منذ سنوات، والصحفي الإسرائيلي المخضرم جدعون ليفي، الكاتب في جريدة هآرتس، وهو يتكلم في منابر مختلفة، ويكرر في كل مرة تشخيصه لحالة إسرائيل وللمجتمع الإسرائيلي، ويقول بأن المشكلة تكمن في ثلاث نقاط:
يقول بأن النقطة الأولى هي أن الإسرائيليين يرون أنهم يحق لهم أن يفعلوا ما يشاءون، بما أن اليهود قد تعرضوا للهولوكوست! وأنه يجب ألا تخضع أعمالهم لحسيب أو رقيب. لذلك فإن القيم والمعايير الإنسانية الدولية التي يتوافق عليها العالم لا تنطبق على تصرفات إسرائيل، ولا تبالي إسرائيل بها.
والنقطة الثانية هي أنه يرى بأن الاحتلال الإسرائيلي لعله من أشد الاحتلالات قسوة وإجراما، ولكنه لم يرَ ولم يسمع في التاريخ باحتلال يقدم نفسه على أنه الضحية! ويستشهد بقول لجولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة، التي قالت ذات مرة: “إننا لن نسامح الفلسطينيين على أنهم جعلونا نقتل أطفالهم”! ويقول مستهزئا: مساكين نحن! أي أن قولها هذا يوحي بأن الفلسطينيين يريدون أن يقتل الإسرائيليون أطفالهم، ويقدمونهم للذبح أو يقدمونهم كدروع بشرية، فيقلتهم الإسرائيليون مضطرين متأسفين، والفلسطينيون قساة القلوب لا يبالون بأطفالهم!
أما الثالثة فيقول بأن مشكلة إسرائيل تكمن في أن الإسرائيليين لا ينظرون إلى الفلسطينيين على أنهم بشر مثلهم، بل يرونهم أشبه بالحيوانات، وأن هذا متجذر في ذهنية كل إسرائيلي، مهما بدا متسامحا أو مسالما. وقال بأن إسرائيل تعمل على نزع الإنسانية عن الفلسطينيين بصورة ممنهجة. وبالطبع فإن وصم العرب والمسلمين عامة والفلسطينيين بالهمجية وعدم التحضر وبأنهم قساة قلوب لا يحبون الحياة ولا يحبون أطفالهم قد عملت الدعاية الصهيونية على الترويج لها في الإعلام الغربي وفي الأفلام بحيث غرست في ضمير المجتمعات الغربية كما هو معلوم.
ونظرا لأن الإسرائيليين قد نزعوا الإنسانية عن الفلسطينيين، لذلك فهو يرى أنه لا يمكن أن يتقبلوا أن يعيشوا بسلام مع الفلسطينيين وينال الفلسطينيون حقوقا متساوية، ولا يمكن أن يقبلوا بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ويقول بأنه لم يقدم مطلقا للفلسطينيين أي صيغة لسلام عادل ملائم، ويقول بأن الفلسطينيين كانوا على درجة من المرونة بحيث إنهم تنازلوا أكثر من اللازم، ولكن دون جدوى، ومارست إسرائيل أبشع أنواع الظلم والقهر والاحتلال والحصار على الفلسطينيين وضيقت عليهم. وقال إن السؤال المهم الذي يجب أن يسأله كل إسرائيلي لنفسه هو ماذا سيفعل لو كان قد ولد فلسطينيا؟ وقال بأنه كان قد سأل “أيهود باراك” رئيس الوزراء السابق في لقاء له عندما كان مرشحا لمنصب رئيس الوزراء في وقت من الأوقات هذا السؤال، فقال إنه سيكون ملتحقا بإحدى منظمات المقاومة الفلسطينية! وقال بأنها كانت لحظة صدق كلفته خسارة الانتخابات حينها. ولكن هذا لا مفر لإسرائيلي أن يكون هذا جوابه لو كان منصفا.
أما في تعليقه على الأحداث الأخيرة، فيقول بأنه يشعر بالصدمة لأن المجتمع الإسرائيلي بكامله يؤيد الحرب على غزة، بل ويؤيد القتل الجماعي والتطهير العرقي للفلسطينيين، ويرى الغالبية العظمى أن إسرائيل لا تستخدم قوة كافية في حربها على غزة، وأن من واجبها البطش بصورة أشد. ويقول بأنه كان يجد أصواتا قليلة في السابق تنادي من أجل السلام، ولكنها اختفت حاليا من ذلك المجتمع، وقال إنه محتار فيما لو كان قد حدث شيء ما أو أن هذه هي حقيقة المجتمع الإسرائيلي بالفعل! وتراه يطالب بضغوط عالمية وعقوبات على إسرائيل لكل تتوقف عن عدوانها وإجرامها.
هذه الشهادة التي لا يتوانى أن يكررها هذا الرجل المنصف ذات أهمية عظيمة، لأنه إسرائيلي يهودي، يفهم المجتمع الإسرائيلي جيدا، ويدرك حقيقته عميقا.
وقد يبدو للبعض أن أقواله هذه تمثل خيانة لإسرائيل، ولكن في الحقيقة، فإن هذا الصوت وأمثاله هو الذي يمكن أن ينقذ إسرائيل من نفسها، خاصة وأن هذه الحقائق التي بينها وأكد عليها قد بدأت تظهر للعيان، وستنال إسرائيل عواقب وخيمة بعد ظهور صورتها الحقيقية للمجتمع الدولي وللشعوب في العالم، وخاصة في المجتمعات الغربية. ولن يستمر هذا الدعم الغربي لها حتما، ويجب أن يفكر الإسرائيليون في مستقبلهم وفي صورتهم، ويحاولوا أن ينقذوا أنفسهم مما سيكون على الأقل خزي أخلاقي يجعلهم يتوارون عن الأنظار أو يستنكرون إسرائيل وتاريخها في يوم ما كما يشعر الألمان بالخزي من النازية اليوم.
الواقع أن الدرس الذي كان يجب أن يفهمه الإسرائيليون هو أن الذي يعيش بالسيف يموت أيضا بالسيف كما قال المسيح عليه السلام: {لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ} (إِنْجِيلُ مَتَّى 26 : 52)، وأن منطق العيش بالقوة والأخذ بالقوة، لا على قيم السلام وحسن الجوار والحقوق المتساوية مع البشر، لا يمكن أن يخلق مجتمعا طبيعيا قابلا للحياة، بل سيكون هذا المجتمع أشبه بعصابة تعيش في خوف مستمر، وسيعاني هذا المجتمع في العالم كله، كما سيعاني داخليا من تبعات هذه السياسات التي ستدمر أخلاق أفراده. لذلك فإن عليهم أن يعيدوا النظر في قيمهم وأخلاقهم ويسعوا لكي يعيشوا حياة طبيعية مسالمة، وعليهم بأنفسهم أن يفككوا هذا الكيان الشاذ، كما قامت دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بتفكيك نفسها، ليعيش الجميع في فلسطين في سلام. فبقاء الكيان بهذه الصورة، فهو لا يشكل خطرا على السلام العالمي فحسب، فهو يشكل خطرا على الإسرائيليين أنفسهم، وخطرا على اليهود في العالم الذين ليسوا جميعا صهاينة، والذين سيتحملون مسئولية أفعال إسرائيل حتى وإن لم يساهموا فيها. ولذلك فإنه من الجيد أن هناك العديد من الأصوات اليهودية في العالم التي بدأت تتصاعد ضد الصهيونية، بل نجد أن من أبرز الأصوات المؤيدة للحق الفلسطيني هي من شخصيات ومفكرين يهود مرموقين، وسيدرك اليهود يوما بأن هؤلاء هم من أنقذوهم، وسينظرون إلى السياسيين الإسرائيليين وبخاصة مجانين اليمين المتطرف حاليا بقيادة نتنياهو على أنهم وصمة عار في جبين اليهود إلى الأبد. وباختصار فإن هذا المجتمع الإسرائيلي مجتمع مريض، خطير على العالم وخطير على نفسه، ولا يقتصر الأمر على السياسيين وبخاصة السياسيين الحاليين كما قد يظن البعض، بل هم في الوقت الحالي ربما يعبرون التعبير الحقيقي عن هذا المجتمع.
أما الدرس الذي يجب أن يفهمه المندفعون إلى التطبيع فهو أن الإسرائيليين لا يرونكم بشرا مثلهم أصلا، وهم لا يرغبون بعلاقات طبيعية معكم، بل يريدون علاقة خدمة كما تخدم الحيوانات أصحابها. وإن أظهروا أحيانا إعجابا بكم أو بما تقولون أو تفعلون فهذا ليس من باب أنهم يرونكم شيئا مقدرا أو محترما. والواقع أن اعتبار البشر عموما حيوانات بشرية هي مسألة متجذرة في هذا الفكر القميء المتطرف ولها أصلها في التلمود الذي جاء فيه أن البشر إنما خلقوا على هيئة بني إسرائيل فقط ليخدموهم وإلا فإنهم ليسوا بشرا وإنما حيوانات! لذلك لم يخترعها وزير الدفاع لأول مرة عندما قال بأننا نقاتل “حيوانات بشرية” وأنه سيقطع عنهم الماء والكهرباء والغذاء والدواء والوقود! وهذه النقطة والنقاط الثلاث الأخرى، هي التي من خلالها يمكن أن نفهم تصريحات المسئولين الإسرائيليين الوقحة وسلوك إسرائيل الإجرامي في غزة، والتي تجاوزت كل الحدود.
إن هذه العقلية المريضة العنصرية البغيضة هي السبب الرئيس الذي جعل اليهود هم المغضوب عليهم من الله تعالى. فهذه العقلية حتى قبل أن تظهر في الأفعال هي عقلية يبغضها الله تعالى بشدة كما يأنف منها الضمير الإنساني. وهذه العقلية هي التي ما زالت تسيطر على فكر وسلوك إسرائيل وتربية مجتمعها. وإذا استمر الحال كما هو فإن جولات من العذاب الذي تأذن الله بنزوله على المغضوب عليهم ستحل بهم حتما. أما ما خططوا له ونفذوه فقد بدأ يتلاشى بفضل الله تعالى. فإنسانية الفلسطينيين -الذين أرادوا أن يظهروهم كحيوانات متوحشة- وصبرهم وإيمانهم وتوكلهم على الله، قد ظهرت بصورة جلية في الأحداث الأخيرة مما أذهل العالم، وجعل العديد من الناس يهتمون بالإسلام ويعتنقونه، وجعل العديدين يشعرون بحجم الخديعة التي روج لها الإعلام الصهيوني، مما جعلهم ينقلبون عليه. والواقع أن هذه هي بداية هذا المصير المحتوم الذي أنبأ به القرآن الكريم، حيث ستسوء وجوههم، وستنكشف حقيقتهم، ويسقط عنهم الدعم الغربي شيئا فشيئا. فالله تعالى ليس بغافل عما يعملون، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

لا تعليق