هل كان الله مع بني إسماعيل أم مع بني إسرائيل؟ وهل بعثة الأنبياء في بني إسرائيل علامة رضى أم سخط؟ ولماذا حمى الله الكعبة وسمح بدمار الهيكل؟
قد يُعتقد أن الله تعالى كان قد فضل بني إسرائيل على بني إسماعيل؛ إذ أرسل فيهم أنبياء كثر، ولم يرسل في بني إسماعيل أنبياء إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يُعتقد أن هذا يدل على أن الله تعالى كان قد أهمل بني إسماعيل وأنه لم يكن راضيا عنهم، ولكن الحقيقة هي العكس تماما، وهذا يُدرك بمعرفة الغاية من بعثة الأنبياء، والآثار العملية لرضى الله تعالى أو سخطه. فبعثة الأنبياء ليست دليل رضى بل دليل فساد القوم، ورضى الله يظهر عمليا في أن الله تعالى يحافظ على القوم ولا ينزل بهم العذاب ولا يسمح بتدمير أماكنهم المقدسة. ووفقا لهذه المعايير سيتضح إلى جانب من كان الله تعالى ولا يزال.
صحيح أن بعثة الأنبياء هي نعمة عظيمة على النبي المبعوث وعلى قومه، ولكن النبي لا يُبعث إلا عند الفساد الذي لا يمكن تداركه، ويمكن القول إن النبوة مع كونها نعمة فهي علامة على أن القوم الذين بُعث فيهم النبي قوم فاسدون تداركتهم رحمانية الله تعالى لإخراجهم من فسادهم الذي من علاماته عذابهم المتواصل الذي يشير إلى أنه لو استمر فسيؤدي إلى هلاكهم. فالعذاب في الواقع هو نتيجة مباشرة لأفعال الناس، والنبي يبعث عند العذاب ليخلصهم منه، لا لكي يتعذبوا، وهذا هو المقصود الأساس بقوله تعالى:
{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء 16)
أي أنكم ستجدون الرسول قد بُعث بالفعل عند العذاب، ولا يمكن أن يعذب الله الناس دون أن يكون قد أعد لهم سبيل الخروج والنجاة، وليس المقصود أن الرسول نذير شؤم والعياذ بالله يحمل العذاب لقومه بسبب تكذيبهم له!
وإذا نظرنا إلى تاريخ بني إسرائيل، فسنجد أنهم كانوا أسوأ مثال لأتباع الأنبياء. فقد ارتدوا إلى عبادة العجل مباشرة لمجرد غياب موسى أربعين يوما، وخذلوا موسى في حياته ثم عبدوا الأوثان لاحقا رغم بعثة الأنبياء فيهم، هؤلاء الأنبياء الذين أجرموا بحقهم وقتلوا بعضهم وافتروا عليهم افتراءات عظيمة قتلوا فيها شخصياتهم الكريمة ونسبوا إليها أسوأ الأخلاق وأسوأ الجرائم. فهارون عندهم هو الذي قد صنع العجل، وإبراهيم من قبل قدم زوجته مرتين لأبيمالك الفلسطيني ولفرعون في مصر مدعيا أنها أخته لكي يأخذوها، ويعقوب سرق البركة من أخيه عيسو بمؤامرة بعد أن كان عيسو هو وارث البركة الحقيقي، ويهوذا زنا بكنته ثامار وأنجب منها، وداود شاهد امرأة عريانة تستحم، وهي زوجة قائد مخلص عنده كان مستعدا أن يفديه بروحه، فأخذها ثم تآمر عليه وأرسله للموت لكي يتزوجها، وبعد أن تزوجها أنجبت في حملها الثاني سليمان، وسليمان كفر وعبد آلهة نسائه، وغير ذلك الكثير من قبل ومن بعد؛ فنوح شرب الخمر حتى سكر ورقص عريانا في خيمته، ولوط زنا بابنتيه لكي ينجب بعد عذاب سدوم وعمورة وأنجب منهما مؤآب وعمون! وغير ذلك من القصص التي تأنف النفس منها. فلم يكتفوا بالإجرام في معصية الله تعالى وترك وصاياه، بل أجرموا بحق أنبيائهم وآبائهم ونسبوا إليهم أسوأ الأفعال، وسجلوها في أسفار عدوها مقدسة، وهي أسفار ما يعرف بالعهد القديم.
ويسجل العهد القديم مرارا أن الرب قد حمي غضبه عليهم وعذبهم بسبب عبادتهم للأوثان وابتعادهم عن العهد والوصايا والانحراف عن أوامره، ووصفهم بأسوأ الأوصاف وبأنهم شعب “صلب الرقبة” وأنهم لا يفهمون، وقضى أن يتشردوا في الأرض، وفي قصة أهولة وأهوليبة الرمزية الفاحشة في سفر حزقيال تذكر كيف أن كل من مملكة السامرة الشمالية التي رمز لها بأهولة ودمرها الأشوريون ومملكة الجنوب أو مملكة يهوذا التي رمز لها بأهوليبة التي دمرها البابليون. ثم عندما جاء المسيح نعتهم بأسوأ الأوصاف كـ “أبناء الأفاعي” وأكد لهم إنهم قد أصبحوا مغضوبا عليهم، وأن ملكوت الله قد نزع منهم وسيعطى لأمة تعمل أثماره وهي بنو إسماعيل الذين كانوا صالحين في عين الرب وسيقومون بالصلاح إلى نهاية العالم.
والعلامة الهامة على أنهم كانوا طول تاريخهم تحت الغضب الإلهي هو أن الرب قد أنزل بهم العذاب تلو العذاب وقد دمر الهيكل أول مرة على يد البابليين، ثم دمره مرة أخرى بعد أن رفضوا رسالة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام على يد الرومان، بعد أن كان الفرس قد أعادوا فقط سبط يهوذا وجزء من سبط بنيامين بعد السبي، وبقيت بقية الأسباط منفية في الشرق فيما يعرف حاليا بأفغانستان وكشمير في الهند.
أما على الجانب الآخر، فقد حافظ العرب على العهد الإسماعيلي لأكثر من 2200 عام، وحافظوا على رسالة إبراهيم، وبقي فيهم التوحيد كل هذه المدة إلى ما قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم التي شهدت شركا وعبادة أوثان سبقت البعثة بالنبوة بما لا يزيد عن 120 عاما على أكثر تقدير. أما قبل ذلك، فلم يعرف العرب الأوثان وكانوا على الديانة الإبراهيمية. ولعل من أهم الدلائل على أن الشرك كان مستحدثا ولم يكن عميقا في تاريخ العرب هو أن ذكر أسماء الآلهة في أسماء العرب كان فقط في تلك المدة المحدودة. فنلاحظ مثلا أنه في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم لم يظهر اسم “عبد مناف” المنسوب لأحد الآلهة إلا في والد هاشم، وظهر في أعمام النبي صلى الله عليه وسلم “عبد العزى” الذي عرف بأبي جهل. وبالنظر إلى أن عبد مناف هو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على أنه عاش في فترة تتراوح بين سبعين ومئة عام فقط قبله. أما في أسماء الأجداد من قبل فلا أثر لذلك مطلقا، ومما يؤكد على حضور الله تعالى في معتقداتهم أن والد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه “عبد الله”، فلم يؤد الشرك إلى هجران التوحيد تماما وغياب الإيمان بالله تعالى. بل كانوا يرون أن هذه الآلهة هي عبارة عن واسطة لتقريبهم إلى الله تعالى زلفا كما يذكر القرآن الكريم:
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر 4)
والواقع أن دخول الأوثان كان السبب فيه التأثر بالوثنية اليونانية والرومانية، ونقلها إلى الجزيرة العربية العرب المسيحيون في بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية الذين كانوا يحتكون بالرومان. وتذكر السيرة شخصا اسمه عمرو بن لحي من قريش أنه هو أول من أدخل الأوثان إلى الكعبة، ويقدر بأن كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بما يقارب الخمسين عاما. ولنلاحظ مثلا أن “هبل” إنما هو نسخة معربة من الإله الوثني الإغريقي “أبولو”، بصفته إله الشمس وزعيم الآلهة.
وقد آمن العرب بنبوءة إبراهيم الذي دعا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم في نسل إسماعيل، وحافظوا على ختان الذكور الذي كان علامة العهد، وبقي نسله في مكة رغم صعوبة العيش وعدم توفر وسائل العيش، حتى إن المجاعة كانت تضربهم أحيانا وتهلكهم. وعندما بدأ أبناء إسماعيل بترك مكة قام أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وهو “قصي بن كلاب” بجمعهم مجددا وتذكيرهم بالعهد الإبراهيمي، وأنهم يجب أن يبقوا حول الكعبة لكي يظهر النبي الموعود فيهم. وابتكر فكرة رحلة الشتاء والصيف بأن يقوم القادرون على التجارة بين اليمن والشام بحيث يذهبون إلى اليمن في الشتاء وإلى الشام في الصيف وينقلون البضائع، وكانت أرباح التجارة تقسم إلى قسمين؛ قسم لصاحب المال والتجارة، والقسم الثاني يجمع من التجار وينفق فيه على بقية أهل مكة الذين لا يتاجرون. وقدموا بذلك مثالا عظيما للتضحية والتكافل. وهذا كان السبب في حماية البيت الحرام بسبب رحلة الشتاء والصيف، وموقف أهل مكة وإيمانهم وتضحياتهم، ولذلك نجد أن سورة الفيل التي تذكرِّ بحماية الله للبيت الحرام جاء بعدها سورة قريش التي تقول بأن الله تعالى قد حمى البيت “لإيلاف قريش” أي بسبب إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، والله تعالى قد حقق لهم بسبب ذلك الأمن والأمان والغنى. وقد حافظ العرب على مكانة البيت وبقوا يتوجهون للحج في كل عام، حتى بعد ظهور الشرك، ولم يتركوا الحج مطلقا. وقد سجل القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تقلب في أصلاب الساجدين لله من عباده، وجاء من ذرية مباركة، إذ يقول القرآن الكريم:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } (الشعراء 218-220)
وبسبب أن الفساد لم يكن مستشريا فيهم إلى حد كبير فلم يبعث الله تعالى فيهم أنبياء إلا عندما تعاظم الفساد، فأرسل الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، ثم من بعده أنعم الله تعالى عليهم بنعمة الخلافة لأنهم لم يبلغوا من الفساد ما يتطلب بعثة أنبياء، بل كانوا محافظين على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مئات السنين. فعدم بعثة الأنبياء خلال هذه المدة شهادة من الله تعالى على أنهم كانوا صالحين إلى حد كبير.
والعلامة الهامة على رضا الله تعالى عن بني إسماعيل إلى ما قبل عصر الجاهلية، والتي تعني تجاهل حقيقة الإله الواحد الذي يؤمنون به والميل إلى إشراك آلهة معه، والذي سبق النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يزيد على عقد من الزمان، هو أنه عندما أراد أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة، وجاء بجيش جرار ومعه الفيلة، قضى الله تعالى على الجيش بآية سماوية عندما كان العرب عاجزين تماما عن الدفاع، بل كانت ثقة عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى سيحمي البيت آية عظيمة بحد ذاتها، إذ قال بكل ثقة لأبرهة “للبيت رب يحميه”. فرغم أن البيت كان قد تلوث بالأوثان حينها، إلا أن الله تعالى كان يعده بيته كما كان منذ القديم، وأن مرحلة الأوثان هي مرحلة عابرة مؤقتة سرعان ما ستزول. وبالفعل ولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، وما هي إلا سنوات قليلة حتى آمن العرب بالنبي صلى الله عليه وسلم وقدموا أعظم الأمثلة على التضحية والفداء، وكان الصحابة المثال الأعظم لأتباع الأنبياء في التاريخ. وصحيح أن العرب قد عارضوه في البداية، وكانوا في جاهلية وشرك في القرن الأخير قبل بعثته، إلا أنهم بعد المعارضة بل وحتى نكسة الارتداد التي استمرت أشهرا معدودة نراهم قد آمنوا عن بكرة أبيهم، ثم حملوا الإسلام إلى العالم. وما زال البيت الحرام قائما وشاهدا على أنه بيت الله الحق، وما زال تعظيمه يزداد في قلوب العالم، وما زال يؤمه المسلمون من كل بقاع العالم وتهوي أفئدتهم إليه. وبعد موسى كان الله تعالى قد أرسل النبي تلو النبي لإصلاح بني إسرائيل بلا جدوى، أما بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرسل الله تعالى الأنبياء وإنما أقام الخلافة تكريما للأمة وإعلانا أنها مؤمنة عاملة للصالحات:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور 56)
وأخيرا، فجدير بالذكر أنه في الوقت الحالي من الواضح أن الله تعالى قد غضب نسبيا على المسلمين، ولكن ليس إلى الحد الذي قرر فيه التخلي عن الإسلام، وإلا لدمر البيت الحرام الذي تؤكد الشهادة العملية أنه ما زال يعظم ويزدهر في قلوب المسلمين، وترغب القلوب في أقصى أطراف الأرض لزيارته في كل عام بالشوق والدموع. وليس هذا فحسب، بل اختص الله تعالى الإسلام بأن حفظ القرآن الكريم نزيها من أي ضياع أو تحريف كعلامة خاصة إضافية لصدق الإسلام وصلاحيته إلى الأبد. وقد وعد الله تعالى بأن يظل البيت الحرام في أيدي المسلمين إلى قيام الساعة، وقد تحقق ذلك بأنه لم يسمح لغاز أن يدخله من بعد فتح مكة ولن يسمح. ولكن تراجع حال الأمة الإسلامية ونزول العذاب بها سببه أن الفساد قد استشرى نسبيا، وهذا ينبغي أن يكون مرشدا إلى أن الله تعالى قد تدارك هذه الأمة حتما وأرسل العلاج وإن كان كثيرون عنه غافلين. فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنبأ ببعثة المسيح والمهدي في آخر الزمان عندما يستشري الفساد لإحياء الإسلام ومقاومة معارضي الإسلام الذين يفترون عليه الكذب ويحاولون القضاء عليه. وإن كان هناك من يظن إن هذا المسيح هو ذاته المسيح عيسى بن مريم الذي كان لبني إسرائيل، فإن الدلائل تؤكد أنه سيكون شخصا آخر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن عيسى بن مريم عليه السلام قد توفي ولن يعود قبل يوم القيامة. ومن الطبيعي أن هذا الأمر يحتاج إلى تأمل ولن يكون في متناول الجميع، ولكن الله تعالى قد رتَّب على من آمن به وصدَّقه أجر عظيم، وجعل في جماعة هذا المبعوث البركة المرجوة والخير الذي سيعم الأمة فيما لو آمنوا وصدقوا. فنسأل الله تعالى أن يوفقهم لذلك، آمين.


لا تعليق