لفت انتباهي قبل أيام، ما نشره الصديق الدكتور محمد حبش، حول فيديو للشيخ عثمان الخميس، يقدم صورة بشعة للإسلام، ويقول إن المسلم يجب ألا يخجل من دينه!
هو في الواقع يدرك ويعترف أن ما يقدمه إنما هو أمر مخجل، ويطالب المسلم أن ينزع عن نفسه لباس الخجل، ويصرح بهذه الأمور البشعة ويتباهى بها!
علما أن الخجل والحياء إنما هو ميزة الإسلام وخلقه المميز، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ} (موطأ مالك، كتاب الجامع) وصاحبنا يدعونا لنزع الحياء والمباهاة بأفكاره العدوانية الهمجية!
الأصل أن الدين إنما جاء لينظم حياة البشر، ويحافظ على حقوقهم، ويجعلهم يعيشون في أمن وسلام وتفاهم؛ وذلك بكبح جماح النزعات الحيوانية السبُعية أو البهيمية التي في فطرة الإنسان والتي تدفعه نحو السوء بالاعتداء على حقوق غيره، وفي تنمية الجانب الإنساني الراقي في الإنسان الذي يدفعه نحو الإحسان لبني جنسه ويلومه على كل سيئة أو تقصير بحقهم. فهدف الدين الأساس أن يرتقي بالإنسان ويجعله أكثر إنسانية، ثم يترقى في مراتب الإنسانية ليصبح إنسانا ربانيا ينشر الخير والحسنة حيثما حلَّ.
أما إذا غرس الدين في أتباعه أنهم مفضلون على إخوانهم من بني البشر، وأنهم يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، وتضمَّن تعاليم تدعو إلى الظلم والعدوان والهجمية، فهذا بلا شك ليس الدين الحق. وحتى وإن كان بالأصل هو الدين الحق، فهذا ليس سوى نسخة محرفة ومشوهة منه. فالواجب على الأتباع، بموازاة نقاشاتهم حول أي الأديان هو الدين الحق، أن يبحث كل منهم على النسخة الأقرب إلى الإنسانية في دينه، أو على الأقل أن يتجاهل تلك التعاليم العدوانية والهجمية، وأن يتعاونوا على البر والتقوى وعلى إرساء السلام في العالم.
وفيما يخص الإسلام، فمما لا شك فيه أن الإسلام يمتاز عن غيره بهذه التعاليم السامية، بل وبالتطبيق الإنساني الرائع على مدى عصور، ولكن هذا لم يمنع، ولم يكن من الممكن أن يمنع، ظهور نسخ فاسدة من الإسلام تأمر بالظلم والعدوان والهمجية وتحرف الدين الإسلامي السمح عن مساره. فلا ينبغي أن يظن أحد أنه ما دام مسلما، فإنه مهما انحرفت مفاهيمه أو تعاليمه، فهو على الحق! بل على العكس تماما، إن قوة التزام المسلم، والتي هي من مزايا الإسلام، تجعل من الخطير جدا تبني تعاليم همجية أو وحشية، لأن هذا سيترجم إلى ظهور فئات من المجانين المجرمين الذين قد يرتكبون الجرائم بدم بارد، ظانين بأنهم يخدمون دينهم وينفذون مشيئة الله تعالى، كما حدث عندما ظهرت داعش.
أما الأديان الأخرى، فربما من المزايا السلبية المفيدة هي أنها ليست فيها قوة التزام، وإن وجدت فهي ضعيفة جدا، ولا يمكن الاعتماد عليها في إنشاء حركات أو جماعات قد تفسد سلام العالم باسم الدين. ولكن مكمن الخطورة في هذه التعاليم هو أنها هشة ومخترقة وقابلة للتحريف المستمر، مما يجعل سلوك أتباعها مختلفا نوعا ما. فأتباع الأديان الأخرى تركيزهم على مصالحهم الشخصية، ويمكن السيطرة عليهم بسهولة من هذا الجانب، ولكن التعاليم المحرفة الدينية التي أدرجت في أديانهم والتي تأمر بظلم إخوانهم وبالعدوان وبالهمجية قد تؤمن لهم نوعا من السلام النفسي والرضا عما يقومون به من ظلم أو ما يدعمونه، مبررين ذلك بأن هذه هي مشيئة الرب. مع أن الرب ومشيئته لا تعنيهم في شيء، ولكن الدين يجمِّل هذا الظلم ويعطيهم مبررا كاذبا لأفعالهم التي ليست مبنية سوى على المصالح الخاصة.
وهكذا نجد أن الدين عندما يفسد، فإما أن ينشئ جماعات من المجرمين يدعون أنهم ينفذون مشيئة الرب، أو أنه سيصبح في خدمة المجرمين الذين لا يعنيهم الرب ولا الدين، ولكنه سيزين لهم أعمالهم ويجعلهم يظهرون بمظهر أصحاب رؤى إنسانية تتسامى عن المصالح الشخصية النابعة عن الغرائز الطبيعية في الإنسان التي تدفعه نحو السوء والظلم.
أخيرا، أزعم أنني أتبع الإسلام الحق، الذي لا أرى فيه شيئا مخجلا، والذي تخجل الفرق المنحرفة والأديان الباطلة أمام جماله وقوة تعاليمه. وأرى كيف تخضع الرؤوس ولا تملك أمامه إلا الاستسلام لقوة حجته وجمال تعاليمه. ولو كنت في شك من هذا ما لزمني اتباعه في شيء.
فهل تفكرت في نسختك من الدين؟ ورأيت إلى أي مدى تقترب من إنسانيتك؟ وهل ترى فيه ما يُخجل؟

لا تعليق