يعلِّمنا إسلامنا العظيم أن من واجبنا أن نركز على حقوق الآخرين قبل حقوقنا، بل أن نتنازل عن حقوقنا إحسانا إلى الآخرين، بل أن يكون إحساننا عفويا وفطريا كإحسان الأم إلى أولادها. فالمسلم الحقيقي لا يكون مركِّزا على حقوقه ساعيا لتحقيقها بكل وسيلة، بل هو الذي يخشى أن يقصِّر في حقوق الآخرين، ثم يندفع للإحسان إليهم بعاطفة فطرية.

من هنا نرى أن فكرة الإضراب في أصلها تتناقض تماما مع هذا التعليم الإسلامي الأساسي الذي بُنيت عليه التعاليم كلها. فالإضراب هو الامتناع عن العمل أو تقديم الخدمات لكي نضغط على الحكومة أو المسئولين ليؤدوا إلينا ما نراها حقوقا مشروعة لنا، والضحية في النهاية هم المواطنون البسطاء الضعفاء الذين هم بحاجة إلى هذه الخدمات، وهم الذين سيتضررون نتيجة ذلك.

أما إذا كان الهدف هو رمي الكرة في ملعب الحكومة وتحميلها المسئولية عن الضرر الذي سيلحق بالمواطنين، فهذا المبدأ المبني على الابتزاز يتناقض مع تعاليم الإسلام أيضا، وليس صعبا الإدراك أنه عمل لا أخلاقي لا يمكن أن يقبله الضمير الإنساني الحيّ.

أما إذا قيل إن الإضراب هو أمر مشروع شرَّعته الديمقراطيات الغربية، وهو حق للعاملين ونقاباتهم من أجل تحصيل حقوقهم، فنقول إن الخطأ لا يمكن أن يصبح صوابا فيما لو شرَّعه القانون وأباحه.

وربما تتعاظم الجريمة فيما لو نسب الإضراب إلى الإسلام أو ادعى بعض من يقدمون أنفسهم على أنهم متأسلمون أنه عمل نبيل ينسجم مع الدين أو أنه ينبع منه. فالامتناع عن عمل يتقاضى عنه الموظف أجرا إنما هو إثم لا يبرره أي ظلم مفترض لحق بهذا الموظف. لأن الواجب عليه إما أن يقبل ظروف العمل أو أن يتركه، لا أن يحاول الضغط على مشغِّله بإيقاف عجلة العمل. وتعاليم الإسلام واضحة بهذا الشأن.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل 91)

فالواجب علينا أن نعدل بإعطاء الآخرين حقوقهم، والواجب علينا أن نتجاوز العدل إلى الإحسان؛ الذي يعني أن نعطي من ليس له حق عندنا أو أو نعطي صاحب الحق فوق حقه، ثم الإحسان الفطري الذي هو إيتاء ذي القربى؛ أي نعامل كل الناس وكأنهم ذوو القربى أي اقاربنا المقربون الذين نؤدي لهم كل شيء دون مقابل ودون رغبة في جزاء ولا شكور. ولن تجد في القرآن الكريم موضعا واحدا يأمرنا بأن نأخذ حقوقنا عنوة، غير مبالين بما قد يقع على الآخرين من ظلم في هذا السبيل، وغير مراعين لحقوقهم. بل نجد أن القرآن الكريم يقول إن كل حقٍّ يمكن أن يؤدي الحصول عليه إلى ظلم فيجب أن نتركه لوجه الله تعالى، ونسأل الله تعالى هذا الحق، وهذا ما أكدت عليه السنَّة النبوية أيضا. ويأمرنا الإسلام أن نعفو ونصفح ونكون مستعدين بالتضحية بأنفسنا، لأن أن نضحي بالآخرين في سبيل الحصول على حقوقنا.

أما كيف يمكن المطالبة بالحقوق؟ فكل طريق ليس فيه ظلم ولا ضرر بحق أحد يمكن اتباعه. مع الاستعداد دوما للتضحية في سبيل تحقيق حقوق الآخرين وإدامة الأمن والسلام والاستقرار في المجتمع. وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يجب فعله في حال كهذا، إذ ركَّز على أن الواجب أن تفكروا في تأدية الحقوق حتى لمن يظلمونكم، وأن تسألوا الله حقكم، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:

{إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ} (صحيح البخاري، كتاب الفتن)

وللأسف، فمع بداية هذا الأسبوع دخل إضراب المعلمين أسبوعه الثالث، وما زال التعنُّت من قِبَل نقابتهم سيد الموقف، والأنكى والأمرّ أنهم يرون في موقفهم هذا عملا بطوليا قيميا يفتخرون به، بل ويقدِّمون الأمر على أنهم بموقفهم هذا يعطون الطلاب درسا في كيفية تحصيل الحقوق! ولكن، كلَّنا أمل بالله تعالى ألا يتعلَّم الطلاب هذا الدرس؛ لأنهم لو تعلموه فستنهار منظومة قِيَم المجتمع وسيتوجه إلى الدمار والصدام الذي لا نهاية له.

ورغم أن النقابة لم تركِّز كثيرا على ربط هذا الموقف بالدين، إلا أن هنالك إشارات واضحة من ممثلهم على ذلك. والمهم أن يدرك الجميع أن هذا الموقف الإسلام منه براء، بل هو اتِّباع أعمى لسنن الذين من قبلنا، والذي حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

نتمنى على النقابة أن تعود إلى صوابها، وأن تعالج هذا القرار الخاطئ بأسرع وقت وتعتذر للشعب وللطلاب، وتسأل الله تعالى العفو أيضا على ما ارتكبته وما أغرت به قطاعا كبيرا من المعلمين الذين نعلم أن قيمهم الأصيلة التي يحملونها تتناقض مع هذا الموقف. عسى أن ينسى المجتمع هذه الإساءة التي قد ترقى إلى جريمة بحق القطاع الأوسع من الطلاب في المدارس الحكومية الذين هم أبناء الفقراء ومن هم بالكاد فوق خط الفقر ويخشون أن يسقطوا تحته في أي لحظة.

التعنُّت ليس من الدين في شيء، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:

{رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى} (سنن ابن ماجه، كتاب التجارات)

فعلى المعلمين أن يبادروا إلى فك الإضراب في أسرع وقت، وعليهم أن يمنعوا ممثليهم من نبرة الغلظة والتعالي وعدم الاكتراث التي يطلقونها، وأن يمتنعوا عما يدعونهم إليه من تصعيد. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:

{مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ} (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب)

وقال صلى الله عليه وسلم:

{لَمْ يَدْخُلْ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ} (مسند أحمد، كتاب باقي مسند المكثرين)

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمعرفة مسئولياتنا وأدائها على خير ما يرام، بفضله وبرحمته، آمين

__________

أرفق مجددا قصيدتي المهداة إلى المعلمين المضربين

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *