في غمرة الحديث عن مسألة الترحم والاستغفار لغير المسلم، عاد صوت قبيح بالظهور يؤكد أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار! فما هو الذنب الذي ارتكباه غير أنهما أنجبا النبي صلى الله عليه وسلم ثم انتهت حياتهما، وكأن الله تعالى لم يخلقهما إلا لهذه الغاية؟ ثم لماذا هما في النار؟ ألأنهما لم يدركا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما ذنبهما في هذا؟
الواقع أنهما كانا من خيرة الخيرة، وكانا الحلقة الأخيرة من الساجدين الذين قال الله عنهم:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء 218-220)
فحسبنا الله ونعم الوكيل على ما وصل إليه هؤلاء! ولا أدري! هل هؤلاء حقا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم؟
يقول المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام في الرد على هؤلاء:
“لذلك من قانون الله وسنته منذ القِدم ألا يبعث على منصب الدعوة، أي النبوة وما شابهها، إلا الذين ينحدرون من عائلات شريفة، والذين كانت سيرتهم حسنة دائما، لأن الله تعالى كما هو قادر فهو حكيم أيضا، وحكمته تقتضي أن يرسل الأنبياء والمرسلين من أقوام وعوائل شريفة، قائمين على أسوة حسنة حتى لا يَستكرهَ قلب أحد طاعتهم. ولهذا السبب بُعث جميع الأنبياء عليهم السلام من أقوام عظيمة وعوائل شريفة دائما. وللإشارة إلى هذه الحكمة ذكر الله تعالى في القرآن الكريم مزيّتين لسيدنا ومولانا النبي – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} (التوبة 128).أي جاءكم رسول هو أعلى الناس جميعا أسرةً وقبيلةً وقومًا، وأطهرهم أرومةً وأشرفهم نسبًا. ويقول الله تعالى في مكان آخر من القرآن الكريم: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } (الشعراء 218-220). أي توكّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم للدعاء والدعوة، وهو الله الذي كان يراك حين كنت تتقلّب في أصلاب الصالحين كابرًا عن كابر كبذرةٍ، حتى استقررتَ في رحم أمِّك “آمنة” الكريمة الطاهرة. وهناك آيات كثيرة أخرى أيضا ذُكر فيها سمو نبيّنا المقدس – صلى الله عليه وسلم – ونباهة قومه وعراقة قبيلته.” (ترياق القلوب)
ولكن كون آباء النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأن أجداده كانوا من الأخيار والأبرار والأطهار، لا يعني أنهم ينطبق عليهم مفهوم المسلم الاصطلاحي الذي يعني اتِّباع الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واتِّباع شريعته – وهذا ما وقع فيه بعض الذين أجازوا الترحم – فمعلوم أن هذا الدين لم يكن قد نزل بعد. ومع أن هذا الدين ليس إلا الصورة الكاملة لتعاليم محدودة وناقصة نزلت على الأنبياء من قبل وفقا لأزمنتهم وأمكنتهم، إلا أنه لا يجوز اعتبار الأمم والأنبياء السابقين مسلمين بالمعنى الاصطلاحي، ولكنهم مسلمون بالمعنى العام لحقيقة الدين، والتي تعني أنهم مستسلمون لله تعالى ومتبعون لأوامره ومجتنبين لنواهيه، بالقدر الذي وصلهم أو الذي يعلمونه.
ولا شك أن إسلام الذين اتبعوا الأنبياء قد خالطه الشرك، وأن منهم قد أفسده الشرك إفسادا كاملا كما حدث في المسيحية، ولكن أصل التعليم لم يكن سوى الاستسلام لله تعالى، والذي يعني الإسلام بهذا المفهوم.
أما المصير، والذي ربطه البعض بالإسلام، فهؤلاء قد أخطأوا؛ لأن المصير ليس مرتبطا بأن يكون الإنسان معرَّفا على أنه مسلم وفقا للمعنى الاصطلاحي، بل الله تعالى سيعامل كل إنسان وفقا لما وصل له، وهو وحده العليم بحقيقة ما وصله وبموقفه، ولذلك اختص نفسه بالحساب.

لا تعليق