فمجرد امتلاك السلاح أو القدرات القتالية، مهما تطور، لا يجدي نفعا في هذه الأيام. لأن المعركة معركة معلومات بالدرجة الأولى.
حاليا، وبسبب الانترنت والهواتف الخلوية وكاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان والأقمار الصناعية والذكاء الصناعي، من السهل تتبع أي شخص ومعرفة أين هو بالتحديد في هذا الوقت، بل وماذا يفعل وماذا يقول!
وحتى لو لم يكن يحمل هاتفا خلويا، فالذكاء الصناعي سيحدد من لهم صلة وعلاقة به من مساعدين أو أفراد عائلة، وسيتمكن من تحديد مكانه بل والتنصت إليه من خلال الأجهزة التي مع الآخرين. بل يمكن تمييزه مباشرة فيما لو مر بالقرب من آخرين يحملون هواتف خلوية لا علاقة لهم به، وذلك من خلال بصمة الصوت، ويمكن أيضا من خلال صورته من كاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان والمربوطة على الانترنت. والمسألة لا تحتاج جهدا استخبارتيا وتحليلا، بل الذكاء الصناعي سيفعل كل شيء، بل أحيانا هو الذي يتخذ القرار ويحدد الأهداف ويطلق النار.
والذي يشك في ذلك، فليلاحظ مثلا، أنه لو قال إنه يفكر في شراء شيء أو كان يتحدث مع أحد في شيء ما، فسيجد الإعلانات التجارية تأتيه تعرض عليه المنتج الذي تحدث عنه، دون بحث منه. وهذا فيما يتعلق بالتجارة وكسب المال، أما فيما يتعلق بالاستخبارات والجوانب العسكرية، فلا ضوابط على هذا الأمر، ويمكن في كل لحظة تحديد مكان من يشاءون، حتى لو كان إنسانا عاديا، بل والاستماع إلى صوته، بل ربما أيضا القيام ببث صوت وصورة من كاميرة مراقبة موضوعة في المكان لأغراض أمنية وهي مخترقة بسبب أنها تبث عبر النت، أو حتى من تلفزيون ذكي، أو من خلال كمبيوتر شخصي أو محمول. وإذا كان عازلا نفسه عن كل هذه الأمور، فالذكاء الصناعي سيتمكن من ذلك أيضا من خلال الذين حوله.
فهل من المعقول مثلا أن تستطيع إسرائيل أن تقضي على قادة حزب الله أولا، واحدا تلو الآخر، ثم تصل إلى الأمين العام في ملجئه وتقتله أيضا، ويصبح حزب الله بلا رأس، والصواريخ التي كان من المتوقع أن تحرق نصف إسرائيل لن تجد من يطلقها أو يأمر بإطلاقها! وهل من المعقول أن يجمع الجيش الإسرائيلي الأسلحة الحديثة المضادة للدبابات، التي لو كان هناك قيادة وسيطرة لتمكنت من تدمير الدبابات الإسرائيلية الواحدة تلو الأخرى. طبعا ناهيك عن فضيحة أجهزة النداء الآلي (البيجر)، وكيف وصلت، وكيف لم يُكتشف أنها تحمل قنابل صغيرة!
وفي إيران اليوم، وصلت إسرائيل إلى جميع القادة الرئيسيين، في ضربة واحدة، ومن قبل استطاعت أن تصل إلى غرفة إسماعيل هنية، وليس المبنى كاملا، وتقتله بصاروخ أو قنبلة، وهذا يدل على اختراق كبير وغير مسبوق لا يبشر بخير.
إن هذه الحال المؤسفة التي تعيشها الأمة، وهذا العجز وهذه الخسائر التي تصيبها، لا يمكن أن تكون خارج السيطرة والإرادة الربانية، ولكن هل تخلى الله تعالى عن الأمة؟ أم ماذا؟ أم أن هناك أمرا لا بد أن ننتبه إليه؟
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الزمان الذي سيظهر فيه المسيح الدجال:
“إني قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يَدانِ لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطور”.
فإذا رأينا أن قوما قد استولوا على الأرض، وصار من المستحيل أن يقدر أحد على قتالهم، فلا بد أن نعلم أن هذا الزمان هو ذلك الزمان الذي أنبأ عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والذي بيَّن فيه الحل. إن كنا نؤمن بالله ورسوله، وإلا فعلينا أن نستسلم، ونرضى بالعبودية لهؤلاء الأقوام!
ولطالما قلنا بأن المسيح الموعود الذي يقتل الدجال قد نزل، وأن الذين ينتظرون نزول عيسى من السماء لن يروه نازلا، فهو ميت ولن يعود بنفسه، وأن المقصود هو بعثة الإمام المهدي والمسيح الموعود الذي هو خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومن أمته. ولا سبيل للخلاص ولا للنجاة إلا باتباعه.
فمما جاء في حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“ثم يأتي عيسى بنُ مريم قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللهُ إلى عيسى: “إني قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يَدانِ لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطور”.
ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدبٍ ينسلون، فيمرُّ أوائلهم على بحيرةِ طَبَرِيَّةَ، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرّةً ماءٌ.
ويُحصَر نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه، حتى يكون رأسُ الثورِ لأحدِهم خيرًا من مئةِ دينارٍ لأحدكم اليوم، فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم، فيُصبحون فرسى (أي قتلى) كموت نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبرٍ إلا ملأه زهمُهم ونتنُهم، فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يُرسل الله مطرًا لا يكنُّ منه بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة.”
(رواه مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم: 2937)
فما دام هؤلاء القوم قد خرجوا، فمن أنكر ما نقول، نقول له: أين المسيح إذن إذا لم تقبل بمسيحنا الموعود وما زلت مصرا على نزول عيسى ابن مريم بنفسه؟
أم أن هناك زمانا أكثر سوءا مما نحن فيه اليوم!
وعلى كل حال، فإن هذا الحديث يبشر بأن عاقبتهم ستكون سيئة، وسيُقضى عليهم بأسباب وأيد إلهية، ولكن علينا أن نلجأ إلى الطور، والذي يعني التوحد فيما بيننا أولا ونبذ الخلافات التي مزقت الأمة وجعلتها مستعبدة لهؤلاء، وأن نتوجه إلى ذلك المسيح الموعود وخليفته في زمننا، وندعو الله تعالى تحت قيادته الدينية متحدين.

لا تعليق