يمكن الرد على هذين السؤالين ردا سريعا بالقول: لا، ولا

ولكن، كيف ذلك؟

الواقع أن الناس يهلكون بسبب سيئاتهم وجرائمهم، التي تكون عاقبتها أنها تقودهم إلى الدمار والهلاك، وما النبي سوى نذير ينذر بأنهم إن لم ينتهوا عن هذه السيئات فإنهم هالكون لا محالة. هذه هي حقيقة الأمر، رغم أن كثيرا من الناس يظنون أن الله تعالى يرسل النبي ثم يعامل الناس وفقا لموقفهم منه، فمن أعلن الإيمان به نجا وأُجر، ومن رفضه فقد غضب الله عليه وهلك! وهذه مغالطة لا تليق بمقام الله تعالى.

ففي الحقيقة إن النبي يكون بمنزلة الضوء الكاشف الذي يكشف للناس سيئاتهم ويطلعهم عليها، وينذرهم من عواقبها، وبسبب هذا الكشف يعرف الناس أنفسهم ويعرفهم غيرهم، ويتصرفون بعد ذلك وفقا لطبيعتهم من النبي أو المبعوث، لكي يعلم الناس هذه الحقيقة وتقام عليهم الحجة.

فبعثته لا تحولهم إلى كافرين أو إلى مجرمين، ولكنها تكشف كفرهم وجرائمهم، تكشف حقيقتهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم.

أما لماذا يكون زمن بعثة النبي أو المبعوث هو زمن العذاب؟

فالجواب هو أن الله تعالى قد نظر إلى سيئاتهم، ورغب أن يسعوا ليتخلصوا منها، فأرسل مبعوثه ليرشدهم ويهديهم إلى ما فيه خيرهم، فإن استجابوا نجوا، وإلا فإن العذاب سيحق عليهم وسيعاقبون. ولأجل ذلك كانت الرابطة بين بعثة النبي أو المبعوث والعذاب، ولأجل ذلك قال الله تعالى:

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } (الإسراء 16)|

لكي يبين أننا لم نظلمكم، وإنما أرسلنا لكم مسبقا نبيا ينذركم، ولكن لم تستجيبوا له فهلكتم وعُذبتم. فبعثة الأنبياء إنما هي نعمة ينعم الله بها على الناس، ولا يمكن أن يعذبوا ويهلكوا إلا إذا كان قد أرسل لهم نبيا مسبقا ينذرهم.

لذلك، إذا شعر الناس أنهم في عذاب، وأن أدعيتهم لا تصل إلى السماء، وأن عذابهم متواصل، فلا بد لهم أن يتفقدوا أنفسهم ويعرفوا أنه لا بد أن يكون الله تعالى قد أرسل نبيا أو مبعوثا لينقذنا، وأن طريق النجاة لا تكون إلا عن طريقه، لذلك يجب أن يكون العذاب منذرا لنا وموجها، عسى أن يساعدنا الله تعالى في التخلص من سيئاتنا، ويرفع عن سخطه وعذابه.

والخلاصة هو أن الناس لا يعاقبون على مجرد رفض نبي أو مبعوث أو عدم الإيمان به، ولكن أيضا، إذا زادوا على سيئاتهم بأن وقفوا ضد هذا المبعوث وقاوموه واضطهدوا جماعته وارتكبوا الجرائم بحقه أو بحقهم، فهذا سيعظم من سيئاتهم وسيكون سببا للمسارعة في العذاب.

لذلك، فعندما نقول بأن الأمة لن تنجو من الهلاك والعذاب إلا بالإيمان بالإمام المهدي والمسيح الموعود، فإن هذا ما نعنيه، هو أنها بالفعل واقعة في سيئات وانحرافات كثيرة عن حقيقة الإسلام، ولن تتخلص من هذه السيئات ولن ترجع إلى الدين الحق إلا بمعرفة هذا المبعوث وبالإيمان به أو على الأقل الاسترشاد بهديه وبتعاليمه ونصائحه ونصائح الخلافة الراشدة من بعده.

أما مجرد الإيمان أيضا، دون إحداث التغيير في النفوس وفي الأخلاق، ودون الالتزام بما أمر الله به ورسوله وما أكد عليه الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، فهذا لن يجدي نفعا أيضا، بل يصبح حجة على من يعلن الإيمان بلسانه ولم يطمئن قلبه بالإيمان ولم يظهر الإيمان على جوارحه. وقد بيَّن القرآن الكريم أن قوم موسى قد آمنت طائفة منهم به واستجاب الجميع له ورضوه قائدا لهم، وخرج بهم من مصر، وقال لهم إن الله تعالى قد وعدهم الأرض المقدسة، ولكنهم لم يحصلوا عليها وحرموا منها لأربعين عاما لأنهم لم يدركوا أن مجرد الإيمان ومجرد الاستجابة والرضا بالقيادة السماوية لن يجدي نفعا، بل لا بد من الإخلاص في الإيمان، ولا بد من العمل للمؤمن، ومن حسن الاتِّباع والطاعة للتابع.

من المهم أخيرا أن يعلم الجميع أن الجماعة الإسلامية الأحمدية تعتبر نفسها جزءا من الأمة الإسلامية، وألا عدو لها بين المسلمين وليست مشغولة بالعداء بين الفرق والمذاهب وبحروبهم المشتعلة فيما بينهم، وتكفيرهم لبعضهم البعض -وكل من دخل الأحمدية ممن كان من تلك الفرق يجب أن يسعى للتخلص من هذه الآفة-. بل تمتاز الجماعة الإسلامية الأحمدية بأنها تطرح هذه البادرة من اعتبار المسلمين جميعا مسلمين لمجرد إعلانهم الانتماء إلى الإسلام، وأن الواجب على المسلمين مواساة بعضهم البعض والتناصح، ويمكن أن يتناقشوا بروح الأخوة سعيا لمعرفة الحق واتباعه لما فيه خير الإسلام والمسلمين جميعا، ولكن لا يحق لأحد أن يخرج أحدا من دائرة الإسلام ما دام يعلن نفسه مسلما. وأن جميع المسلمين بشتى طوائفهم ومذاهبهم إنما هم إخوة، ما داموا يؤمنون بنبي واحد وبكتاب واحد ويتوجهون نحو قبلة واحدة. وأن من شروط الانضمام إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية مواساة المسلمين خاصة ثم الخلق عامة. ولذلك فإن المسلم الأحمدي الذي يعرف حقيقة الأحمدية إنما هو الأحمدي المشفق على إخوانه المسلمين، الداعي لهم بأن ينقذهم الله تعالى من ويلاتهم وعذابهم وأخطائهم، الناصح الأمين لهم، لا الذي يشمت بهم أو يقول إنهم يستحقون لأنهم لم يؤمنوا بمبعوث السماء! ظنا منه أنهم يعاقبون على مجرد عدم إيمانهم فقط دون فهم حقيقة الأمر! ولا الذي يذكر سيئاتهم وأخطاءهم ويعرض عن جرائم أعدائهم، أو يحملهم مسئولية الجرائم التي ترتكب بحقهم!

وصحيح أن الإسلام يعلمنا مواساة خلق الله عامة، بما فيهم الأعداء، ولكن هذا ينبغي ألا يكون على حساب مواساة الإخوة في الإسلام، أو بالتركيز على مواساة الأعداء ونسيان أن الأوجب والأولى هو مواساة الإخوة المسلمين، خاصة إذا كانوا مظلومين. إن هذا المنهج السليم قد اختطته وسارت عليه الخلافة الراشدة بعد الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام دوما، وفي هذه الأزمة أخيرا، نجد أن هذا هو موقف الجماعة الواضح المستمر؛ حيث نبه الخليفة إلى بعض الأخطاء التي ارتكبت هنا وهناك، ولكنه لشهور عديدة ركز على أهمية الدعاء ومواساة المسلمين، وذكر جرائم أعدائهم وسكوت العالم وتواطؤه.

وعلى كل حال، فإنه الظروف والأزمات تكون من فوائدها التذكير بالعودة إلى الثوابت، كما أنها تؤدي إلى ازدياد المؤمنين علما، بكشف بعض الجوانب التي لم تكن واضحة كفاية من قبل.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *