حين؛ إلى أن يأتي اليوم الذي ستتجلى فيه قدرة الله على الأرض، ويهلك هؤلاء الطغاة بآيات سماوية وبأيديهم وبخوض بعضهم في بعض، بدعاء المسيح الموعود وجماعته، بأسباب من عنده، بعد أن انقطعت الأسباب من الأرض.

لا تعليق