العفو والصفح، بل والتعالي عن الأحقاد إلى الإحسان إلى المسيء، قيم إنسانية نبيلة راقية تجعل الإنسان يرث السعادة الأبدية في الدنيا قبل الآخرة. ولأجل ذلك يقول تعالى في صفات من وعدهم بهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض:

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (آل عمران 135)

ومن الطبيعي أن المتعالي عن الأحقاد الكاظم لغيظه ثم الذي يرتقي إلى درجة أن يحسن إلى من أساء إليه، سيكون في راحة نفسية دائمة وطمأنينة، وهذه أولى درجات الجنة في هذه الدنيا. لأنه لا شيء أثقل من الحقد والغل والغيظ على النفس. فالذي يعيش هذه المشاعر يكون في الواقع في نار مضطرمة دائمة تنغص عليه حياته.

كذلك فإن من استطاع أن يتعالى عن الأحقاد، ويرتقى إلى درجة الإحسان، فإنه سينال ثمرة أخرى أيضا، حتى ولو بعد حين، وهي ما سجله الله تعالى:

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت 35).

فالعدو سيتحول إلى بالعفو والصفح إلى صديق، بتكرار الإحسان وبالصبر. وهكذا سيجتمع للمحسن العفو الصفوح كلٌ من راحة النفس ثم زوال العداوات والبغض وتحسن في البيئة من حوله، بحيث يأمن شر عدوه، بل وقد يكسبه إلى جانبه.

وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم نماذج العفو والصفح في أسمى صورها، التي بالفعل جعلت أعداءه أقرب مقربيه، وفاز بقلوبهم إلى الأبد، كما فاز بالذكر الطيب إلى أبد الآبدين. وهذا في الواقع كان الانتصار الأكبر له صلى الله عليه وسلم. إذ إنه لو نجح في إفناء أعداءه وقضى عليهم قضاء مبرما، فلن يرى الناس سمو أخلاقه ولن يحظى بما حظي به من مكانة لا يشاركه فيها أحد.

ورغم أن تاريخ بني إسرائيل قد بدأ بحادثة عفو وصفح كبرى، وهي صفح يوسف عن إخوته وكفالته لهم، إلا أنهم لم يتعلموا الدرس، بل وافتروا على الله الكذب وجعلوا الحقد والأمر بالإجرام فعلا مقدسا!

فهل يعقل أن الله تعالى الذي يأمر بالعفو والصفح والإحسان هو من قال أيضا:

{اُذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ. 18كَيْفَ لاَقَاكَ فِي الطَّرِيقِ وَقَطَعَ مِنْ مُؤَخَّرِكَ كُلَّ الْمُسْتَضْعِفِينَ وَرَاءَكَ، وَأَنْتَ كَلِيلٌ وَمُتْعَبٌ، وَلَمْ يَخَفِ اللهَ. 19فَمَتَى أَرَاحَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ حَوْلَكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا، تَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. لاَ تَنْسَ.} (اََلتَّثْنِيَة 25 : 17-19)

هل هذا هو نفس الإله الذي يقول للمسلمين بعد معركة أُحد:

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (140) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران 140-141)

فلم يقل لهم إن عليكم ألا تنسوا ما فعلوه بكم، بل قال -معزيا لهم- إنكم تأذيتم وهم قد تأذوا من قبل أيضا، وكأنه يقول إنكم عليكم أن تشعروا بمصابهم أيضا، وتوجه للمسلمين لجبر خاطرهم ودعوتهم إلى الصبر، لا إلى الحقد لكي ينتقموا منهم في المستقبل.

أما ما جاء في الكتاب المقدس، فأي إساءة يمكن أن تنسب إلى الله كنسبة كلام كهذا له؟ وأي جريمة أكبر من الاستشهاد بهذا النص في تبرير جرائم الإبادة الجماعية وكأنها أمر الله تعالى ومبعث رضاه!

هذا الكلام لا يليق إلا بامرأة شريرة دميمة مشعلة للحروب تصيح في أبنائها تذكرهم بالأحقاد وتأمرهم بألا ينسوا! وتطالبهم بالانتقام!

أما نسبته إلى الله، فبخلاف الإساءة البالغة له تعالى، فلن تكون النتيجة إلا أن تجعل هؤلاء الناس أكثر الناس حقدا وتآمرا وإشعالا للحروب مخدِّرين أنفسهم بأنهم ينفذون المشيئة الإلهية! مما جعل الأمم تبغضهم وتسومهم سوء العذاب على مدى تاريخهم. واستمرارهم في هذا النهج يدفعهم إلى كارثة حتمية لو وعوا وفقهوا الدرس. ولكن يبدو أنهم مصرون بأن يكونوا قوما لا يفقهون.

إن صوت العفو والصفح والإحسان إنما هو صوت الله الرحمن، أما صوت الحقد والعدوان ليس إلا صوت الشيطان.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *