الصلاح في الأصل إنما يعني البراءة من كل عيب، وافتقاد الصلاح، أو ما يمكن تسميته بالفساد، إنما يعني وجود عيوب خطيرة تحول دون تحقيق الغرض الذي وضع الشيء من أجله. وعلى مستوى الأفراد، فإن الصلاح إنما يعني البراءة من العيوب بحيث يليق بالمرء أن يوصف بالصالح، وعلى مستوى الأمة فهو براءة الأمة من العيوب الخطيرة والمسالك الضالة التي تسير عليها، مما يؤدي إلى تراجعها وفشلها واضمحلالها ووقوعها فريسة في أيدي الأمم القوية الأخرى التي ليس بالضرورة أنها صالحة.
وفي العادة، لا تلتفت الأمم إلى عيوبها ومفاسدها، ولا تنكشف عليها، ولا يمكن أن تتلمسها وتقرر أن تتغير، إلا من خلال الهدي الإلهي بواسطة الأنبياء والمبعوثين. وبتعامل الناس مع الأنبياء والمبعوثين تنكشف عيوبهم وتظهر حقيقتهم، فالأنبياء والمبعوثون في الواقع يكشفون هذه العيوب كضوء كاشف في ليلة مظلمة، فيتميز الخبيث من الطيب؛ وتلقائيا يقف الخبيث في موقف الكافر والمعارض “الفاسد” فيعرف، ويقف الطيب في موقف المؤمن الخاضع المطيع “الصالح” فيعرف أيضا. فالنبي لا يحوِّل الناس إلى كافرين ومؤمنين، وإنما يُظهر طبائعهم، ويعمل على تحسين هذه الطبائع وترقيتها، ليتحول الكافرون الذين كانت فيهم عيوب حالت دون إيمانهم في البداية إلى مؤمنين، وليترقى المؤمنون في إيمانهم ويزدادوا صلاحا. هذا على مستوى الأفراد.
أما على مستوى الأمة، فما دام موقفها العام معارضة الأنبياء والمبعوثين والتضييق عليهم، فهذا يدل تلقائيا على أنهم واقعون في عيوب كثيرة وفساد؛ ليس معارضة الأنبياء والمبعوثين إلا دليلا عليها. فمعارضة الأنبياء والمبعوثين لا تحولهم إلى فاسدين، بل تكشف فسادهم وتطلعهم عليه، وهي مع الأسف تؤدي غالبا إلى تفاقم أوضاعهم؛ لأن ارتكاب الجرائم بحق الأنبياء والمبعوثين بدافع المعارضة يزيد من إجرامهم ويجعلهم تحت البطش والغضب الإلهي.
أما كيف يزول هذا الفساد؟ هل بإيمان الناس عن بكرة أبيهم بالنبي والمبعوث وانضمامهم على جماعته؟ أم بترك معارضته والسماح له بنشر دعوته كخطوة أولى، ثم إنشاء الروابط والعلاقات الطيبة معه ومع جماعته والتعاون على البر والتقوى والأعمال الصالحة الطيبة؟
الواقع أن ما هو مطلوب إنما هو ترك المعارضة والسماح للنبي بنشر دعوته بحرية، وحتى لو لم يكن بينه وبين المجتمع أي نوع من التعاون، فإن ترك المعارضة بحد ذاته حسنة عظيمة ينال المجتمع ثمراتها. ثم يمكن أن تتعاظم هذه الحسنات وينال المجتمع والأمة فوائد هائلة بالاستهداء بهديه؛ سواء بجعله قائدا لهم في شئون الدنيا، أو بأخذ رأيه وموقفه وإرشاداته بعين الاعتبار وتقديره وتوقيره. ولذلك نجد أن الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام قد ذكر في كتابه “ضرورة الإمام”، في معرض تفسيره لمفهوم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء 60)
أن ولي الأمر الذي لا يعارضنا فهو منا. وهذه درة رائعة من درر حضرته عليه السلام؛ إذ إن غالبية المسلمين لا يفهمون من “وأولي الأمر منكم” سوى أن واجبنا هو طاعة ولي الأمر المسلم الموافق لنا في الدين أو المذهب. وفهم هذه النقطة على حقيقتها كفيل بأن يزيل حجما هائلا من الخطل والخلل الفكري والسلوكي.
أما الظن بأن الصلاح لا يتحقق ولا يمكن أن تبدأ الأمة به إلا بالإيمان بداية بالمبعوث الإلهي عن بكرة أبيهم، فهذا أمر غير واقعي وغير صحيح، ولنا فيما حدث في صدر الإسلام نموذجا واضحا.
عندما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، كل ما كان يطلبه من قريش أولا ثم من العرب ثانيا إنما هو أن يَدَعوه وشأنه هو وأصحابه وألا يعارضوهم ويتركوا المجال لمن شاء أن يؤمن وألا يقهروه أو يجبروه على دين أو على ترك دين؛ وهذا على سنة الأنبياء السابقين كما يبين القرآن الكريم، وما جاء توضيحه خاصةً مجازا في قصة صالح، إذ يقول:
{هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (الأَعراف 74)
أي لا تعيقوا دعواي، واتركوني أتحرك بحرية على ناقتي التي هي آية لكم، وإلا فمن غير المعقول أن يتحرك غضب الله تعالى لإهلاك قوم لمجرد قتل ناقة، مهما كانت هذه الناقة، بينما يمكن أن تسفك الأمم أرواح أناس أبرياء بالملايين ولا يتحرك غضب الله تعالى لإهلاكهم! تعالى الله عن ذلك.
على كل حال، بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وسلم المقام في المدينة، كل ما كان يريده هو أن ينشر دعواه بحرية لإنقاذ الأمة العربية حينها ثم العالم كله من فساده وسيئاته التي ستقوده إلى الهلاك. ولكن مع الأسف، دفعهم الفساد إلى الاعتداء عليه وعلى أصحابه ومحاولة اجتثاثهم، وبسبب الاعتداء عليه، كان واجبا عليه أن يدافع عن نفسه بعد أن أذن الله تعالى له بذلك. ومع إصرار القبائل العربية على معارضته، صار واجبا أن يتحرك إليهم ويطلب منهم ترك هذه العداوة، وكان مؤشر ترك هذه العداوة هو أن يقبلوا دعوته إلى الإسلام، أو أن يضطر آسفا لمحاربتهم أو مهادنتهم مؤقتا بجزية يدفعونها لإدراكهم لقوته حينها. أما ما المقصود بدعوته لهم لقبول الإسلام؟ هل كان يريد أن يسلم الجميع في القبيلة؟ أم أن تترك هذه القبيلة المعارضة والعداوة وأن يُسمح للمسلمين من أهل القبيلة العيش بحرية يمارسون دينهم، وأن يُسمح لمن شاء أن يسلم ولا يمنع من ذلك؟
نعم، إن قبول الإسلام الذي كان يعرضه النبي صلى الله عليه وسلم -ثم أبو بكر الصديق لاحقا بعد ارتداد هذه القبائل- لم يكن سوى قبول الإسلام بمعنى ترك معارضته والسماح للمسلمين العيش بحرية، بل والسماح لمن شاء أن يتدين بالدين الذي يشاء، وألا يكون هناك فتنة وإكراه في الدين. فهذا لا يقتضي أن تسلم زعامة القبيلة، ولا أن يسلم عدد ما أو نسبة ما من القبيلة، بل أن تتخذ الزعامة والناس الموقف غير المعارض، ويتعايشوا مع المسلمين، وبذلك يكونون قد قبلوا الإسلام، وهذا لا يعني أنهم جميعا قد اعتنقوه أو اعتنقه غالبيتهم العظمى كما يظن البعض. وهذا الموقف صار كفيلا بأن يتحالف هؤلاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتعاونوا معه على البر والتقوى، وعلى العيش المشترك، وعلى مواجهة الأخطار المشتركة للأمة العربية حينها، ثم للأمم التي تدخل في حلف المسلمين لاحقا، كلما انتشر الإسلام في العالم. وهكذا، فإن هذا القبول يعد مرحلة أساسية وهامة من صلاح الأمة العربية حينها، رغم أن الإيمان أي الإسلام الحقيقي لم يكن قد تمكَّن من العرب الذين أسلموا، لذلك قال الله تعالى:
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات 15)
بل كانت غالبيتهم لم يسلموا، وهذا بدا واضحا بصورة خاصة في بلاد الشام والعراق ومصر. فرغم خضوع الشام والعراق ومصر لحكم المسلمين في مرحلة مبكرة، إلا أن غالبية الشعب لم يكونوا قد أسلموا، وكانوا على المسيحية بصورة خاصة، ولم تكن نسبة المسلمين قد تجاوزت الربع بعد مرور ثلاثة قرون من الزمان. ومن العجائب أن الغالبية إنما دخلوا الإسلام بعد الحملات الصليبية التي جعلت مسيحيي العرب ينفرون من هؤلاء الذين يدعون المسيحية ويرتكبون هذه الجرائم الهجمية، وبعد أن تعايشوا مع إخوانهم المسلمين واختبروهم لفترة طويلة من الزمن.
وعودة إلى زمننا هذا، المرتبط به وعد عودة الأرض بمفهومها العام الشامل؛ أي حصول السيادة للمسلمين على الأرض وهم غير راغبين فيها، وبمفهومها الخاص المرتبط بفلسطين بصفتها “الأرض المعنية المذكورة في نبوءة داود” الذي جاء في قوله تعالى:
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء 106)
فإن الصلاح إنما يعني أن تترك البلاد الإسلامية معارضة جماعة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام كخطوة أولى، ثم أن تتعاون معها ومع الخلافة الراشدة وتستهدي بهديها وإرشادها للتعاون في البر والتقوى، وعندها سيعدون صالحين، وستبدأ نسبة المؤمنين تزداد شيئا فشيئا بحرية على مدى القرون، مما يجعل التزامهم بهذا الهدي والإرشاد أكثر قوة، وبالتالي يزداد صلاحهم وتزول عيوبهم ويفلحون. ونسأل الله تعالى أن يتحقق هذا في القريب العاجل، وهو ولي ذلك والقادر عليه. وهنا يمكن أن نلتفت إلى نكتة هامة، وهي أننا نستطيع أن نقيس معيار صلاح أي أمة عربية أو إسلامية من مدى معارضتها للجماعة، فلا شك أن الأكثر فسادا هم الأكثر معارضة، وكلما تضاءلت هذه المعارضة اقتربت الأمم من الصلاح.
الخلاصة، أن من علامات الصلاح هو أن يبدأ المسلمون بالتعاون بينهم والوحدة، ويتركوا التناحر والتباغض والعداوات فيما بينهم، كما تدعو الخلافة الراشدة دوما، وكما يدعو الخليفة نصره الله تعالى في خطبه ونداءاته مؤخرا. وتلقائيا، لو استعدوا لذلك، فإنهم سيستفيدون من وجود الجماعة الإسلامية الأحمدية بينهم باعتبارها جزءا من الأمة الواحدة، التي لها نبي واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة. ونحن كنا أول من سعى للوحدة والتعاون منذ زمن الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام وعلى مدى عهود الخلافة الراشدة. فليتهم يزيلون النيات السيئة والظنون إذن لاستفادوا من جهودنا. أما الظن بأن الصلاح لن يتحقق إلا بإيمانهم جميعا عن بكرة أبيهم بالمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام فقط وحصرا، وأنه لا فائدة مطلقا من أي جهد يمكن أن يقوم به المسلمون قبل ذلك، فهو ظن غير واقعي وغير صحيح، ولا يطابق ما كان في صدر الإسلام أيضا، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده خادمه الصادق الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام.
وعلى كل حال، فإن الخلافة الراشدة تعي ذلك جيدا، وتسعى إليه، والأحمديون تحت قيادتها سيسيرون خلفها، ولكن الوعي يجعل المرء أكثر انسجاما، لأن سوء الفهم أحيانا قد يتعاظم، وقد يوقع المرء فيما لا يحمد عقباه. فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى تحت ظل الخلافة الراشدة دوما، آمين.

لا تعليق