قبل أيام، ومن ضمن افتراءات ذلك المعترض المرتد علينا، أنه قال بأن هذه الجماعة تُلزم بتصديق كل من ادعى النبوة، واعتبار كل مدعِي النبوة صادقين!!
والواقع أن هذه النظرية كانت نظريته هو التي بدأ بمناقشتي بها في أوائل دخوله للجماعة. ونظريته تقوم على أن ادِّعاء النبوة مشروع فاشل، وضرره أكبر من نفعه، فلا يمكن لعاقل أن يدعيها مهما كان غرضه. وكان يقول إنه يبدو إن الذين ورد أنهم ادعوا النبوة كذبا لم يدعوها حقيقة. وكنت أردُّ عليه وأقول إن البعض قد يجرؤون على ادعاء النبوة في ظرف ما ظانين أنهم يمكن أن يحققوا نجاحا، ولكن لن يطول عليهم الأمد وسييأسون سريعا، كما أن الله تعالى سيجتث المجرمين منهم ويجتث جماعاتهم، ولن يكون لدى أتباعهم حماس حقيقي لاستمرار دعواهم. فالفارق بين الصادق والكاذب هو التوفيق الإلهي والفلاح والحماس المشتعل في قلوب أتباعه الذي لا ينطفئ.
وقلت قبل أيام في تعليق لي -ردا على اتهامنا كذبا بما كان هو مؤمنا به- بأنه كان يقول هذه النظرية بحسن نية، ودعما منه لموقف الجماعة والمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، وهذا لأنه بالفعل كان قد انجذب إلى الجماعة بصدق، وكان قد وضع قدمه على طريق الإيمان، ولكن الشيطان قد استزله شيئا فشيئا إلى أن فقد الإيمان ووصل إلى هذه الحال، وهذا لأنه لم يراعِ التعاليم الهامة التي أوردها القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم وذكَّر بها المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام حول نشوء الإيمان والحفاظ عليه بمعونة الله تعالى. ولكن للأسف، بعد أن ساءت نيته وانقلب على عقبه، نراه الآن يقول بأن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام كان مدعيا كاذبا لأجل المال فقط! فليته بقي يؤمن بهذه النظرية المتطرفة، أو ليته فهم ما كنت أقول له بأن جزءًا كبيرا من كلامه صحيح، بل كان هنالك من يدعي النبوة كذبا ولكن لا يستطيع الاستمرار بنفسه أو يجتثه الله تعالى ويجتث أتباعه إذا كان مجرما معتديا ما لم يتب ويتوقف بنفسه.
ولعل هذا المثال يبين حقيقة موقفنا منذ البداية – رغم موقفنا القوي إذ عزمنا على الرد على افتراءاته دون إبطاء – فنحن نحفظ له حقه ولا نحاول طمس الحقائق بدافع العداوة. فلم أقل أنه كان مندسًّا أو شريرا منذ البداية، وأنه دخل الجماعة لأغراض خفية، بل قلت إنه كان صادقا فيما يقول وفيما كان يدافع عنه.
أما هو فلم يراعِ نفسه كما راعيناه، وما زال يقدِّم قصته بصورة تسيء إليه وتجعله إما ساذجا للغاية أو كذابا منتفعا منذ البداية، وأنه لم يؤمن يوما إيمانا صادقًا، وهذا كله نتيجة سَوْرة الغضب والحقد غير المبرر، إذ لم يبالِ بنفسه في سبيل ما يظن أنه سيسيء إلى الجماعة!
وهنا أود – من باب العدل والإحسان- أن أقول إنني أشهد أنه كان مخلصا في البداية، وعلى سبيل المثال فقد رأيته ذات مرة في الجلسة السنوية والدموع تنهمر من عينيه تأثرا عندما كان يسمع إلى قصيدة للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ونظرت في جانب آخر فرأيت ابنه أيضا يبكي، ولم يكن أي منهما يرى الآخر.
وصحيح أن بذرة الفساد كانت فيه منذ البداية كما ذكرت أيضا، وأنها للأسف نمت واستولت على قلبه كله، ولكن الإخلاص والحماس كانا يطغيان عليه في المرحلة الأولى دون أدنى شك.
وفي ردودنا عليه يشهد الله أننا لم نكذب عليه في شيء، ولم نتهمه بما لم نتيقن منه – على قدر فهمنا وإدراكنا – ونسأل الله تعالى أيضا أن يغفر لنا ما أخطأنا فيه دون قصد. ونسأل الله تعالى أن يعيننا على العدل مع العدو والمخالف كما يأمرنا القرآن الكريم، بل أن نحسن إليه ونؤتيه إيتاء ذي القربى لو أمكن. ولقد قام الخليفة نصره الله بإحسان عظيم إليه حتى آخر لحظة، بل ما زال محسنا إليه إلى اليوم، ولعل هذا الذي يجعله – رغم إساءاته لحضرته- يقول بأنه خير ممن سبقوه.
وفي هذا العيد المبارك، فإننا نتذكر قيم العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى التي أمرنا بها الإسلام العظيم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، والتي ذكَّرنا بها خادمه الصادق، ونقول إننا كنا ولا زلنا عادلين معه مستعدين للإحسان بل وإيتاء ذي القربى في محلها ومكانها، ولن يجرمنا شنآنه على أن نعدل معه، رغم كل ما قام ويقول به.
– فنحن في البداية لم نقل عنه سوى أنه استزله الشيطان فترك الجماعة، وهي حالة يقول عنها القرآن الكريم ويحذِّر منها، وهي تقليب القلب الذي تتقلب فيه الأبصار، إذ قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الأَنعام 111). بينما هو يقول إن الجماعة كانت فاسدة من اليوم الأول، وأنه كان فيها مترقبا، ولم يدخل فيها من باب الإيمان بل من باب أن الأفكار أعجبته، وأنه كان مستعدا لتركها فيما لو جد ما هو خير منها!!
– افترى علينا وكذب في جوانب كثيرة، وأساء إساءات بالغة للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والخلفاء، واستخدم أقذع الألفاظ والأوصاف، ونحن لم نصفه إلا بالمعترض المرتد تبيانا لحاله، وقلنا بأنه يمارس الكذب والدجل والتمويه والتزييف للأسف وتتبعنا هذه الخيانات من باب الرد على الاعتراضات والاتهامات الباطلة لا غير.
– ادعى أننا نحن المتمسكين بالجماعة والخلافة بأننا دجالون منتفعون ولا نؤمن بها مطلقا بل من أجل مكاسبنا، وركَّز علي أنا شخصيا، بل اختار أن يلقبني بلقب لا يذكرني إلا به بقوله “أبي رغال”، وأنني رمز الخيانة وأنني أخون العرب وأكذب عليهم وأحاول ترويج ما أنا بنفسي مقتنع بأنه غير صحيح لأجل مصالحي!! مع أنني لم أتهمه بشيء في السابق، ولم أقبل أن يوصف بأنه مندس من اليوم الأول، وكنت ولا زلت مستعدا لأن أناديه بأحب الأسماء إليه وهو “هاني طاهر”.
وهنا أود أن أقول، إنه عندما بدأ المرض يتمكن منه سعى لكي يحاربني بكل وسيلة ممكنة، وقام بعديد من المؤامرات، ولكنني التزمت بالصبر وإحسان الظن، ولم أخسر بفضل الله تعالى. فعندما شعر بأنني عقبة في طريقه، وبعد أن بدأ بافتعال المشاكل، كنت أدعو الله تعالى أن يعيد لنا جو الوئام الذي كنا نعيشه في البداية، إذ كنا نشكِّل فريقا منسجما متناغما، وكنت أتأسف على تلك الأيام. وعندما رأينا أنه من الأفضل الانفصال، كنت في البداية عندما أجلس في الحوار أشعر بالأسف لأنني لا أراه إلى جانبي كما اعتدنا لسنوات، والله شاهد على ذلك. وحتى عندما بدا واضحا أنه قد فقد إيمانه، لم أتصور في يوم من الأيام أن يصل إلى هذا المستوى، بل كنت أرى أنه يتمتع بأخلاق لن تسمح له أن ينحدر هذا الانحدار، وأنه لا يمكن أن يصبح شريكا للسفهاء من معارضي الجماعة الذين أصبحوا الآن أصدقاءه، بل كنت أرى أنه سيبتعد شيئا فشيئا حافظا للمعروف ومتأسفا على الخبز والملح والصداقة.
أحببت أن أكتب هذه السطور في يوم العيد لأقول بأن ما تعلمته في هذه الجماعة على يد ذلك الخادم الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم -والذي يُقذع هذا المعترض المرتد في الهجوم عليه والإساءة إليه. ولكن المؤسف أن هذا الشخص لم يتعلم شيئا من هذا، أو لم يتمثله ولم يؤمن به رغم علمه به.
ورغم أن هذه تبدو أمنية مستحيلة، إلا أن هذا الشخص لو تاب واستغفر الله تعالى وتخلص من حقده وبغضه الذي تجاوز كل حد، فسيجد قلوبنا مفتوحة له مجددا.
عيدكم مبارك، وجعلنا الله تعالى من المحسنين الذين يحبهم الله تعالى.

لا تعليق